ب- عقبات في طريق السياسة الدينيةعقبات أربعة كبيرة -جوفاء!- في طريق الاقتناع بالسياسة الدينية، أو على الأقل إنصافها والإيمان بحقها في الوجود والفعل، ويا عجبا كيف يصير صاحب الدار مجحودا، وعلى مستوى أعلى وأكثر إيجابية اعتناقها والانخراط في فعلها وحزبها.

1- أولى هذه العقبات عقبة ثقافية حضارية:

وهي عقبة يختلط بفعلها الأمر على أصحابها بين سياق وسياق فيسقطون مخاضا خاصا غريبا بإفرازاته وويلاته ونكساته على واقع غير الواقع ودين غير الدين ورجال غير الرجال، فيصير الدين أمرا مرفوضا مسبقا، وبدون نقاش ولا مقدمات.

لا يريد اللاييكيون من بني جلدتنا أن يميزوا في تاريخ المسلمين بين علماء الدين المجاهدين وعلماء الدين الدوديين (من ديدان القراء إن صح التعبير)، بين العلماء العاملين والعلماء المنبطحين، ولعلهم ينحون ذلك المنحى ويلغون التمييز والتمحيص قصدا وعنوة ليعطوا لـ “نظريتهم” عن الدين، كل دين، صفة الحقيقة العلمية التي لا تقبل الاستثناء: الدين أفيون الشعب وكابح لأي إرادة نضالية تحررية عبر التاريخ والجغرافية.

لا يريدون التمييز بين العلماء العاملين والعلماء المنبطحين كما يقتضي العلم والمنطق ويشهد بذلك التاريخ وأحداثه المرة والمنيرة فيجمعون الكل في سلة واحدة وينهالون عليهم بشتائم الانبطاح والظلامية والرجعية والتواطؤ مع سدنة الظلم والفساد والاستكبار العالمي.

لا يريدون التمييز بين علماء الدين العاملين من أمثال الإمامين الحسن والحسين والإمام جعفر الصادق والإمام علي زين العابدين والإمام محمد بن علي الباقر والإمام زيد بن علي والإمام محمد النفس الزكية والعلماء الأجلاء من أمثال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير ومالك بن أنس وابن حنبل وأبو حنيفة والشافعي … وغيرهم من علماء السوء المنافقين الذين باعوا دينهم بدنياهم.

لا يريد اللاييكيون أن يعلموا أن حضارة الإسلام حبلى بقومات )ثورات( علماء أحرار قاموا شهداء لله بالقسط في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين في وجه الظالمين والمستبدين المتترسين بفتاوى التدليس والتلبيس الصادرة إفكا وزورا عن علماء القصور فكان حضهم من الحصار والتعذيب والتنكيل والتقتيل أوفى وأعظم مما تعرض له برونر من حرق وغاليلي من سجن وديكارت من إهانة.

نكشف ولا ننكر أن في تاريخنا الماضي والحاضر من أسماء الهزيمة والانبطاح ومشاهد الخزي والعار ما يدمي القلب ويندى له الجبين. وتلك مآسي وجروح عميقة إن كان يحلو لمن يصطاد في الماء العكر أن يسلط فيها الضوء على علماء السوء الذين أخبر بهم الرسول صلى الله عليه وسلم وحذر، فإن أحرار الأمة يرون في العلماء المضطهدين (بكسر الدال) القدوة والمثال الحي الذي يجب أن يحتدى به. رحم الله الإمام الحسين وجعفر الصادق وزيد بن علي … ورحم الله البنا وسيد قطب وباقر الصدر:أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** يا جرير إذا جمعتنا المجامعنحيل على كتابي “الإسلام بين العلماء والحكام” للأستاذ عبد العزيز البدوي و”رجال القومة والإصلاح” للأستاذ عبد السلام ياسين ففيهما من الرجال والأحداث ما من شأنه أن يصحح الأخطاء والمغالطات ويزيل هذه الغشاوة المعرفية عن الأبصار والبصائر ويرفع اللبس وينصف الدين ورجاله الأحرار، عالمين ومتتلمذين.

