لا يزال المغرب يحصد المراتب المتقدمة بين الأمم في الفساد السياسي والمالي والإداري والأخلاقي والتعليمي والصحي، ولا يزال القائمون عليه سادرون متعنتون، لا يلتفتون لفِتن تعيش فيها الأمة ولا ينتبهون لظلامات تحملوا وِِزرها وسيحاسبون عليها غدا أمام الله بالقسط، ومن أكبر الأوزار وِزر البادية التي أُهملت مذ خرجت فرنسا من أرضنا، منذئذ والعقلية المخزنية لا تنظر إلى البادية إلا كشَر يجب اتقاؤه والتعامل معه كمصدر للإزعاج والهجرة إلى هامش المدن.

فكان الإهمال الذي لم تعد معه البادية بفلاحتها وصناعتها التقليدية تملأ سوق المستهلك المغربي كما كان في السابق، ولم يعد لها أي دور اقتراحي أو تأثيري أو تغييري (بشكل إيجابي)، إذ أُفسِدت بشكل مُمَنهج حتى تحولت إلى خرابٍ يستعصي ترميمه جراء غياب سياسة اقتصادية تضمن عدلا اجتماعيا كفيلا بتطوير وضع سكان البادية وتحسين مستوى عيشهم ومعاشهم.

فمن ينكر ذلك الفرق الصارخ بين البادية والمدينة على مستوى الاهتمام الرسمي والاستثمار وعلى مستوى البنيات التحتية والمرافق الأساسية والوحدات الإنتاجية، ومن يجهل أن أثر ذلك التفاوت بائن على مستوى الحياة اليومية للمواطن البدوي في جميع المجالات، والتي أقل ما يصح نعتها به هو: المأساة.

فكيف تشكلت هذه المأساة؟ ومن المسئول عنها؟ وما هي مفاتيح تجاوزها؟

جمود ورتابةيكشف الواقع اليومي فضلا عن الدراسات الاجتماعية الميدانية عن استفحال مأساة حقيقية في البادية المغربية، راكمتها عقودا طويلة من الإهمال وسوء الاستغلال، حيث يعرف الوضع جمودا مُحزنا بل تراجعا مستمرا على جميع المستويات، بدءا بالهشاشة الشديدة التي تعرفها البنية التحتية والنقص الفاضح في التجهيزات الضرورية والتراجع المتتالي في الإنتاج واستنزاف الفرشة المائية. فالبنايات السكنية هشة ومتآكلة، لا تقاوم التغيرات المناخية المتقلبة (حيث كشفت التقارير عن وجود 700.000 سكن مهدد بالانهيار)، بالإضافة إلى انخفاض المساحة الإجمالية للأراضي المزروعة بالحبوب بنسبة 31% بالمقارنة مع السنوات الخمس السابقة، ناهيك عن تدني مستوى المَكْنَنة وارتفاع كلفتها، وغلاء المُعدات الفلاحية العصرية مقابل ارتفاع نسبة ربا السلفات البنكية (18%)، مما يمنع الفلاح والكسَّاب من الاستفادة من استعمال الوسائل العصرية، وبالتالي تأبيد الوضع التقليدي وتكراره بشكل رسمي، بالرغم من أن الفلاحة هي محور الحياة الاقتصادية.

أما الشبكة الطرقية في البادية فلا تزال عتيقة ومتقطعة، إذ لم يُكتب لها أن تبرح مكانها منذ الاستقلال، باستثناء بعض الترقيعات الجزئية التي تُعد من قِلتها في حُكم العدم. وهذا عار على دولة ترفع شعار دولة الحداثة والديمقراطية والمفهوم الجديد للسلطة والحكامة الجيدة والتنمية البشرية!!!

