عنون الأستاذ محمد الساسي مقالته المنشورة بجريدة المساء عدد 485 ب”مهندسو المرحلة” تحدث فيها عن سياقات مؤتمرين أساسيين عرفهما المغرب مؤخرا ويتعلق الأمر بمؤتمر النقابة الوطنية للصحافة ومؤتمر الاتحاد الوطني للمهندسين، ومن الخلاصات التي استقرت لدى الكاتب أن هذه الإطارات تعرف حراكا داخليا وتحولات أساسية فحكم على كون النقابة الوطنية للصحافة حققت نجاحات في مؤتمرها الأخير لما سعت إلى إدماج الأجيال الصاعدة في هياكلها، في حين قارب موضوع الاتحاد الوطني للمهندسين من زاوية أخرى غلب عليها الطابع السياسي في محاولة لتفكيك عناصر عملية التوافق بين اليسار والعدل والإحسان التي رافقت تشكيل أجهزة الاتحاد، وفي خلاصة مركبة تساءل أستاذنا الجامعي “هل ستنجح محاولة التعاون بين اليسار والعدل والإحسان في تسيير الاتحاد الوطني للمهندسين؟”.

هذه الخلاصة كانت بمثابة الأطروحة /الفرضية التي سيناقشها المحلل السياسي الأستاذ الساسي على ضوء المعطيات التاريخية والميدانية. وقبل أن نقف على خلاصات ونتائج هذه الدراسة الساسية لابد أن نتوجه إلى صاحبها السيد محمد الساسي لنطلب منه مزيدا من الصبر لنفتح من خلاله حوارا مع كثير من اليساريين الصادقين في هذا البلد عسى أن تجد هذه الدعوة من يتحمس لها من إخواني الملتاعين، ويتجاوبوا معها علنا نؤسس لمرحلة جديدة يتقارب فيها اليسار والعدل والإحسان أكثر فأكثر.

خلص الأستاذ الساسي بعد عرض عناصر أطروحته ومقاربة التجربة الحركية للعدل والإحسان من خلال تجربتي الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وكذالك من خلال مجموعة العمل الوطنية للدفاع عن فلسطين والعراق إلى خلاصات:

– العدل والإحسان تيار غير عقلاني، لا تزال عملية التفكير داخله محكومة بالخرافة واللاعقلانية.

– العدل والإحسان تيار انفرادي، مع العلم أنه يعبئ مليون متظاهر بالشارع ويهيئ ظروف المسيرات لكن للأسف يستغلها لصالحه.

-العدل والإحسان تيار لم يعرب في تجربته الحركية عن رغبته في التعاون والتعامل مع اليسار، فقد جعل من”أوطم” الاتحاد الوطني لطلبة المغرب نقابة إسلامية، ومارس الإقصاء الثقافي والفني و.. داخل الساحة الجامعية.

هذه الخلاصات الساسية عمليا شكلت النتيجة الحاسمة لتجربة الاتحاد الوطني للمهندسين، فالتعاون الحاصل بين العدل والإحسان واليسار ما هو إلا تكتيك أجبر عليه اليساريون لتمريض المرحلة خاصة وأن الجسم اليساري يعيش أزمات عويصة، دعا الساسي رفاقه في اليسار إلى معالجتها من الأصل. وبذلك يكون الساسي قد حكم على تجربة لازالت في بدايتها. بل يكون قد عبر عن موقف سياسي خطير من عملية التعاون المنشود مستقبلا على المستوى السياسي بين مكونين أساسيين في معادلة التغيير بالبلاد، ولست أدري ماذا يقترح الساسي كبديل عن ذلك، وهو الخبير بقدرة الخصم/ النظام على ترويض الأحزاب وإضعافها، وإعدام كل محاولة للتكتل السياسي، خاصة إذا تعلق الأمر بالمعارضة الفعلية.

لن أدافع عن العدل والإحسان لاقتناعي التصوري والعملي بكون الخلاصات الآنفة الذكر ما هي إلا رواسب لازالت عالقة في ذهن الساسي الذي لا يزال ينظر للإسلاميين بمنظار السبعينات فهم “التيار الظلامي الرجعي” عدو التحرر، ولكن أريد أن أتساءل مع الجامعي المناضل لنطرح نقيض الأطروحة وهو الذي يؤمن بالتحليل الماركسي للتاريخ عسانا نركب تركيبا يشكل المدخل الأساسي لصناعة عمل تشاركي جماعي لطالما انتظره المغاربة منذ زمان.

“ألا يمكن لليسار والإسلاميين أن يشكلا جبهة وطنية للتغيير؟”.

ليت الأستاذ الساسي التقط إشارات مهندسي المرحلة من موقع الغيورعلى الوحدة الوطنية الساعي إلى إيجاد ظروف الالتقاء والتزاوج التاريخي بين مكونات الساحة الوطنية، فرحم الله الفقيه البصري الذي كان حريصا على هذا الخط، لكن للأسف الشديد وبدون مقابل – تحسينا للظن- يقدم الساسي خدمة جليلة للنظام المخزني الذي يطرب لمثل هذه المقالات التفريقية.

