الفصل الثالث: في بناء المستقبل

في الحاجة والمستقبل

حضارة مريجكيف هي الحضارة اللاييكية التي تجعل نفسها قدوة تحمل الناس على التأسي بها طوعا وكرها؟

– نار الاستبداد والفقر وضلال الدين

عاشت أوربا الوسيطة صرا عات وانشقاقات. صراعات دينية وسياسية. كان ذلك من فساد الدين، وطاغوت القياصرة. الاستبداد كان سمة الحكم. والمتاجرة في الدين كانت سمة الكنيسة. والرهبنة كانت على الهامش. والعقيدة استدرت فلسفة أرسطوطاليس. والشريعة تأزرت بقانون الرومان.

فسد الحكم، وفسد رجال الدين، وأفسدوا في الدين. فنشأ من هذا فساد المجتمع وصراعه، وتصدعاته وتناقضاته. لا عدل يرجى، ولا صلاح دين. سخط على الدولة، وعلى الكنيسة.

حقا في نار الاستبداد والفقر وضلال الدين.

وجد الإنسان الغربي في خضم الصراع، في ثقافة الأجداد اليونان والرومان، ما يبشره بالعدل في الحكم، بالديموقراطية، فاستجاب ردا على الاستبداد. ووجد فيها ما يمجد حقه في الطبيعة والسيطرة على الطبيعة، فاستجاب ردا على الرهبانية. ووجد ما يمجد العقل واستعماله، فاستجاب صدا لخرافات الدين النصراني.

– تأليه الإنسان والعقل والطبيعة

وما إن طلع القرن الثامن عشر الميلادي، حتى اقتعدت فلسفة الأنوار أسسا ثلاثة: تأليه الإنسان والعقل والطبيعة.

تأله الإنسان فعبث، وظن الحياة بلا معنى ظن عقيدة الدهر. وتأله العقل فتردى في مهاوي اللاأدرية. وأله الطبيعة فأوردته نار الحرب، وألقت في قلبه خوف الحرب.

وحبا العلم فرعا عن الفلسفة، ثم مشى ندا محاورا، ثم خطا منفصلا عنها، متصلا بالتقنية. ولما تأله وتمرد على الدين، شاخ وخرف، فذهب يقينه. وحار ودلف في سراديب الاحتمال.

واعتقد القرن التاسع عشر عَقْدَ التطور، في حياة الإنسان، نحو الأفضل روحيا ووضعيا وماديا. وفي حياة الطبيعة، تكيفا واصطفاء للأصلح. فتكشف القرن العشرين أن حياة الإنسان ترد موارد المجهول والتدهور والموت، وأن الطبيعة بلا نظام، وآيلة إلى الدمار.

العدمية واللا أدرية، هما روح ثقافة الغرب الحاضر وحضارته. عدمية أعلن عنها نيتشه، وأزرى بالفكر والخلق، وأله القوة فنزت النازية نزواتها. عدمية حصر صدر الإنسان في معمعانها، أن يامنها أمنا بوذيا، أو يشهر في وجهها سيف العبث في الخلق والعقل وأرواح الناس.

– حضارة عزة وشقاق

حضارة أمرها مريج؛ تجمع تناقضات، وفي كتابها اختلاف كثير. النصرانية فيها طل أصاب صفوانا. وإنها ما عمت أوربا، إلا أواخر الألفية الأولى.

حضارة عزة وشقاق تمخضت عن أوربا الحديثة. فبغت هذه أكثر مما سبق، وتضلعت عزة، فأمعنت في الشقاق. وجاء إصلاح مارتن. وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر؟

خاضت العقلانية غمار حرب ضروس ضد الدين، ثم ضد تجربة العلم، ثم ضد البحث عن غاية الوجود. عارضها روسو بأخلاقيته. وجمع بينهما هيجل. وانتصر هايدجر وكيكجر للرومانسية والوجودية. ووقفت التجريبوية في وجه العقلانية التي حد من غلوائها ومجال عملها كانط. وجاء برجسون ليجعل الحدس أصلا للمعرفة والمنطق لَبُوساً.

تخبط العقل في حمأة كبريائه، وتعزز بقدراته. وكلما أدركه الغرق استصرخ الدين. تراشقت أفكاره فاستصرخه. وفُتَّ في عضد القيم والأخوة، فاستغاث بالعاطفة فيه. وتأزر بالتقنية، وكلما أوقدت نار الحرب، وأحرقته الحرب، استطفأها بالدين. وتضلع بالعلم، وذهب يقينه في العلم، فاستغاث. مسكين، أغرته نهضة الكشف والعلم والتقنية، واستفزته حرب الكنيسة والاستبداد.