توالي سنوات الجفاففي الدول التي نهضت بقدرات باديتها لا يُترك الفلاح ولا الكسَّاب ليواجه قدر الجفاف لوحده، بل تسارع الحكومات -التي ليس همها سوى خدمة مواطنيها وبلدها- إلى التعاون معه وجبر كسره وتعويضه عن الخسائر والتراجعات حتى يستمر في العطاء، أما عندنا في المغرب فلك الله يا فلاحنا المسكين، وكان الله في عون نعاجك الهزيلات يا كسَّاب.

وبتوالي سنوات الجفاف تظهر ندرة المياه سواء منها الصالحة لشرب الانسان أو الصالحة لشرب الهيم أو تلك المُعدة للسقي، (يفتقر 70% من سكانها إلى الماء الشروب، و85% إلى الكهرباء)، وبالتالي غلاء ثمن المتر المكعب من الماء إن وُجد، مما يجعل الفلاح عاجزا عن تسديد ثمن الري، ومع انخفاض الموارد المائية بنسبة %30 إلى %40 عرفت جل الدوائر السقوية بالمغرب عجزا في تأمين مياه الري، حيث تصل النسبة إلى 50 % بأحواض أم الربيع وسوس ماسة وملوية، وإلى 80 % بأحواض زيز ودرعة. وباستثناء منطقتي الغرب واللوكوس فالمغرب مهدد بندرة خطيرة في الماء، لن تنفع فيها تلك السياسة المتعنتة للسدود.

أما ما تسميه بلاغات الوزارة الوصية على الفلاحة ببرنامج التأمين ضد الجفاف (تبرير العجز بالجفاف) فلا تتجاوز قيمته الإجمالية 120 مليون درهم سنويا مما يعني أنه مجرد ترقيع قد تستفيد منه مناطق محدودة جدا (جزء من سطات وجزء من آسفي) وقلة محظوظة من المتنفدين عبر الزبونية المنتشرة في المغرب بلا حدود. ولا يرقى ليكون حلا موضوعيا يقاوم التهميش الذي أصاب البادية عموما بفعلِ حكومات فاسدة ليست في مستوى المسؤولية والائتمان. بل تلطخت يدها في حرمان كثير من المناطق من مياه أرضهم، كما وقع مع ساكنة زاوية ابن صميم لما تواطأت السلطات المخزنية مع شركة فرنسية لاستغلال ماء العين الوحيدة في المنطقة. وهم الذين كانوا قد تفاءلوا خيرا من شعار “التنمية البشرية” التي رُصدت لها ملايير الدراهم، قبل أن تذهب بها الريح بعيدا عن مصلحة البلاد والعباد، وقبل أن تفشل الأيادي الآثمة في تدبير ملفات الفقر والبطالة والتهميش…

الغلاء ونزيف الثروات

الناسُ للناسِ مِن بَدْوٍ وحاضرةٍ *** بعضهم لبعض وإن لم يشعروا خدََمُالأصل هو التعاون والتكامل بين البادية والمدينة على مستوى الثروات والمنتجات والمتطلبات، إلا أنه مع اتساع المدى الحضري وتزايد سكان المدن على حساب سكان البوادي، تضاعف الاستهلاك اليومي لسكان المدينة، وبالتالي تزايدت الحاجة إلى ثروات البادية، سواء الثروات النباتية أو الثروات الحيوانية أوالمُعدات الخزفية أو غيرها…، لكن الواقع هو أن إنتاج الأنعام (قطعان الغنم والماعز والبقر) أصبح في تقلص مستمر، مما أنذر بخصاصٍ مُهول في الحاجيات الأساسية للشعب المغربي برمته.