سبحان الله! برونو وغاليلي وديكارت يتعرضون للحرق والسجن والإهانة بسبب آرائهم وأفكارهم فيقوم الفلاسفة والمفكرون لنصرتهم فتحصل الثورة ضد من أهانوهم واضطهدوهم حكاما ورجال كنيسة تحت شعار: “أشنقوا آخر ملك بأمعاء آخر قس”، فينتهي الاستبداد هناك ومعه دين القصور الكنسي، وفي ديار الإسلام يتعرض علماء عاملون أحرار كثر، لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، لعذاب أشد وأنكى ولغاية أسمى وأجل من غاية برونو ورفيقيه: مناهضة الحكم الفاسد والظلم والاستبداد بوازع الدين والإيمان.

كيف يستقيم هذا يا عقلاء؟! ما يقتضي العقل والمنطق والشهامة والمروءة والرأي الحر: التضامن مع المناضلين وأصحاب الرأي الحر والأفكار التحررية وتأييد المعارضة وحرية الرأي والتعبير أم الاصطفاف وراء الاستبداد والظلم والتسلط والاستغلال ضد “الثورة” و”الثوار” و”المحرك الثوري” وهو الدين لا غيره في بلاد الإسلام والمسلمين؟

2- ثاني هذه العقبات عقبة علمية معرفية:

وهي ناجمة عن الجهل بحقيقة هذا الدين العظيم وشموله لجميع مجالات الحياة سياسة واقتصادا واجتماعا وفنا…

هذه النظرة الضيقة للدين تفرز تصورا ناقصا يقصر تعاطيه مع الدين على الجانب العقدي والأخلاقي -إن تفضل بذلك- ويلغي من اهتمامه الجانب التشريعي وكل ماله علاقة بالشأن العام وحقوق ومصالح العباد.

والحقيقة والواقع أن النص الديني واضح وضوح الشمس بشمولية الدين الإسلامي وتنظيمه لكافة مناحي حياة الإنسان، سواء تعلق الأمر بشؤونه الخاصة أو بحياته العامة. فقد جمع سيد المرسلين بين الدعوة والدولة، والقرآن والسلطان، فكان إمام منبر وقائد جيش، وواعظ أمة وزعيم دولة.

نورد بعض النصوص الدينية الدالة على شمولية الدين الإسلامي لتذكير من يحتاج إلى تذكير وبيان ما لا يحتاج إلى بيان فـ:لا شيء يصح في العقل *** إذا احتاج النهار إلى دليليقول الله تعالى في سورة الأنعام، الآية: “اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا”. في الآية الكريمة إشارة واضحة إلى إكمال الدين. الإكمال بمعنى التمام والكمال والشمولية والإتقان. والدين منهج حياة.

الله عز وجل يخبرنا أنه أكمل لنا ديننا الإسلامي، منة منه سبحانه وتعالى وفضلا، وارتضاه بذلك لنا طريقا ومنهاج حياة. لماذا؟ لنوليه ظهورنا ونولي وجوهنا وأفئدتنا شطر اللبرالية والاشتراكية؟

أكمله تعالى وارتضاه لنا وبين لنا طبائع النفس البشرية وأمراضها وعلاجها (علم النفس). ارتضاه لنا في علاقاتنا الأسرية والاجتماعية (الأسرة وعلم الاجتماع) وفي معاملاتنا المالية والتجارية والاقتصادية (المالية وعلم الاقتصاد) وفي علاقاتنا فيما بيننا (فقه المعاملات والقضاء) وفي ما بيننا وبين حكامنا (علم السياسة)… كل هذا للعمل به والاستنارة بهديه في بناء الدولة، دولة الإسلام. وهذا ما تم على الأرض في زمن النبوة على يد سيد البشر، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، واستمر في عهود الخلافة الأولى على منهاج النبوة.

من أجمع الآيات القرآنية في هذا السياق قوله عز وجل: “ما فرطنا في الكتاب من شيء”. (سورة الأنعام، الآية 38).

ما ترك الله عز وجل كبيرة ولا صغيرة في حياة الإنسان الخاصة ولا العامة إلا ذكرها وسيَّجها وأحاطها بمنهجه الرباني الحكيم الذي” لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه”(سورة فصلت، الآية42) حفظا له ولحياته ولكرامته ولحقوقه ولمصالحه من أن تنتهك أو يخرقها خارق.

