السجن المركزي بالقنيطرة واحد من أعتى وأقوى وأشهر السجون بالمغرب، قلعة حصينة ومحصنة بشهادة من يعرفه، شهد قبل ثلاثة أشهر فرار بارون المخدرات الملقب بـ”النيني”، واليوم تهتز أرجاؤه وتقلب الدنيا من حوله رأسا على عقب بحثا عن تسعة سجناء ينتمون لما يعرف بتنظيم “السلفية الجهادية”، تمكنوا من الفرار من جحيمه بطريقة هوليودية أثارت زوبعة من التأويلات والتفسيرات التي انصبت في مجملها حول الكيفية التي تم من خلالها اختراق غياهب سجن الهروب منه يعد معجزة من المعجزات النادرة.

   وقراءة أولية للأخبار والأنباء والتصريحات الرسمية المرافقة لهذه الفضيحة توحي بأنه ثمة في الأمر شيئ من إن وأخواتها، إذ كيف يعقل التسليم بأن الأجهزة الأمنية المغربية الضليعة في استباق الأحداث والمعروفة بتتبعها لدبيب النمل تحت الصخور الصماء فاتها ما يحاك داخل دهاليز المؤسسات السجنية من مخططات جماعية لثلة من المساجين المحكومين بأحكام تتراوح ما بين الإعدام والمؤبد والحبس البعيد المدى؟؟؟ وكيف يمكن التصديق بأن ما جرى في سجن القنيطرة ما هو إلا فرار لا يحتمل تأويلا مغايرا أو مفككا لشفرات مجرد ذكرها أو طرحها عبر استفسارات وتساؤلات قد يودعك نفس السجن بتهمة غريبة عنوانها التشكيك في رواية رسمية؟؟؟ وكيف لا يقبض على الفارين إلى حدود الساعة؟ ألا يتناقض هذا مع ما يتم الترويج له من احترافية كبيرة لدى أجهزتنا الأمنية، التي عودتنا تفكيك الخلايا والإمساك بالمتورطين وإفشال المخططات بسرعة فائقة؟

   إن المتأمل للسياسة المخزنية الجاري بها العمل في المغرب، والناظر بعين فاحصة للظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها البلاد في هذه الأيام ليقف أمام هذه الفضيحة الجديدة حائرا بين عدة تفسيرات كلها تحتمل الصواب كما تحتمل الخطأ. فالفرار إذا ما صدقنا الرواية الرسمية تقتضي شروط نجاحه مخططا مدروسا بعناية مسبقة ومركزة وآليات ووسائل حقيقية للخروج به من حيز التخطيط الذهني إلى واقع التطبيق العملي، وهذا الأمر إن توفر للمعتقلين الفارين من سجن القنيطرة المجهز بكل تقنيات المراقبة العصرية فإنه يفتح الباب على مصراعيه للحديث عن دور الإدارة السجنية في المغرب ومسؤوليتها اتجاه ما وقع، الأمر الذي يستدعي فتح تحقيق شامل وجدي لا شكلي أو صوري للكشف عن الأسباب والسواعد المؤدية لمثل هذا الفرار بدءا من أعلى هرم بمديرية السجون ومرورا بمدير السجن المركزي بالقنيطرة وانتهاء بالموظفين المكلفين بالمداومة على الحراسة ليتم وضع النقاط على الحروف دون تحميل المسؤولية لشخص واحد يكون في غالب الأمر كبش فداء لأكباش كبرى تختفي بظلال غابات السلطة وأدغال النفوذ.

   أما إذا تجاوزنا رسمية الرواية واستمعنا بإصغاء لعائلات الفارين ومن يمت إليهم بصلة القربى أو الزمالة فسنقف على احتمال آخر من الخطورة بمكان تكون معه السلطة متهمة بإخفاء هؤلاء المعتقلين وخلق هذه الرواية للتغطية على جرمها، ومن ثم طي ملف آخر من ملفات انتهاكاتها المستمرة لحقوق الإنسان.

   وهناك طرح آخر يقول أن السجناء التسعة لم يفروا من السجن مطلقا وإنما هي رواية مخزنية قحة هدفها رفع درجات التأهب القصوى من جديد وفرض حالة طوارئ أخرى، الأمر الذي يعني حسب هذا الطرح شغل الشعب بهذه القضية ومنع كل أشكال وأنواع التظاهر والاحتجاج، ويبقى هذا احتمال وارد خاصة إذا علمنا أن الأيام القادمة تنذر بإضرابات عامة ناتجة بالأساس عن موجات غلاء الأسعار وتأزم المواطن وفشل حوار النقابات مع المسؤولين وذهاب المطالب الاجتماعية مع رياح صمم الحكومة المتواصل.

   أكثر من طرح وأكثر من تأويل تولد عن خبر فرار السجناء التسعة، غير أن دوافع الفرار، إذا صح هذا الاحتمال، تبقى واحدة، لأن سجنا تنتهك بأرجائه أعراض الشيب والشباب، وتنتفي فيه أبسط شروط الكرامة والعدالة والإنسانية، وتتربع على زنازينه وأعتابه لغة التمييز العنصري القائم على مبدإ الزبونية والرشوة والمحسوبية، ويستثنى فيه من عفو الملك كل من أدخل إليه ظلما وبهتانا ليأبى إلصاق صفة المجرمين باسمه وليتحول بعد نضال مرير إلى معتقل رأي يحمل ندوب ذكريات تحقيقات فرضت عليه، تحت وقع الفلقة والطائرة والقارورات الزجاجية وغير ذلك من أدوات التعذيب النفسي والجسدي، التوقيع على محاضر مجهزة نهايتها النطق بالإعدام أو المؤبد، هو سجن يدعو إلى الفرار منه.