ومع ما يعرفه الغطاء النباتي (خاصة المراعي) من تدهور مستمر منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي فإن سكان البادية لا يكتوون فقط بغلاء السلع الأساسية للاستهلاك البشري التي تضاعفت بنسبة 60 % (الدقيق، الزيت، الزبدة…)، بل بغلاء الأسمدة للزراعة وغلاء الأعلاف للأنعام (الماشية) أيضا، فارتفاع الأسعار مضاعَف على الكسَّاب والفلاح، فبالأحرى العاطل المُعطل والمريض والمُعدم. أما تلك المساعدات والمنح الواردة في تقارير فلاحة الوزارة فهي على ضعفها (رغم الشك في صدقية الأرقام الرسمية لأنها تصور المغرب أجمل بلد في العالم) تبقى موجهة للزُّبناء الكبار الذين يُتقنون فن السمسرة في مثل هذه النهزات،(1) أما الفلاحين الصغار فيُحتفظ بهم للتصويت في انتخابات بلا جدوى، أو يُجرون بالتهديد والتخويف إلى الاحتفال القسري بمناسبات سلطانية (أعياد العائلة الملكية: عيد العرش، عيد الشباب، زيارة استعراضية، ولادة ملكية…)، وكم دَخَل فقراء البادية السجنَ لعدم قدرتهم على المشاركة في تلك الاحتفالات التي تُستنزف فيها قدراتهم المالية. وأتذكر أن والدي حفظه الله أُدخِل السجن لا لأنه امتنع عن الاحتفال ولكن لإجباره على أن يأتي بخيمته الخاصة مع أننا لم نكن نتوفر عليها آنذاك، مما اضطره إلى الانتفاضة في وجه الشِّيخ والقائد، فكان الثمن 20 يوما حبسا نافذة!!! والأمثلة أكثر من أن تُحصى.

وهناك عامل آخر لا يقل أهمية عن العوامل السابقة وهو سيطرة الشركات الصهيونية على القطاع الفلاحي (استيرادا وزراعة و…) مما يشكل إعاقة حقيقية للنهوض بأوضاع باديتنا.

البطالة والهجرةيضطر السكان “النشطون” إلى الهجرة نحو المدينة أو نحو الخارج بحثا عن فرص للشغل وبالتالي للحياة، وتخلصا من لقب بدوي (عْرُوبي) الذي تميزه سحنات وجهه وملامح هيئته وفراغ جيبه، وتجبره على القبول بالإذلال والدونية مقابل المتمدن أو “المْديني” الذي على الأقل يختبئ عن حر الشمس ولو في إحدى كاريانات الدار البيضاء (مدن القصدير) أو في إحدى الشركات الأجنبية التي تمتص دم العمال وتسرق أعمارهم وتتملص من أداء الضرائب (2)، أو استرخاص العُمر والمغامرة به من أجل حياةٍ كريمةٍ وغريبةٍ في نفس الوقت بين قوم الإفرنجة. حاديهم في غربتهم المثل المغربي: “قْبَرْ مْغَرَّبْ ولا شُكَّارَة خاوية”.

أما باديتنا فرغم وفرة اليد العاملة فإن العمل شبه منعدم، (سَبْعْ صْناَيْع والرزق ضايْعْ) مما يسبب تذمرا لدى الشباب بسبب عدم إيجاد فرص عمل وعدم قدرتهم على الاستفادة من أغلى فترات حياتهم الغنية بالطاقة والحيوية، وهذا يؤدي بهم  كما يقول علماء الاجتماع- إلى حدوث تصدع شامل في المجتمع، حيث تستفحل ظواهر اجتماعية سلبية من الصعب علاجها.

ويتسبب ذلك أيضا في الإعراض حتى عن الزواج في السن المناسب، مما يهدد برفع نسبة العُنُوسة في المجتمع. وهذا مؤشر موضوعي على انتشار التربة الخصبة للرذيلة والفساد والعنف والتحلل الاجتماعي كما أنه دافع قوي للانحراف و الجريمة.

