التقويم والمتابعة:بعد التخطيط وتحري الدقة في التنفيذ لا تكتمل عملية إدارة الوقت دون عنصر التقويم والرقابة، وهي مرحلة لا تقل أهمية عن غيرها، فهي “عملية متابعة دائمة تهدف أساساً إلى التأكد من أن الأعمال الإدارية تسير في اتجاه الأهداف المخططة بصورة مرضية، كما تهدف إلى الكشف عن الأخطاء والانحرافات ثمّ تصحيحها بعد تحديد المسؤول عنها”1.

والرقابة في الإسلام تنبع من استشعار المسلم لمراقبة الله عز وجل فقد جاء في سورة النساء: “إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا(1)”، وغير ذلك من الآيات التي تقرر علم الله بخلقه ومراقبته لهم في تحركاتهم وتصرفاتهم، وخلجات أنفسهم ووسوسات صدورهم.

كما نلمس من نصوص السنة النبوية أن الرقابة نوعان ذاتية وإدارية. ويتجلى الحث على الرقابة الذاتية في كثير من نصوص السنة النبوية، فقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين”2. مما يدل على ضرورة التفكير والأخذ بمبدأ الحيطة والحذر من الوقوع في الأخطاء السابقة. وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: “حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا”3. فمحاسبة النفس وتلمّس أوجه الخلل والقصور أمر مهم، وصورة من صور الرقابة الذاتية، وخطوة ضرورية لبناء المجتمع السليم.

لكن مع ذلك يجب تعليق النتائج بمشيئة الله، فالمسلم في سعيه في هذه الدنيا، وفي تأديته لأعماله، وتخطيطه لمستقبل حياته العملية والخاصة، يؤمن بقضاء الله وقدره ويتوكل على الله في سعيه لأنه سبحانه هو المصرّف للأمور وهو الذي بيده مقاليد كل شيء. والنبي صلى الله عليه وسلم ربّى أمته على ذلك، إذ علّمهم أن تحقيق الهدف مرهون بأمرين: أولهما فعل السبب الملائم، وثانيهما توفيق الله عز وجل. لذا عندما سأل رجل النبي في شأن الناقة أيطلقها ويتوكل على الله في حفظها وعدم ضياعها أم يعقلها ويتوكل على الله بعد عقلها؟ قال له النبي حينئذٍ: “اعقلها وتوكل”4. وهذا توجيه من النبي للرجل بفعل السبب الملائم لحفظ الناقة من أن تفلت وهو أن يقوم بعقلها وشد وثاقها ثم يتوكل على الله في حفظها بعد أن يؤدي ما يجب عليه نحوها. فبعد بذل الجهد والحرص على تحقيق الهدف المرسوم لا نلوم أنفسنا ونقسو عليها بالمحاسبة الشديدة، بل ينبغي أن نمضي قدما في مشروعنا لتغيير ما بأنفسنا، ونجعل من عدم تحقيق كل الهدف مولدا في نفس المؤمن لروح المثابرة وتكرار المحاولة وعدم اليأس والقنوط، حتى لو كانت النتائج على غير المراد فإن الأجر يحتسب عند الله، وهذا دائماً حال المؤمن الذي وصفه النبي بأن أمره كله خير.

لذلك فإن فكرة الرقابة من خلال الخطط والجداول أساس للإدارة السليمة ولزيادة الفاعلية، حيث يكون السعي لتحقيق الهدف كما خطط له، ويقارن الإنفاق الحقيقي للمورد بالخطة وبالجدول. وهو ما يسمح بالتعديل حسب الظروف التي يواجهها. حيث يجب إعادة تحليل الوقت مرة كل ستة أشهر على الأقل. لأن صعوبات تنفيذ الخطة اليومية تجعل معظم الناس يعودون لممارساتهم القديمة. ولتفادي هذا ينبغي تكرار تحليل استخدام الوقت بين الفينة والأخرى.

خلاصات وتوصيات:يتبين إذا من كل ما سبق أهمية الوقت في حياة المسلم باعتباره فردا وواحدا من أمة يحتل الوقت في قيمها مكانة هامة، هذه الأهمية لا ينحصر مداها وتأثيرها في ما يتحقق من نجاح في الدنيا، وإنما هناك أيضا الثواب الذي ينتظر المؤمن في آخرته إن هو حرص على حسن استغلال وتوظيف وقته لما فيه الخير والنفع.

والحال هذه، يمكن أن نقول إن المسلم هو أولى من أي شخص آخر بالبحث والتنقيب عن الآليات والمبادئ التي يساعد الالتزام بها في تحقيق إدارة جيدة للوقت، بما في ذلك الاستفادة مما وصلت إليه الإنسانية في هذا المجال من علوم إدارة الوقت، فالحكمة ضالة المؤمن.