وفي الحديث النبوي الشريف: “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فالإمام راع ومسؤول عن رعيته. والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته. والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها. والخادم في بيت سيده راع وهو مسؤول عن رعيته”. قال الراوي: فسمع هؤلاء من النبي صلى الله عليه وسلم، وأحسب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “والرجل في مال أبيه راع وهو مسؤول عن رعيته. فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته”. أخرجه الشيخان وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.

المسؤولية العظمى، وبها بدأ صلى الله عليه وسلم، هي مسؤولية الحاكم وما تتطلبه من عدل ورفق ورعاية للحقوق المادية والمعنوية للشعب. ثم تليها مسؤولية الرجل في أهله والمرأة في بيت زوجها …

لكن هل الآخر هو المسؤول الوحيد عن هذا الفهم الناقص السقيم للدين؟

الحركة الإسلامية بما هي صاحبة الطرح والمشروع تتحمل قسطا كبيرا من المسؤولية في هذا الأمر بسكوتها بعض فصائلها المريب عن الجانب العدلي وعن لقمة العيش وهموم الحياة اليومية من شغل وخبز ومسكن وملبس ودواء وتطبيب وتمدرس، مقابل تضخيم كبير في حديثها عن الجانب الفقهي العبادي والسلوكي الأخلاقي وجانب الحدود والعقوبات.

هذا التغييب وهذا الإغفال للجانب العدلي المعيشي هو الذي يرسخ في عقل الآخر وخياله الفهم السقيم الناقص عن الدين ويعطيه المثال السيئ عنه وعن أصحابه ويلقي بشباب وشابات المسلمين في أحضان الجاهلية ومذاهبها الهدامة بحثا عن بديل يتحدث عن العدل ويدافع عن الفقراء والمستضعفين. وإذا أضفنا إلى هذا العامل صورة عالم السوء المبرر لحكم الظالمين المستبدين المنافح عنه بنصوص من القرآن والسنة باطلا زاد المشهد قتامة وبشاعة فكان النفور “المبرر” من الدين وكل ما يمت إليه بصلة.

يقول الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين في هذا الباب، مبينا قصور الحركة الإسلامية وجسامة مسؤوليتها: إننا لا نقول بما فيه الكفاية للبائسين والمحرومين، ولا نبين ولا نركز، أن الإسلام عدل ومساواة. وأن الإسلام على لسان كل رسول وفي جهاده هو الانتصار للمستضعفين على المستكبرين. وكأننا، والأمر بالنسبة إلينا بديهي، نظن أن المسلمين يفهمون فهمنا.

ولعل بعضنا لا يطرح على عقله بالوضوح الكافي خطورة الطبقية. ولعله لا يفهم لها معنى. ولعله يظنها اختراعا ماركسيا. ولعله لا يدرك أن الأرض تفسد لولا دفع الله الناس بعضهم ببعض.

الدفع في الاتجاه الظالم هو التعدي والاستكبار وقهر المستضعفين. والدفع في اتجاه العدل هو الجهاد الذي يهدف لمقاومة الاستكبار- بكل معانيه وحقائقه والإطاحة به. الفقر والكفر توأمان متلازمان” (كتاب المنهاج النبوي، ص: 421).

(…) و”عندما يعرض بعضنا الإسلام في ملائكية متعففة نظيفة سماوية، يحسن اليساريون أن ينزلوا  ولو دعائيا إلى حيث المسكين والمحروم والبائس. ينزلون إليه ليصفوا ما هو فيه من بلاء كنتيجة للإسلام الحاكم. وينتهي الأمر بأن يكفر المستضعفون بالإسلام، ويلتقوا حول دعاة الكفر.

هنا في حمأة التعفن الاجتماعي الناشئ عن الاستكبار يجب أن يشمر جند الله عن ساق الجهاد ليعبئوا غضب الشعب في الاتجاه الصحيح. من هذا المستنقع الحياتي، جيب أن ننشل المستضعفين. يجب أن نشرح لهم من أرادهم فيه، ولم، وكيف. يجب أن نعلمهم تاريخ الاستكبار كما ورد في القرآن، ونعلمهم حاضره كما نعيشه ونعلمهم قادته وأذنابه ومؤامراته.

مع الشعب المستضعف نكون. وفي سبيل الله نقاتل وفي سبيل المستضعفين.

