ساد في كثير من البلاد العربية خلال الأشهر الأخيرة الحديث عن المراجعات الواجب على أكثر من جهة خوضها، سواء في نقاش داخلي نقدي أو في حوار جماعي مفتوح. مراجعات يرجى من نتائجها أن تتخذ هذه الجهات خطوات فكرية وسياسية جدية للقطع مع تصورات وسلوكيات ترى بعض الأطراف أنها تضر بصالح الجماعة السياسية، أو هكذا يبدو. ولعل أهم طرفين قُصدا بهذا “التلويح”، تلميحا وتصريحا، هما الحركات الإسلامية والإعلام المستقل.

كان الحديث واضحا فيما يخص الحركة الإسلامية في أكثر من محطة وحدث ونقاش سياسي وفكري، واعتبرت أكثر اللحظات بروزا تلك التي ارتبطت بما عرف بمراجعات “جماعة الجهاد” في مصر والدراسة النقدية التي أصدرها أميرها السابق ومنظرها الشرعي “سيد إمام” من داخل السجن. والملاحظ هنا أن بعضا ممن تحكمهم خلفيات الاستئصال أرادوا توسيع دائرة المراجعة لتشمل الثابت من التصور والمعتدل من الحركة لدى عموم الصف الإسلامي -ليشمل التيار الوسطي العام داخلها-، إلى الحد الذي تفقد فيه هذه الحركات هوياتها السياسية ومرجعيتها الإسلامية.

أما فيما يخص الطرف الثاني  الإعلام المستقل- الذي أصبح فاعلا قويا في كثير من الأوطان العربية ومؤثرا لا يمكن القفز عليه في صناعة الرأي العام العربي، فإن النقاش الإعلامي والسياسي المثار هنا وهناك حول بوصلة وخط تحرير العديد من القنوات الفضائية والصحف المستقلة ودورها الإعلامي والإخباري المطلوب ضمن المشاريع المرفوعة دال في اتجاه “المراجعات المطلوبة” من وجهة النظر هذه، وما نموذج النقاش حول الخط التحريري ليومية المساء المغربية عنا ببعيد.

كيفما كان الحال، وبعيدا عن الخوض في هذين النقطتين اللتين تحتاجان إلى نقاش معمق ليست هذه المقالة مساحته، أثارني ألا حديث علا وفرض نفسه حول أولوية مراجعة نظام الحكم العربي لسياساته ومشاريعه وذلك لتجاوز أعطابه غير المحصورة. إذ وكما يعلم الجميع فإن الطرف الأكثر مسؤولية عن واقع التردي السحيق الذي تعيشه الأوطان العربية هو النظام الحاكم وسياساته غير الشعبية ولا الشرعية.

وأرى أن النظام السياسي العربي عليه -إن أحسنا الظن بالنوايا مسايرة للمتفائلين- أن يؤسس لمراجعة عميقة تنظر في الأساس الذي بنا عليه مشروعية حكمه، ويراجع آليات تدبيره اليومية في التعاطي مع المجتمع، ويحدد مشروعه المستقبلي الذي من المفترض أن يكون واضحا.

1- على مستوى مشروعية الحكم.. من الفردية إلى الجماعيةمن المفترض في الدولة أنها نتاج جماعي وتأسيس مشترك لإرادة مجتمعية في العيش، وفق نمط منظم وفي إطار قانوني، ومن تم تكون الدولة تعبيرا “نظاميا” عن رغبات “فردية”.

ويكون من مُؤسِّسات “دولة المجتمع” هذه، أسين رئيسين على الأقل:

– أن تكون لحظة “ولادة الدولة” شرعية، وتعني أنها “إرادية” ليست إكراهية، وجماعية ليست فردية.

– أن تكون هذه المحطة التأسيسية التاريخية لحظة لصياغة مشروع الحكم وآليات تصريفه، بدء من طبيعة النظام السياسي وتوزيع السلط ووضع الضمانات… ووصولا إلى صوغ كل ذلك في قالب يمر بالضرورة إلى خدمة المجتمع. إذ الدولة ليست هدفا لذاتها.

هذا كلام نظري في الفكر السياسي، نعم. لكن هل أصبح متجاوزا في واقعنا العربي؟ لا.

فالدولة العربية الحديثة لم تتجاوز -في معظمها- نصف قرن على التأسيس ومن تم لما تتحول بعد إلى ثابت مجتمعي لا يمكن، بصيغته الحالية، الاستغناء عنه هذا من جهة، ثم لأن نظام الحكم الذي تولد عن هذا التأسيس -وهذا هو الأهم- لم يسلك طريق الشرعية السياسية، بل جاء خلسة في عتمة ليل الاحتلال والاستبداد.