ونخلص في نهاية هذه الحلقات إلى عشرة توصيات عملية لحسن إدارة الوقت، مستقاة مما سبقت الإشارة إليه من قواعد ومبادئ:

1. لا يوجد وقت كاف لعمل كل شيء، لذا من الضروري التركيز على الأشياء الأكثر أهمية. وإذا فعلت ذلك في كل من عملك وحياتك الشخصية، فإنك ستنجز أكثر بحسن إدارة الوقت.

2. حدد أهدافك، طور عادة تدوينها على الورق، سواء كانت كبيرة أو صغيرة. فالنجاح الذي يتمتع به الكثيرون يرجع إلى دقة تخطيط حياتهم. اكتب قائمة بأولويات اليوم التالي مسبقاً. هذه الإستراتيجية تضمن لك استغلال اليوم من أوله والعمل على إنجاز أكثر المهام أولوية.

3. تدرج بقائمتك تبعاً للأهمية (هام وعاجل / هام وليس عاجلا / غير هام وعاجل). اتخاذ الوقت اللازم لتحديد الأولويات سيساعدك على إنجاز المهام واحدة تلو الأخـرى، أجل المهام غير الملحة لصالح الأكثر إلحاحاً. فليس من الضروري عمل كل شيء الآن. قم وببساطه بحذف أي خطوة غير هامة مدرجة بالقائمة. اسأل نفسك ” ما هو أسوأ ما يمكن حدوثه إن أسقطت هذه كلياً من القائمة؟” وإن رأيت أنك تستطيع تحمل النتائج دون خسارة، احذفها فوراً.

4. عود نفسك على حسن المقارنة والاختيار، فإنك ستواجه في حياتك خيارات تجعلك في حيرة من اتخاذ القرار المناسب، لما في ذلك من موازنة صعبة بين الأولويات والأهداف من جهة، والفرص والواجبات من جهة أخرى، فأيهما ستختار؟ لا تنس الاستخارة والاستشارة في مثل هذه المواطن.

5. استغل الأوقات التي تكون فيها في ذروة طاقتك لإنجاز المهام الأكثر إلحاحاً. يكمن السر في أن تعرف أكثر أوقاتك نشاطاً. وتقوم فيها بما هو أكثر أهمية من متطلبات العمل. لا يمكن لأحد أن يحافظ على معدل إنتاج مرتفع طوال اليوم.

6. انتبه للتأخيرات عندما يشترك معك آخرون في مشروعك. إن خططت لها ستكون أقل إحباطاً وقادراً على الالتزام بالموعد النهائي. فتوظيف طاقات الآخرين يمكن أن يكون عوناً كبيراً خاصة إذا ما زودوا بالتوجيهات الكافية. كن واضحاً معهم حول ما يجب أن يفعلوه ومتى؟

7. اتخذ شعار ” قم بعملك الآن “. وإن لم تبدأ فلن تنتهي. قيم المهمة التي تتهرب منها. ما الذي يمنعك من البدء بها؟ غالباً ما تبدو المهمة شاقة. طريقة التغلب على ذلك هو أن تقسمها إلى سلسلة من المهام الصغيرة تنجز أسرع وأسهل فستصبح أقل صعوبة.

8. ابتعد عن المقاطعات الشخصية. عندما تؤدي عملك، فإن آخر ما تحتاجه هي التدخلات غير الضرورية. لذا لا تدعها تحدث. استخدم وسائل عدم الإزعاج مثل علامات على الباب أو البريد الصوتي. وإن كنت مضطراً ابحث عن مكان بعيد عن الآخرين للعمل.

9. انتبه للأشياء الصغيرة التي تضيع الوقت. توفير دقيقتين كل يوم يصنع اختلافاً كبيراً على مدار العمر. انتبه للوقت الذي تضيعه في البحث عن مفاتيح سيارتك عندما تنسى مكانها. تنظيمك لمكتبك، غرفتك، سيارتك، وكل ما يتعلق بك سيساعدك أكثر على عدم إضاعة الوقت، ويظهرك بمظهر جميل، فاحرص على تنظيم كل شيء من حولك.

10. الفشل أو الإخفاق شيء طبيعي في حياتنا، فلا تيأس، وكما قيل: أتعلم من أخطائي أكثر مما أتعلم من نجاحي. وتذكر أن اختراعاً ناجحاً جاء تتويجاً لمحاولات كثيرة فاشلة. فلتكن منجزاً وكافئ نفسك على نجاحها بالمدح الجميل.

——————————————–

1 – أبو سن، أحمد إبراهيم، الإدارة في الإسلام، ص 146.

2 – رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما.

3 – رواه الترمذي في سننه.

4 – رواه ابن حبان في صحيحه.