عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول: ﴿إن فيهن آية أفضل من ألف آية﴾ يعني بالمسبحات الحديد، الحشر، الصف، الجمعة، التغابن.

أما قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السموات وما في الأرض﴾ أي مجد الله ونزهه عن السوء، وقال ابن عباس: صلى لله ما في السموات ممن خلق من الملائكة، والأرض من شيء فيه روح أو لا روح فيه. وقيل: هو تسبيح الدلالة، وأنكر الزجاج هذا وقال: لو كان تسبيح دلالة وظهور آثار الصنعة لكانت مفهومة، فلم قال سبحانه: ﴿ولكن لا تفقهون تسبيحهم﴾ الإسراء 44 وإنما تسبيح مقال واستدل بقوله تعالى ﴿وسخرنا مع داود الجبال يسبحن﴾ الأنبياء 79.

بعد هذا التقديم في فضل المسبحات، نود بحول الله تعالى أن نقف عند قوله تعالى: ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبيرا﴾ ونتأمل فيها على ضوء ما أورده المفسرون رحمهم الله تعالى.

قال القرطبي رحمه الله فيه خمس مسائل:

الأولى: قوله تعالى: ﴿ومالكم أن لا تنفقوا في سبيل الله﴾ أي، أي شيء يمنعكم من الإنفاق في سبيل الله، وفيما يقربكم من ربكم، وأنتم تموتون وتخلفون أموالكم وهي صائرة إلى الله تعالى، فمعنى الكلام التوبيخ على عدم الإنفاق. ﴿ولله ميراث السموات والأرض﴾ أي راجعتان إليه بانقراض من فيهما كرجوع الميراث إلى الوارث.

الثانية: قوله تعالى ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ أكثر المفسرين على أن المراد بالفتح فتح مكة، وقال الشعبي والزهري فتح الحديبية. قال قتادة: كان قتالان ونفقتان إحداهما أفضل من الأخرى، كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد ذلك، وفي الكلام حذف أي ﴿لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل﴾ ومن أنفق من بعد الفتح وقاتل، فحذف لدلالة الكلام عليه. وإنما كانت النفقة قبل الفتح أعظم لأن حاجة الناس كانت أكثر لضعف الإسلام، وفعل ذلك كان على المنفقين حينئذ أشق والأجر قدر النصب والله أعلم.

الثالثة: روى أشهب عن مالك قال: « ينبغي أن يقدم أهل الفضل والعزم، وقد قال تعالى (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل) «وقال الكلبي: «نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، ففيهما دليل واضح على تفضيل أبي بكر رضي الله عنه وتقديمه، لأنه أول من أسلم». وعن ابن مسعود: «أول من أظهر الإسلام بسيفه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ولأنه أول من أنفق على النبي صلى الله عليه وسلم». وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو بكر وعليه عباءة قد خللها في صدره بخلال فنزل جبريل فقال يا نبي الله مالي أرى أبا بكر عليه عباءة قد خللها في صدره بخلال؟ فقال قد أنفق علي كل ماله قبل الفتح، قال: فإن الله يقول لك أقرئ أبا بكر السلام وقل له أراض أنت في فقرك هذا أم ساخط؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أبا بكر إن الله عز وجل يقرأ عليك السلام ويقول أراض أنت في فقرك أم ساخط؟ فقال أبو بكر أأسخط على ربي؟ إني عن ربي لراض إني عن ربي لراض، فبكى أبو بكر فقال جبريل عليه السلام: والذي بعثك بالحق يا محمد لقد تخللت حملة العرش بالعبي منذ تخلل صاحبك هذا العباءة، ولهذا قدمته الصحابة على أنفسهم، وأقروا له بالتقدم والسبق». وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: «سبق النبي صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر، فلا أوتى برجل فضلني على أبي بكر إلا جلدته حد المفتري ثمانين جلدة وطرح الشهادة فنال المتقدمون من المشقة أكثر مما نال من بعدهم وكانت بصائرهم أيضا أنفذ.»

الرابعة: التقدم والتأخر قد يكون في أحكام الدنيا، أما في أحكام الدين فقد قالت عائشة رضي الله عنها «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم وأعظم المنازل مرتبة الصلاة». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿مروا أبا بكر فليصل بالناس﴾ الحديث وقال: ﴿يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله﴾ وقال: ﴿وليؤمكما أكبركما﴾ من حديث مالك بن الحويرث وقد تقدم، وفهم منه البخاري وغيره من العلماء انه أراد كبر المنزلة، كما قال صلى الله عليه وسلم: ﴿الولاء للكبر﴾ ولم يعن كبر السن، وقد قال مالك وغيره أن للسن حقا. وراعاه الشافعي وأبو حنيفة وهو أحق بالمراعاة، لأنه إذا اجتمع العلم والسن في خيرين قدم العلم، وأما أحكام الدنيا فهي مرتبة على أحكام الدين. فمن قدم في الدين قدم في الدنيا، وفي الآثار ﴿ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف لعالمنا حقه﴾. ومن الحديث الثابت في الأفراد: ﴿ما أكرم شاب شيخا لسنه إلا قيض الله له عند سنه من يكرمه﴾.

