تعتبر مرحلة تحديد الأولويات وصياغة الأهداف وتدوينها من أهم المراحل التي تساعد على النجاح في حسن إدارة الوقت، فالفشل في التخطيط هو تخطيط للفشل، لكن مرحلة الإنجاز هي المرحلة الحاسمة التي تتطلب همة عالية ورغبة أكيدة يستطيع بهما الإنسان، المتوسل بالله وتوفيقه والمسلح بالهدف النبيل وصفاء النية، أن يصل إلى أقصى ما يمكن من توظيف لسويعات عمره.

الإنجاز والتفعيلالتخطيط مهما كان محكما لا يكفي، فعوامل الفشل في تفعيله وإنجاحه كثيرة ومتعددة، لذلك يجب محاربتها لتوفير الظروف الواقعية المساعدة على إنجاحه، ومنها:

1 – العمل المناسب في الوقت المناسب: الله جل وعلا بحكمته قد جعل لكل شيء في الكون وقتًا محددًا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، فمن سنة الله في الكون الدقة والنظام، ومن خالف ناموس الكون لا يجني من أعماله فائدة، كمن يرجو الثمرة قبل وقت نضوجها، أو من لا يقطفها إلا بعد أن يكون قد أصابها التلف. وهكذا ربما نتعب ونكدح ونعمل، ولكن عدم ضبط الأعمال بأوقاتها تفقدنا نضج وطراوة وحلاوة ثمرة أعمالنا. وبالإضافة إلى هذا الاعتبار هناك أيضا قابلية الفرد واستعداده للعمل، وفي هذا يمكن تقسيم الوقت اليومي إلى نوعين هما:

وقت الذروة: حيث يكون الفرد في كامل نشاطه البدني وحضوره الذهني وهو وقت يكون فيه الإنتاج الجيد والعطاء المتميز والعمل الجاد.

وقت الخمول: يكون الفرد فيه في أقل حالات تركيزه وحضوره الذهني وبالتالي فعطاؤه فيه يكون ضعيفا.

وأعتقد أن لكل واحد منا أوقات ذروة تختلف عن غيره، والمهم هو أن يعي الفرد ذاته، حتى يتمكن من تحديد أوقات الذروة لديه في اليوم والليلة، ففي ذلك خطوة كبيرة تمكن من الاستفادة المثلى منها حيث توضع فيها الأمور التي تحتاج إلى تركيز مثل الأولويات والأمور الصعبة والأشياء الثقيلة على النفس؛ أما الأهداف أو الأعمال الخفيفة والأمور التي يستمتع بعملها فيمكن وضعها في أوقات قلة النشاط، وهذا الأمر ينطبق على كل من أوقات العمل وأوقات الحياة الخاصة على السواء.

2 – التفويض: التفويض مبدأ هام مساعد على حسن إدارة الوقت، ذلك أن الإنسان مهما أوتي من قدرة لا يستطيع الاضطلاع بالمسؤوليات كافّة، وتحقيق جميع الأهداف بنفسه، وفي سيرة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أوكل الله إليه دعوة الناس إلى الإسلام، نجده قد استخدم التفويض بفعالية لتحقيق هذا الهدف، منهجه في ذلك قوله تعالى في سورة يوسف: ” قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108)”.

وقد مارس النبي صلى الله عليه وسلم التفويض ممارسة عملية في حياته الدعوية، حين أرسل مصعب بن عمير إلى المدينة معلماً، وعلي ابن أبي طالب إلى اليمن داعية، ومعاذ بن جبل إلى اليمن قاضياً، والعلاء بن الحضرمي إلى البحرين والياً، كل ذلك لتحقيق هدف نشر الإسلام وتعليمه للناس، وإقامة دولة الإسلام على دعائم إيمانية راسخة.

لكن لا بد من الإشارة إلى أن إسناد الأعمال يتطلب تحري أهل الدراية بها والخبرة فيها حتى نضمن إنجازها على الوجه الصحيح مما يوفر الكثير من الوقت والجهد والمال، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم التحذير من إسناد الأمور إلى غير أهلها وعَدَّه من تضييع الأمانة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: “إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قال كيف إضاعتها يا رسول الله؟ قال إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة”(1).