“وبسبب هذه الاحتقانات الاجتماعية، يغامر شبابنا المغربي عبر قوارب الموت محاولا عبور البحر إلى الضفة الأخرى في عمليات مأساوية مستمرة لسنوات خلفت آلاف القتلى لا بَواكي لهم، وفي استنزاف مستمر لزهرة عمر الأمة، الطاقة الشبابية، وسط لا مبالاة رسمية غريبة وكأن الأمر لا يتعلق بآدميين قبل أن يكونوا مغاربة لهم كل الحق أن يعيشوا في بلدهم بكرامة وشغل شريف.” (3).

العزلة والسَّيبةيعاني سكان القرى والمداشر والأرياف والغابات من البُعد عن المدن أو عن السوق بعشرات الكيلومترات ومن انعدام وسائل النقل، اللهم تلك السيارات البالية الأسبوعية التي تُكدِّس الناس بداخلها تكديس السلع، (57% من القرى في عزلة)، وفي المناطق القريبة من المدينة غالبا ما يستغل أرباب سيارات الأجرة حاجة الناس فيضاعفون سعر المقعد ويكدسون المواطنين في سياراتٍ كلها أعطاب، وفي الغالب يختلط الناس والبهائم في شاحنة واحدة، الكعب على الكعب والكتف على الكتف…

أما الانفلات الأمني فقد وصل حدا لا يطاق، حيث ما يزال سكان البادية يفتقدون للأمن جراء السرقات المتتالية لقطعانهم وآلاتهم الزراعية وفلوسهم. إذ بلغت حدة الجرائم في المغرب درجة لم تبلغها في أي زمن سابق ولم تحك لنا كتب التاريخ ولا رواياته الشفهية عن الدركة التي وصلت إليها أوضاعنا الأمنية هذه الأيام: قتل الناس بالجملة، سرقة بالأنواع، إرهاب الآمنين بالألوان، قطع الطريق في واضحة النهار، وكأن البلاد لا سلطة فيها، أو أن السلطة ليست للبلاد، حيث يحج آلاف الناس من مختلف المناطق يوميا يشتكون من الظلم الذي يتعرضون له، لكن بلا جدوى.

المسجدالمساجد بيوت الله، ومراكز التعارف والتعلم والتربية والإشعاع، وقد أولاها المغاربة عناية كبرى بناء وتشييدا وصيانة وتعميرا، حتى تخرجت منها عشرات الأجيال وآلاف الأفواج، فعَمّ خيرها وشَعَّ نورها في العالمين…فكان “المْسِيدْ” مركزا تربويا، تكوينيا، تعليميا، واجتماعيا، يتربى فيه النشء على حب الله وحب رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى الطهارة والعفاف، ويتعلم فيه الصغار والكبار الدين والخُلق، ومنه انطلق الجهاد ضد الكفار، وفيه تُجمع الزكوات وتوزع على المساكين، وفيه تعقد جماعة الدوار مجالسها وتخطط لأعمالها وتصلح ذات البين… “في محرابه تطهر قلوب المتبثلين، وبين جدرانه يحضن الرجال السالكين، وفيه تنمى روح التعاون والولاية بين المؤمنين، وعلى حصيره تقام مجالس المشورة والقيادة، وفيه تصطف صفوف المجاهدين لتسير نحو ميادين الجهاد وساحات الفعل” (4)

إلا أن الوضع اليوم متخلف ومختلف تماما، فقد تغير بشكل خطير وخاصة في البادية حيث طالت العزلة المساجد والكتاتيب القرآنية لما أُهملت أو تم إلحاقها بوزارة الأوقاف (التي تُوقف وظيفة المسجد) التي تعمل بدورها كقسم تابع لوزارة الداخلية أُسنِدت له مسؤولية مَخْزَنة المساجد، ومخزنة القرآن، ومخزنة الفقيه.

غياب الاستثمارلا نكاد نعثر على مشاريع تنموية حقيقية كبرى قادرة على النهوض بأوضاع سكان البادية، وأغلب المحاولات الاستثمارية باءت بالفشل وضاعت معها ملايين الدراهم ولم يستفد منها أهل البادية إلا الوعود، فمثلا في شمال المغرب لم تحصل البادية على أية نسبة يُعوَّل عليها من مجموع المقاولات التي أحدثها المركز الجهوي للاستثمار بولاية طنجة تطوان والتي بلغت 4.000 مقاولة و900 مشروع بقيمة إجمالية فاقت 70 مليار درهم.