نقولها قبل القومة ونحققها أثناءها، ونطرد الكفر مع الفقر بعدها بإنصاف المظلوم وغسل أقذار البؤس عن وجه الأمة. إن شاء الله العلي القدير.” (كتاب المنهاج النبوي، ص:423).

3- ثالث هذه العقبات عقبة تاريخية:

وهي عقبة تكونت بفعل الانكسار الفظيع الذي شهده تاريخ الإسلام مند مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه. وكان من نتائج هذا “الانكسار التاريخي” على الأمة الإسلامية فصل الدين عن الدولة وإبعاده عن القرار السياسي وسيطرة وعلو الدولة على الدين مما مهد لنشوء فهم وتصور ضيق ومنحبس للدين.

كانت السيادة في مرحلة النبوة المباركة ومن بعدها مرحلة الخلافة الراشدة للدين والدعوة وكانت الدولة تابعة منفذة. كانت الدعوة والدولة منجمعة في يد خليفة المومنين المسؤول عن تطبيق الشريعة والحكم بما أنزل الله تعالى. فلما وقع الانكسار والانفصام النكد باستيلاء بني أمية على الحكم وقع تصدع خطير في البناء الإسلامي الخليفي الذي أسسه الرسول صلى الله عليه وسلم وشيده من بعده الخلفاء الراشدون.

ذهب العدل وذهبت الشورى وفسد الحكم وعم الفساد. وتعرض العلماء المجاهدون للإهانة والحصار وشتى أنواع التنكيل والتعذيب لقيامهم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (واجب المعارضة المقدس). كان هدف الحكام المتسلطين الأكبر إخضاع الأصوات الحرة المصلحة حتى يتسنى لهم الانفراد بالشأن العام وبالقرار والثروة. وتمخض عن كل هذا ظهور طامتي “الفقه المنحبس” و”دين الانقياد”. معضلتان خطيرتان لازالت الأمة تعاني إلى يومنا هذا من ويلاتها ومرارتها وتشكلان عقبة كؤودا في وجه الدعوة والتغيير والإصلاح وبناء تاريخ الأمة ومجدها.

يرى المثقف والمفكر هاتين الطامتين: “الفقه المنحبس” و”دين الانقياد” فيحسبها دينا لنا وصفتين من صفات الإسلام ومبادئه فيكفر بالدين ويرى في سياسته أفيونا للشعب تجبه محاربته والتخلص منه. وما هما من الدين، بل هما طامتان طرأتا بفعل المستبدين والمفسدين الذين خربوا الدين وأمرنا برفضهما بشدة ومقاومتها بقوة بنص الدين.

قال عز من قائل على لسان صالح عليه السلام يخاطب قومه: “فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون”(سورة الشعراء، الآيات150،151،152). أمر إلهي بتقوى الله تعالى وطاعته ونهي عن طاعة المسرفين المفسدين. والأمر سار فينا إلى يوم القيامة.

وقال الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني والحاكم عن إسماعيل بن عبيد عن أبيه عن عبادة: “سيلي أموركم من بعدي رجال يعرفونكم ما تنكرون وينكرون ما تعرفون. فلا طاعة لمن عصى الله”.

وقال أيضا في الحديث الذي رواه أبو نعيم في “دلائل النبوة”: “ألا إن رحى الإسلام دائرة، فدوروا مع الكتاب حيث دار. ألا إن كتاب الله والسلطان سيختلفان، فلا تفارقوا الكتاب. ألا إنه سيكون عليكم أمراء يرضون لأنفسهم ما لا يرضون لكم، إن أطعتموهم أضلوكم. وإن عصيتموهم قتلوكم” قالوا: “وما نفعل يا رسول الله؟” قال: “كما فعل أصحاب موسى، حملوا على الخشب، ونشروا بالمناشير. فو الذي نفس محمد بيده، لموت في طاعة خير من حياة في معصية”.

كلام واضح صريح إلا من أراد أن يصم أذنه عن السمع وعينه عن البصر وبصيرته عن الفهم. “وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يومنون”(سورة يونس، الآية101).

4- رابع هذه العقبات عقبة نفسية ذاتية:

وهي عقبة تتغذى من العقبات الثلاثة السابقة لكن يؤججها تنامي الصحوة الإسلامية وظهور الحركة الإسلامية واكتساحها لسوق السياسة وتفوقها الباهر على أنصار الفكر اللاييكي متى فتح في وجهها باب المنافسة السياسية الشريفة.