3 – محاربة مضيعات الوقت: حذر الإسلام من تضييع الوقت والتفريط فيه، ووضع الضوابط التي تكفل للمسلم حفظ وقته، ومن ذلك أن شرع الاستئذان، فلا يحق لأحد أن يدخل على غيره إلا بعد أن يستأذن منه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:” الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع”(2)، وقول الله عز وجل في سورة النور: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (27) فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (28)”. كل ذلك من أجل حفظ وقت المسلم من أن يضيع في الزيارات غير المخطط لها.

4 – محاربة التسويف: وهو من أشد أسباب الفشل في إدارة الوقت، يقول الحسن البصري: “ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل”. قال القرطبي: “وصدق رحمه الله! فالأمل يُكسل عن العمل ويورث التراخي والتواني، ويعقب التشاغل والتقاعس، ويخلد إلى الأرض، ويميل إلى الهوى”(3).

ويحذر القرآن الكريم المفرطين في أوقاتهم، الذين يفوتهم العمل فيها، وينذرهم بالحسرة والندامة على ذلك التفريط يوم القيامة، فقد جاء في سورة إبراهيم أنهم يقولون في حسرةٍ وندامة: “وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ (44)”. فيأتيهم الجواب كلاّ. لقد مضى وقت العمل ولن يعود، فالدنيا عمل ولا حساب، والآخرة حساب ولا عمل.

5 – إشراك المحيط: إدارة الوقت التقليدية غالباً ما تركّز على الإنجاز والوصول إلى المراد وإزاحة أي شيء يعوق ذلك من الطريق، أما الآخرون فهم مجرّد موارد تستخدم للوصول إلى مزيد من الإنجاز وبسرعة، وإلا كانوا مصدر إعاقة عن تحقيق الهدف. هذا كله بعيد عن قيم ديننا وبعيد عن الحقيقة الإدارية التي أصبحت تعطي للعلاقات الإنسانية مكانة أوسع من السابق بعد أن اكتشفت تأثيرها سلبا أو إيجابا على الإنتاجية. فأعظم الإنجازات في الحياة تأتي من خلال العلاقات التي تؤثّر في الطرفين، أي التعديل، والتبادل، والتفاهم، والتعلم، والإثارة والالتحام و… وكل هذا يجعل الحياة أفضل والنجاح فيها له مذاق أجمل. وبما أن تدخل الآخرين في المحيط العائلي والمهني والجغرافي عموما قد يؤدي إلى تعثرات تلتهم وقتنا، فإن أحسن طريق للتصدي لذلك هو إشراكهم في إدارة الوقت بما يجنبنا مقاطعاتهم التي قد لا تكون مهمَّةً أو ملحَّةً.

6  المرونة: يجب أن تكون المرونة من الأمور الرئيسية التي تؤخذ في الاعتبار عند إنجاز الخطط، أي أنه يجب ألا يتم الإفراط أو التقليل من الوقت المطلوب. وعند إعداد الخطة اليومية ينبغي أن يدرك الفرد حدود مقدار الوقت في يوم العمل الذي يمكن أن تجدول فيه المهام. فالشخص الذي يخطط لملء كل دقيقة من يوم العمل سيجد أن عدم المرونة في الجدول لا يمكن أن يجعله قادرا على اتباعه.

7 – الاختصار والبساطة: ويسمى مبدأ (Kiss) ويعني Keep It Short and Simple. فلماذا نَعقد اجتماعاً إذا كان الأمر يحل بالهاتف؟ ولم نعمل دراسة إذا كانت المشكلة أو المعلومات متوفرة وواضحة؟ ولماذا نرسل إلى شخص رسالة إذا كنا نراه كل يوم؟

——————————————–

(1) رواه البخاري في صحيحه.

(2) رواه مسلم في صحيحه.

(3) القرطبي، محمد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، ج10 ص3.