فكيف لا يصل عجز الميزان التجاري مع بداية سنة 2008 إلى 137 مليار درهم؟

ليبقى الاستثمار الوحيد “الناجح” في المغرب هو المتاجرة في المخدرات، حيث يُعد بلدُنا “لشريف”أولَ منتجٍ ومُصدِّر لهذه المادة الخبيثة، وتُستغل البادية استغلالا فاحشا في عبور القوافل المحملة بأنواع المخدرات: الكيف، القنب الهندي، الحشيش البلدي، الكوكايين… وذلك بتواطئ مفضوح بين أباطرة المخدرات وأباطرة السلطة، وكلاهما رجال سلطة… أما الحل في نظر دولة المخزن، فهو إضافة 400 رخصة لترويج الخمور! وتنظيم مهرجانات للتنافس في أجود أنواع المسكرات، وحملات موسمية على بعض التجار لدر الرماد في بعض العيون.

المدرسةلا يسع من يطل على وضعية مدارسنا في البوادي النائية في المغرب إلا أن يصلي على سياستنا التعليمية صلاة الجنازة، وسيدرك لِمَ نحن أُميون حتى النخاع، وحتى من كتب له التسجيل في إحدى المدارس فإنه لا يستطيع المواصلة والاستمرار نظرا لغلاء الكتب، وطول المسافة التي تفصل بين السكن والمدرسة، والهجرة الفصلية، وإذا ما تمكن من التجاوز، فهو في الغالب محروم من متابعة دراسته بالثانوية لأن المصاريف ستزداد بالكراء والغذاء والكسوة والكتب والتنقل،أما بالجامعة، فلا أمل له في السكن بالأحياء الجامعية التي لا يقطنها في الغالب إلا أبناء الأغنياء أو الذين ينتمون إلى الأحزاب السياسية التي يباركها المخزن.

فإذا كان 2.7 مليون طفل لا يصلون إلى المدرسة سنويا، وإذا كان 400.000 طفل انقطعوا عن الدراسة في السنة الفارطة فقط، وإذا كانت البادية تحتفظ بالقسط الأوفر من هذه النسب وكانت الأمية بها تتجاوز 70% ، بل تصل 83% في صفوف المرأة البدوية، فعن أية مدرسة تتحدث دولة السَّيْبَة والتعليمات؟ وأية كارثة تعيشها باديتنا وهي التي يقال لشعبها “شعبي العزيز”؟ (5)

أما المعلم الذي كاد أن يكون رسولا فمعاناته اليومية بلَّدت حسه تجاه مظاهر الإهمال والتخلف والتفقير والإقصاء. إلا من رحم الله.

الصحةيمكن أن نقيس جودة الخدمات التي توفرها الدولة للبادية انطلاقا من مستوى القطاعات الحيوية، والتي منها قطاع الصحة، وخاصة في المناطق البعيدة والأرياف والجبال التي ما تزال على نفس الوضع التي تركها عليه الاستعمار بل أسوأ، (عدم استفادة 97% من سكان البادية من العلاجات الطبية) حيث تكاد تنعدم المشفيات وإذا ما وُجدت بعض الوحدات الصحية المتواضعة فهي خالية من الأطر المتخصصة (الطبيب والممرضات المختصات في التوليد مثلا)، مما يسبب ارتفاع الوفيات في صفوف النساء، خاصة الحوامل منهن،(6) ويصاب أطفال البادية بأمراض جد خطيرة ، لا يجدون معها رعاية ولا مساعدة ولا كفايةَ وسائلٍ لعلاجهم، بل قد يموت الأطفال بالجوع أو المرض أو البرد.. وما أطفال إقليم خنيفرة عنا ببعيد… وتؤكد الدراسات المختصة أن حوالي 80% من الأمراض المرتبطة تنتج عن تلوث الماء.