قلت ليت الساسي انتبه للمرحلة السياسية التي تمر بها البلاد، وتخلص من إرثه العدائي التاريخي للإسلاميين، وجعل من التعاون والمرونة التي بدا بها الإسلاميون والعدل والإحسان أساسا في مرحلة تشكيل المكتب الوطني ليجعل من هذا البراديغم أرضية أساسية يفتح بها نقاشا وطنيا واسعا “الإسلاميون واليساريون، ما المطلوب في المرحلة؟”

المطلوب في المرحلة الراهنة حيث عم الفساد واستأسد الاستبداد، أن يشكل الغيورون من أبناء الأمة برجا استراتيجيا لممانعة الظلم السافر الذي تسلطه الدولة على الشعب، وعليه فالأولى أن يتصدى الساسي في مقدمة الأقلام لفتح نقاش موسع حول ضرورة خلق نقاش فكري وسياسي كبير حول علاقة الإسلاميين باليساريين، بدلا من تعميق الفجوة وجراح الآلام التي تعصر قلوبنا حسرة على ما وصلت إليه البلاد، أما عن جراح قمع المخزن وحصاره للجماعة وتنكيله بها فمهمة إحياء أمة وتجديد مقوماتها قد أنستنا إياها، فلا غرو أن يكون الساسي الأقرب ليعلم خصومة المخزن وعداوته لكل عمل تحرري صادق وقاصد.

أخي محمد، سأحدثك في هذه السطور الأخيرة عن صدق العدل والإحسان ورغبتها الأكيدة في رؤية عمل جماعي مشترك، نقترح له ورشة الحوار الوطني المفتو ح بين كل المكونات لنجيب عن الأسئلة المحرجة، عن الأسئلة الحقيقية التي ترفع مستوى النقاش ومستوى التفكير إلى مقامات تتعالى عن سفاسف التهارش والانشغال بملهاة هي من مخدرات النظام طبقا لسياسة “فرق تسد”.

أخي محمد إن دعونا إلى ميثاق إسلامي ولا نزال فلأننا نراه بوابة المصالحة مع الله تعالى ومع التاريخ ومع الأمة، وللتذكير فالميثاق الإسلامي الذي نطرحه مقترحا ليس حكرا على أحد وليس من إملاء أحد ولا يستثني أحدا فالكل يقول “إننا مسلمون”. أكيد أننا سنختلف في أمور اجتهادية تفصيلية وهذا هو وجه التجديد في الإسلام أن جعل الاجتهاد مفتوحا في وجه الأجيال في كل زمان، ولكن سنتفق في كثير من الأمور التي تجمعنا، سنتفق على أن نتعايش وألا يظلم بعضنا بعضا، سنتفق على ضرورة إقرار الحرية والعدل والكرامة الآدمية، سنتفق على مقاومة الاستبداد بكل صوره وأشكاله، سنتفق على التعاقد السياسي من خلال دستور وطني شعبي من الشعب وإلى الشعب ويعبر عن هوية الشعب ومن اختياره وبإرادته، سنتفق على صياغته من خلال جمعية تأسيسية منتخبة، سنتفق على فصل السلط فصلا حقيقيا، سنتفق على التنصيص على ضرورة بناء دولة الحق والقانون، حيث تصان الحقوق والكرامة، سنتفق على ضرورة تكريم المرأة والرفع من شأنها وتحريرها من ربقة الاستعباد والوأد الدوابي الجديد الذي تتعرض له، سنتفق على ضرورة تحرير التعليم والاقتصاد من التبعية، سنتفق وسنتفق و………

لن تكفيني أخي الساسي آلاف الصفحات لأعرض بعض معالم المشروع المجتمعي الذي نقترحه، ونتحرك من أجله خدمة للأمة وللإنسانية جمعاء باعتبار دعوة العدل والإحسان دعوة كونية إنسانية رفيقة بالإنسان ورحيمة به، ولكن أدعوك أخي الساسي لقراءة هذا المشروع والتمعن في بعض أفكاره النيرة المتنورة عكس ما ترونه “ظلاميا رجعيا فاشستيا”.

كانت هذه أخي الساسي خواطر غيور ينتمي لهذا الوطن، شجعني على مكاتبتك استماتتك وتقبلك، أتمنى بصدق أن تتلقفها بعقلك وروحك وتتفاعل معها بكل مسؤولية وجدية، وستتدارك بعضا من الزمن السياسي المضيع سدى إن شمرت عن ساعد الجد وبكل اقتناع في اتجاه انتفاضة فكرية داخلية تقعد لمنهج جديد في التفكير والممارسة في علاقة اليسار بالإسلاميين، وإلى اللقاء في مقال آخر أتمنى أن يكون تفاعليا مع أطروحة ساسية سياسية جديدة تصب في هذا الاتجاه.