الخامسة: قوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أي المتقدمون المتناهون السابقون، والمتأخرون اللاحقون، وعدهم الله جميعا الجنة مع تفاوت الدرجات، وقرأ ابن عامر وكل بالرفع، وكذلك هو بالرفع في مصاحف أهل الشام، والباقون، وكلا بالنصب على ما في مصاحفهم، فمن نصب فعلى إيقاع الفعل عليه أي وعد الله كلا الحسنى، ومن رفع فلأن المفعول إذا تقدم ضعف عمل الفعل، والهاء محذوفة من وعده.

وقال الإمام العلامة الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير «وإنما كان المنفقون قبل الفتح والمجاهدون قبله أعظم درجة في إنفاقهم لأن الزمان الذي قبل فتح مكة كان ضعف المسلمين لأن أهل الكفر أكثر العرب فلما فتحت مكة دخلت سائر قريش والعرب في الإسلام فكان الإنفاق والجهاد فيما قبل الفتح أشق على نفوس المسلمين لقلة ذات أيديهم وقلة جمعهم قبالة جمع العدو، ألا ترى أنه كان عليهم أن يثبتوا أمام العدو إذا كان عدد العدو عشرة أضعاف عدد المسلمين في القتال قال تعالى: ﴿وإن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين﴾.

وقيل المراد بالفتح صلح الحديبية، وهذا قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنه والزهري والشعبي وعامر بن سعد بن أبي وقاص، واختاره الطبري ويؤيد ما رواه الطبري عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية عام الحديبية، وهو الملائم لكون هذه السورة بعضها مكي وبعضها مدني فيقتضي أن مدنيها قريب عهد من مدة إقامتهم بمكة، وإطلاق الفتح على صلح الحديبية وارد في قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾، وأورد الإمام في تسمية السورة بالحديد لأن الحديد الذي ذكر هنا المراد به حديد السلاح من دروع وسيوف وخوذ، تنويها به إذ هو أثر من آثار حكمة الله في خلق مادته وإلهام الناس صنعته لتحقق به منافع لتأييد الدين ودفاع المعتدين كما قال تعالى: ﴿فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾»

وقال أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي البصري في قوله تعالى: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ فيه قولان:

أحدهما: أن الحسنى الحسنة. قاله مقاتل

ثانيهما: الجنة. قاله مجاهد

ويحتمل أن الحسنى القبول والجزاء.

قال سيد قطب رحمه الله تعالى في ظلال القرآن: «هذه السورة بجملتها دعوة للجماعة الإسلامية كي تحقق لذاتها حقيقة إيمانها، هذه الحقيقة التي تخلص بها النفوس لدعوة الله، فلا تضن عليها بشيء، ولا تحتجز دونها شيئا& لا الأرواح ولا الأموال، ولا خلجات القلوب ولا ذوات الصدور& وهي الحقيقة التي تستحيل به النفوس ربانية بينما تعيش على الأرض& موازينها هي موازين الله، والقيم التي تعتز بها وتسابق إليها هي القيم التي تثقل هذه الموازين، كما أنها هي الحقيقة التي تشعر القلوب بحقيقة الله، فتخشع لذكره، وترجف وتفر من كل عائق وكل جاذب يعوقها عن الفرار إليه.

وقال في تفسير الآية العاشرة:

إن الذي ينفق ويقاتل والعقيدة مطاردة، والأنصار قلة، وليس في الأفق ظل منفعة ولا سلطان ولا رخاء، غير الذي ينفق ويقاتل والعقيدة آمنة، والأنصار كثرة، والنصر والغلبة والفوز قريبة المنال. ذلك متعلق مباشرة بالله، متجرد تجردا كاملا لا شبهة فيه، عميق الثقة والطمأنينة بالله وحده، بعيد عن كل سبب ظاهر وكل واقع قريب، لا يجد على الخير عونا إلا ما يستمده مباشرة من عقيدته. وهذا له على الخير أنصار حتى حين تصح نيته ويتجرد تجرد الأولين.

قال الإمام أحمد رضي الله عنه، حدثنا أحمد بن عبد الملك، حدثنا زهير، حدثنا حميد الطويل، عن أنس قال: «كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمان بن عوف كلام فقال خالد لعبد الرحمان: تستطيلون علينا بأيام سبقتمونا بها، فبلغنا أن ذلك ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: ﴿دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد -أو مثل الجبال- ذهبا ما بلغتم أعمالهم﴾ وبعد أن قرر القيم الحقيقية في ميزان الله لهؤلاء وهؤلاء، عاد فقرر أن للجميع الحسنى ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ فقد ءامنوا جميعا على اختلاف الدرجات، ومردّ ذالك التفاوت وهذا الجزاء بالحسنى للجميع إلى ما يعلمه الله تعالى من تقدير أحوالهم، وما وراء أعمالهم من عزائمهم ونواياهم وخبرته تعالى بحقيقة ما يعملون: والله بما تعملون خبير. وهي لمسة موقظة، في عالم النوايا المضمرة وراء الأعمال الظاهرة، وهي التي تناط بها القيم وترجح بها الموازين»

———————————-

المراجع:

– القرآن الكريم.

– تفسير القرآن العظيم لابن كثير.

– تفسير القرآن الكريم للقرطبـي.

– التحرير والتنوير للطاهر بن عاشور.

– في ظلال القرآن لسيد قطب.