فمصر انتقلت من تجربة سياسية في ظل استعمار بريطاني قوي إلى حكم العسكر الذي انقلب على ملكية ضعيفة بتاريخ 23 يوليو 1952، ومنذ ذلك التاريخ والبلد تعيش في ظل العسكر ثم الحزب الحاكم الذي احتكر السلطة والنفوذ إلى الحد الذي ألغى أي دور لكل الأحزاب. وتونس “جددت” لحكم بورقيبة منذ 1957 ثلاث مرات قبل أن يهيمن حزبه على الجمعية التأسيسية سنة 1974 ليخلد الرجل رئيسا مدى الحياة، كل ذلك قبل أن ينقلب بن علي عام 1987 ويحكم هو الآخر إلى اليوم. والسودان تعيش حياة سياسية على إيقاع أمزجة العسكر الذين دشنوا الانقلابات منذ 1958. وفي سوريا حسم حزب البعث منذ 1963 بانقلابه على الانقلابات العسكرية السابقة، وليحكم الأسد الأب ردحا من الزمن قبل أن تنتقل السلطة إلى الأسد الابن في واحدة من أغرب عمليات “الجراحة السياسية” التي مزجت الجمهورية بالملكية، وفتحت الباب أمام شهية “توريث السلطة” في الجمهوريات العربية. وفي الأنظمة الملكية والإمارات (المغرب، الأردن، السعودية، الكويت، البحرين، قطر، الإمارات، عمان) تنتقل السلطة من الأب إلى الابن أو الأخ أو أحد أفراد العائلة الحاكمة بعيدا عن اختيار المجتمع أو تأثير المؤسسات “المنتخبة” الفاقدة أي دور في المسارات الضيقة لتداول “السلطة العائلية”، سواء كان هذا التوريث عن طريق الانتقال السلس (المغرب سنة 1999، انتقال الحكم من الحسن الثاني إلى محمد السادس) أو عن طريق الانقلاب (السعودية في 1964 الملك فيصل يعزل أخاه الملك سعود، عمان في 1970 السلطان قابوس يعزل أباه سعيد) أو عن طريق القتل (الأردن في 1951 اغتيال الملك عبد الله، السعودية في 1975 اغتيال الملك فيصل).

إن الصورة المختزلة أعلاه توضح أن النظام السياسي العربي، الذي تأسس بعيد “الاستقلال” وفي كثير منه على أعين الاستعمار، لم يعبر عن إرادة شعبية جماعية للمجتمعات العربية الإسلامية بل تولَّد عن نزعات تسلطية فردية وغلبة عائلية أو حزبية. ولعل الآليات غير الديمقراطية في انتقال السلطة (توريث، انقلاب، عزل) خير معبر على أن أغلب نظم الحكم القائمة في أوطاننا سطت على آلة الدولة في غفلة من المجتمع، فوجهتها لخدمة فئات محدودة حزبية أو عائلية أو طبقية، ومن تم فهي تعيش مأزقا حقيقا فيما يخص مشروعيتها في الحكم.

ينضاف إلى فقدان هذا الأساس الديمقراطي السياسي، الذي يفترض أن شعوبنا العربية تشترك فيه مع غيرها من الأمم، غياب ركيزة محورية لا معنى لمنطقتنا دونها وهي الخصوصية الإسلامية للدولة ما دام الإسلام هو المرجعية العليا للمجتمع. وهو ما كان يستدعي لزاما اصطباغ نظام الحكم بهذه الخصوصية عند التأسيس واختيار الحاكم بناء على المعايير الإسلامية والأخلاقية المعتبرة، إلى جانب الكفاءة والأهلية. ولسنا في حاجة إلى الاستدلال على فقدان كل ذلك والاكتفاء بالتمسح بالإسلام في الوثائق الدستورية والمناسبات الدينية والتوظيفات السياسيوية.

إن النظام السياسي العربي الرسمي عليه أن يصحح العطب الأول الذي يعاني منه وهو فقدان الأساس الشرعي الذي يخوله حُكم الأوطان وقيادة الشعوب، سواء كان هذا الأساس شعبيا ديمقراطيا أو شرعيا دينيا. وواجب في حقه إن أراد سد هذا الفراغ الكبير أن ينتقل من نظام وُسِم تاريخيا بالفردية والإكراهية إلى نظام حكم يجدد مشروعية حكمه على أساس الإرادة الشعبية العامة والاختيار الحر الجماعي للمجتمع العربي المسلم.