ثقل تاريخ نضالي في حضن مذهب أصبح في خبر كان وفرغ أصحابه من نعيه ومن مراسيم جنازته يحول دون عودة اللاييكيين من بني جلدتنا إلى صوابهم، إلى حق سطعت شمسه ونوره للعادي والبادي، والتمحيص الدقيق والجرأة الكافية على النقد الذاتي والمراجعة الفكرية والمذهبية. وأنى للرزايا بهذه المزايا؟

ولئن كان لارتمائهم في أحضان الفكر الجاهلي، شرقيه وغربيه، من مبررات قديمة وحديثة من أبرزها غياب نموذج جهادي تغييري حقيقي على أرض الواقع، فإنه لا مبرر له اليوم بعد افتضاح زور وتعتيم وتلبيس حكام وعلماء القصور وظهور وقيام أهل الحق جهادا في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين في الأرض.

في الختامحاولنا في هذه السطور إعطاء صورة عن معنى السياسة الدينية ومبناها. تحدثنا عن قواعد السياسة الدينية ومرتكزاتها وعن العوائق الحائلة دون الإيمان بها واعتناقها. كما لمسنا من خلالها تخبط السياسة المادية وفشلها وبؤسها الملازم.

ما مرد هذا البؤس وما مصدره؟ ما الوسيلة إلى إصلاح هذا الإفلاس؟ وما السبيل إلى تدارك هذا اليتم السياسي والمذهبي لدى دعاة الباطل؟ وكل ما عدا الله باطل.

لا بد من نقد ذاتي حقيقي وعميق. لا بد من محاسبة جريئة ومراجعة شاملة مذهبية وسياسية وفكرية وأخلاقية وروحية. بعبارة واضحة، لكن غريبة عن فكر المفلسين وسياستهم، ويا حسرة على العباد! لا بد من توبة نصوح يصطلحون بها مع الحق سبحانه وتعالى. مع العليم الحكيم. مع القوي العزيز. جل جلاله وتبارك اسمه ولا إله غيره. لا بد من توبة نصوح يسترجعون بها فطرتهم الممسوخة وهويتهم المطمورة وأصالتهم الضائعة. فبدون التوبة ستبقى السياسة المادية قاصرة عن رؤية الحق ومعرفته وسيضل الماديون تائهون وفي بؤسهم المذهبي والسياسي والجماهيري يعمهون.

السياسة الدينية عدل من حيث هي منبثقة من الوحي الإلهي الذي لا يحابي عرقا ولا لونا ولا شكلا ولا لغة. وكرامة من حيث هي دعوة لتكريم الإنسان، أي إنسان. وحرية من حيث كونها تحرر من هوى النفس والهوى ومن جميع أشكال الطاغوت. وأخوة من حيث هي دعوة إلى المحبة والرحمة والتعارف وصلة الرحم الإنسانية. وأمانة ومسؤولية عظمى لارتباطها بالحساب. بالجزاء والعقاب. والجنة والنار. رضا أو سخط الواحد القهار.

السياسة الدينية ربانية مقدسة وحوافز إيمانية وهوية أصيلة وأخلاق نبيلة ومسؤولية عالية وقدوة ومثالية. وهذا سر قوتها وصمودها ومقاومتها واقتحامها وتفوقها.

لكن ما حيلتنا مع من يرى في الدين رجعية وفي الإيمان تخريفا وفي النور ظلاما وفي الأصالة تزمت وفي الكمال قصورا؟!

ما حيلتنا مع من يرى في الدعوة إلى التوبة تسفيها لأحلامه وإهانة لعقلانيته وتطاولا على علومه وتقييدا لحريته ونسفا لأمجاده؟!

التوبة يا عباد الله رجوع إلى الكريم سبحانه. التوبة خروج من ضعفك وتيهك وأنانيتك وشقائك واعتصام بقوته عز وجل وعظمته وراحة وطمأنينة في كنف هدايته ورحمته وسكينته ومحبته. “إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين” (سورة البقرة، الآية222).

اللهم اجعلنا من التوابين واجعلنا من المتطهرين.

اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه. وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه.

انتهى المقصود من هذا البحث. فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم. وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

“سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين”.