بعد الاستئذان، أدعو القارئ الكريم إلى وقفة سريعة مع هذا العنوان الذي استوحيته من التقرير الأخير للبنك الدولي حول التعليم بشمال إفريقيا والشرق الأوسط. الهدف من هذه الوقفة أن نتبين الدواعي التي جعلتنا نتجاوز تحليل الخبر (التقرير) إلى ما وراء الخبر، على اعتبار أن الأهم عندنا هو البحث في الإجابات عوض التيه بين المعطيات التي  لا محالة  سوف تستقر بنا على شاطئ بحر راكد إن لم نقل ميت لواقع التعليم ببلدنا السعيد.

   توضيحا لما سبق، تجدر بنا الإشارة والتمييز بين مقاربتين في الباب:

   – مقاربة تلتمس تفاصيل الخبر، للبحث في مصداقيته وبنائه ومعطياته واقتراحاته، وهي في نظرنا على حتمية اعتبارها وضرورتها، لا ترقى إلى مستوى ثاني من المقاربة.

– مقاربة تتناول الخبر باعتباره تقييما لواقع قطاع له تاريخه ونسقه والتزاماته وتداعياته، وهي بهذا النوع من الاهتمام تتجاوز التناول الأكاديمي، إلى التحليل الاجتماعي الذي يعتبر أن الشروط التاريخية الضرورية لأي إصلاح منشود، تنبني على التناول النسقي الذي يولي لمعطيات الواقع كامل التقدير والتحليل في إطار استراتيجية بناء واضحة.

   من مميزات التقرير السادس للبنك الدولي، أنه ركز على تقييم حصيلة إصلاحات التعليم وفق منظومة شاملة للتنمية. وحسب تعريف الأمم المتحدة فإن التنمية هي “النمو مع التغيير، والتغيير اجتماعي وثقافي واقتصادي، وهو تغيير كمي ونوعي، ولم يعد من الضروري أن نتكلم عن تنمية اقتصادية وتنمية اجتماعية، لأن التنمية، بوصفها متمايزة عن النمو، ويجب أن تشمل الناحيتين معا بشكل تلقائي”.

   يلحظ القارئ أن هذا التعريف لا يقتصر على النمو الاقتصادي بل يتعداه بالإشارة إلى كون التنمية هي عملية تغيير، أي انتقال من نمط قائم من أنماط الحياة إلى نمط آخر بديل. لذلك نجد التقرير قد أبرز العديد من التناقضات، في رأي البنك الدولي تحتاج إلى نوع من التحليل والمتابعة:

   – جدلية التعليم والثروة: كسر التقرير قانون العلية الذي يربط التعليم بالثروة، فإذا كان التاريخ الحديث يشهد بدور الثروة في تقوية التعليم، فإن التقرير كذب هذا المعطى بحقائق على الأرض، خصوصا عندما جعل دولة فقيرة مثل الأردن على رأس القائمة، وجعل السعودية الدولة البترولية الغنية في المرتبة العاشرة، وبذلك يكون التقرير قد كسر المشجب الذي يعلق عليه ساستنا ونخبنا عجزهم عن تحقيق إصلاح فعلي للمنظومة التربوية ببلادنا.

   – جدلية التعليم والاقتصاد: من القواعد الذهبية التي يعتبرها العديد من المختصين في شؤون التربية والتعليم، كون الاقتصاد دعامة حاسمة في تقوية التعليم وأن التعليم القوي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى اقتصاديات قوية. وهي القاعدة نفسها التي نفاها التقرير بإبرازه لتواصل الفصام بين التعليم والاقتصاد، حيث لا يتوافق التعليم مع متطلبات سوق الشغل، كما أن نوعية المتخرجين ليست بالمستوى الذي تتطلبه هذه السوق سواء الوطنية منها أو الدولية، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة في صفوف الخرجين بما فيهم حاملي الشواهد العليا.

   – جدلية الفقر والتعليم: سجل التقرير بافتخار الانخفاض الطفيف لمعدلات الفقر بغالبية الدول الأربعة عشر، وأوضح بالمقابل أن هذا الانخفاض لا يوازيه مطلقا سرعة وثيرة إصلاح التعليم، مما يدلل على أن بعض السياسات الاجتماعية المعتمدة ببلداننا لا علاقة لها بإصلاح التعليم، أو هي إصلاحات شكلية واحترازية لمواجهة بعض الظواهر الاجتماعية المحتملة، وللحيلولة دون تنامي نفوذها.

   – جدلية التعليم والتحرر: من الأفكار الشائعة التي يزرعها المغرضون، أن النشء يجب أن يبقى بعيدا عن الخوض والمساهمة الفعلية في التحديات السياسية للدول، خصوصا إذا تعلق الأمر بقضايا التحرير والتضحية والبدل، ولعل بعض مؤسسات المجتمع المدني مشكورة تعمل كل ما في جهدها لإبراز الإختلالات النفسية التي يصاب بها الأطفال في مناطق الحروب والنزاعات. لكن التقرير طالعنا بحقائق صادمة، ففي بلد كفلسطين حيث يدفع الأطفال الكلفة الغالية للتحرير، هؤلاء الأطفال (الرجال) يشكلون أعلى نسبة إتمام التعليم الابتدائي وهو أمر أكثر من أن يكون محيرا.