– غُلُّ الآلة وضياع الإنسان

عالم اليوم محكوم بأمرين: العلم الحديث والدولة الحديثة. وهذان فرع وتبع للتقنية الرأسمالية. العصر عصر التقنية والحداثة، حيث الانتقال من معرفة الواقع، إلى الفعل في الواقع.

إنه لم تعد التقنية تسخيرا لقوانين الفيزياء، تلبية لحاجة الإنسان. بل أصبح جوهرها تنظيم الحياة، أشياء بلا معنى ولا غاية، إلا غاية الطغيان والاستكثار من القوة. التقنية الرأسمالية طوقت الإنسان، وقتلت إنسانيته. فهو شيء كالأشياء، عبد نظامها، وقيد حديدها. تأله منطق التقنية، واستعبد منطق الإنسان. تألهت فأوقدت الأرض حروبا. وأشد من هذا، أتلفت معنى الإنسان، وحولته دابة حديدية، قيمتها المردودية. أمسى الإنسان آلة في ظلمة، قيمته أثره في عالم الفيزياء، وانضباطه لقوانينها. بلا معنى، بلا وجود، بلا غاية وجود.

هكذا طُوّق الإنسان المتأله. طُوّق بما صنع واخترع، وبما بخل أن ينفقه في سبيل الله. نسي الله فأنساه نفسه. وأصبح عبد ما صنع، لما استنكف أن يكون عبدا لله. هكذا عبد من سبق ما صنعوا طوعا، وهكذا يعبد هؤلاء ما صنعوا كرها.

تأله الإنسان، وجعل بدء الخلق في عالم الفكر” أنا أفكر “. ودل على عالم الفكر، بأنه عالم ظواهر الأشياء دون حقائقها. أورد الانسان فكره قمقم الأنا الكوجيطوية. ثم أوردته هذه قمقم الظواهر فاحتوشته شياطين التقنية، وأخذته بعيدا عن حقيقته، وحقيقة العالم.

أورد الإنسان نفسه هذه الموارد، عساه يتأله ويملك الدنيا، ويستعبد الطبيعة. فكان أن ملكته التقنية، وسيلته للسيطرة على الطبيعة. نسي ربه، فأنساه نفسه وطوقه ماله، وأحرقه ما كنز. أعلن هو “موت الله”، أستغفر الله، وأعلنت التقنية “موت الإنسان” في القرن العشرين، قرن الإعلان عن ضياع الإنسان ونقض الميثاق البروميثيوسي؛ بل موت بروميثيوس (بروميثيوس: الانسان المتمرد على الالهة، المنتصر، المحرر.)

رَجَت التقنية الكبرياء والخلود؛ فطوقت الأرض والإنسان. وأهلكت الحرث والنسل، وما أمر هيروشيما وناكازاكي منا ببعيد. صرفت الإنسان عن التفكير في الموت. محكومة هي بالفعل والوظيفة، ولا شأن لها بالمعنى والغاية. عنف على الإنسان. فقدان معنى الحياة. استعباد الإنسان. موت الإنسان. ابتعد الإنسان عن الإنسان والأشياء. ابتعد عن الواقع، واندرج في الخيال.

تأله الإنسان فإذا حياته سراب. وتأله العقل فصَلِيَ نار اللاأدرية. وتأله العلم فاحتوشته وساوس الاحتمال، وأقر أن نتائجه غير قابلة للتصديق، وهي فقط قابلة للتكذيب. ثم تألهت التقنية ومنطق الفعل، فكان الفساد في الأرض وحياة الإنسان. وطوقت الناس، وحياة الناس، وقطعت أرحامهم؛ فهم مبعدون عن خالقهم، وعن أنفسهم، وعن بعضهم البعض، وعن الأشياء.

نسي الإنسان ربه، ثم أله نفسه، فأخذها العدم. ثم أله عقله، فأخذه الجهل. ثم أله علمه، فأخذه الاحتمال. ثم أله فعله، فأخذته الحرب والدمار. تدهور من درك إلى درك.

غل الإنسان في سلسلة منطق الآلة، أجزاء بعضها من بعض، بلا معنى، بلا حقيقة، سوى الاشتراك في الفعل والجدوى والمر دودية. بناء بنيوي وظيفي.

مات الإنسان ومعناه، ودفن في مقبرة المذاهب البنيوية والوظيفية. طغت الآلة، وتأله الحجر وعبد، كما عبد من قبل في صورة ساذجة.

قال الله تعالى: “أَوَ مَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناَّس” (سورة الأنعام الآية 122).

يحيا الإنسان بذكر الله وعبادته، فيجعل الله له نورا من الإيمان ينير العقل والعلم والتقنية، فتكون جميعا في خدمة الإنسان، لا آلهة تعبد من دون الله.