   مما خلص إليه التقرير كذلك، إن الجميع البلدان  بغض النظر عن أوضاعها المبدئية  تحتاج إلى مسار جديد للإصلاح من خلال إيجاد تركيبة جديدة من الحوافز والمساءلة العامة إلى جانب اتخاذ إجراءات لتحسين نتاج أسواق العمل، وهي دعوة صريحة إلى اعتماد مقاربات جديدة للعملية التنموية والتي لا يمكن نشدانها إلا في إطار عملية تغييرية تنبني على سياسات محددة ومبنية على إدخال نظم جديدة ومتكاملة (مناهج؛ برامج وموارد بشرية…..) وهذه النظم في نظرنا تستوجب إتاحة الفرصة لقوى سياسية واجتماعية جديدة، وعدم الاقتصار على القوى الكلاسيكية أو الرسمية الموجودة بالفعل، من أجل إدخال نفس جديد في البناء وتهيئ ظروف اجتماعية مطلوبة وهي التي يطلق عليها حقيقة اسم “التنمية” والتي تشكو في بلدنا على الخصوص من الفشل الذريع لأسباب عدة:

   – نحلة الغالب: تنطلق خطط التنمية ببلادنا من نظرة سياسيينا التقديسية لكل منتوج غربي، وبذلك تبقى آليات الإصلاح مرتهنة بالتقليد الأجوف، وهو الأمر الذي يضيف إلى فشل الإصلاحات، عدم القدرة على امتلاك الثقة في المشاريع التنموية الخاصة والأصيلة. فلا فائدة من حشد جحافل من الموارد البشرية وتدريبها على تحمل المسؤولية في غياب مشروع أصيل ومندمج.

إن البناء الصحيح مشروط بإنتاج مشروع تنموي وفق الاحتياج الخاص، تسعى إلى تحقيقه أجهزة رسمية ومجتمعية ذات إرادة حرة ومستقلة.

   – جمود الفكر وانحصار النخبة: لا يمكن أن نتصور طريقا سالكا إلى التنمية دون وجود فكر منفتح ونخبة حية ومتفاعلة، وهو المعطى الذي أصبح شبه مستحيل بالنظر إلى الخطاب الرسمي السائد. النخب السياسية المغربية عوض أن تنكب على صياغة مشروع تنموي تشاركي من أجل البلد، لا تزال تعيش على الموروث والتاريخ، كما أن المشروع الموجه لعملية التنمية في الواقع السياسي الرسمي تعاني من نوع من التعالي على النقد والمحاسبة والتوجيه. فجميع هذه المعطيات تحول دون تسريع لوتيرة الإنماء لأن الاكتفاء بخدمات وكفاءات نخب تاريخية (نتاج الأزمة) غير مؤهل لتحقيق مضامين أية تنمية أو مشروع بديل.

   – الحرية السياسية والمشاركة الشعبية: على مر عقود، تميزت المشاريع التنموية بالمغرب -على قلتها- بنوع من النخبوية والرسمية، حيث أن الدولة تحرص كل الحرص على الإمساك بدواليب جميع المبادرات، لذلك نجدها عندما تسمع بمبادرة ما من إحدى مؤسسات المجتمع المدني تبدل كل الجهود لتبنيها والظهور بمظهر المؤطر والموجه مما حول المجتمع المدني إلى مجرد مؤسسات مطواعة في يد الدولة.

   هذا عن المؤسسات، أما عن باقي شرائح المجتمع، خصوصا الطبقات الوسطى والفقيرة، فتكتفي الدولة بحشدها طوابير غير منظمة للاحتفال بطقوس ومراسيم تنموية لا تحمل من التنمية سوى الاسم.

   عندما تداعت أوروبا إلى العمل التنموي، أول ما اهتمت به، صناعة مجتمع مدني قوي، قوامه دعامتان أساسيتان:

   1. مؤسسات مدنية حقيقية هدفها المحوري تحقيق التوازن الاجتماعي والمراقبة الصارمة لعمل المجتمع السياسي (اللعبة) خدمة لمصالح السواد الأعظم من أوروبا المكون على الخصوص من العمال والفلاحين.

   2. قاعدة بشرية حية وفاعلة، مؤمنة بضرورة الانتقال من وضع مظلم إلى عصر النور، ولم تكن هذه القاعدة (القمة) بمنأى عن التدافع والتضحية، بل كانت صفا واحدا إلى جانب العلماء والمفكرين والسياسيين والمثقفين وغيرهم.

   وبالمقابل، عندما اضطر عالمنا العربي ركوب موجة التنمية، لم يجد أمامه إلا نخبا سياسية عاجزة حتى عن التواصل مع قواعدها فبالأحرى أن تنفتح على شرائح المجتمع المنسي.

   فإلى حين الانعتاق من هذه الوضعية المستدامة، لنحيا منحبسين في هذا الطريق غير المسلوك إلى التنمية والتعليم.