وإذا سألنا وزارة الصحة فستدلي بأرقام لا ندري من أين جاءت بها، وحتى تلك الأرقام فاضحة للعجز الذي يعرفه قطاع الصحة ببلادنا، نذكر منها أن عدد الممرضين في البادية المغربية على شساعتها هو 4095 ممرض في العلاجات الأولية، وهو عدد أقل من مكاتب التصويت في الانتخابات البرلمانية/ البهلوانية الأخيرة (2007)، وذكرت الوزارة أن هذا العدد مهم إذا ما قارناه مع سنة 1960!!! (هذه هي المقارنة وإلا فلا!)

وأمام البرلمان يعتصم أكثر من 3000 طبيب وممرض.

الفقر والجفاف والتلوث والمخدرات والسرقة والمرض والأمية والظلم….

ولا نتعجب إن سمعنا وزير الصحة السابق يؤكد أن أزيد من 48% من المواطنين مصابون بأمراض نفسية تتراوح بين القلق والتعصب والدهان والحمق الصريح!(7)

أما عن صحة الأبقار والأغنام والماعز والإبل والخيل والدجاج والقني فالوضع جد كارثي، إذ ما زال الكسَّاب يعاني من نفس الأمراض التي تحصد له القطعان جملة، وخاصة تلك الأمراض الموسمية السريعة التنقل والعدوى، والتي لا ينفع معها الدواء المشهور رغم ارتفاع ثمنه، ولم تستطع الدولة أن تتجاوز علم الكلام إلى كلام العمل.

المرأةتعيش المرأة في البادية المغربية استغلالا مضاعفا نتيجة السيادة التاريخية للعقلية الذكورية من جهة، ونتيجة الإهانة التي تتعرض لها لَمَّا تسعى لكسب قُوت أبنائها من جهة ثانية، على يد الأمن والدرك الملكيين المتخصصين في القمع والسب والارتشاء والتزوير والفساد وانتهاك حقوق الانسان، وفي مستوصفات بلادنا الخالية على عروشها،… ولا يمكن أن ينسى المغاربة تلك المعاملة البهيمية التي تتعرض لها المرأة المغربية في الشمال بصدد نقل السلع من المدينتين المحتلتين سبتة ومليلية إلى مخازن تطوان والناظور… (انظر جريدة المساء، عدد 387، 390).

والحل ليس هو تصدير بنات البلاد لممارسة الدعارة في دول الخليج أو في أوربا، حتى احتل المغرب المرتبة الثانية في الدعارة! وإنما هو في تكريم الإنسان المغربي واحترام حقوقه وتوفير الحد الأدنى من الرخاء الاقتصادي.

الصيد البحريحتى هذا المجال لم يبرح مكانه بل تراجع إلى الوراء، حيث ما تزال40% من خيرات المياه المغربية تستغلها الأساطين الأجنبية المتخصصة في نهب الثروة السمكية، وعرضها في الأسواق الأوربية، وهي تستعمل حتى الوسائل المحرمة دوليا والتي تتغاضى عنها لوبيات مغربية في هرم السلطة، هي نفسها التي تقف وراء إهمال تنظيم قطاع الصيد البحري وتعطيل إخراج مدونة تنظيمه. والذي يؤرق هو غياب أية استراتيجية رسمية قادرة على استرجاع النسبة العالية من الأسماك المغربية التي تُسرق منا وتُباع في أسواق أوربا، حيث يُذكر أن 70% من الثروة السمكية التي تستغلها الشركات الإسبانية مغربية.

لا تنمية إلا عبر الباديةرغم التفريط الممنهج الذي تسببت فيه سياسات عنصرية تحقيرية فما تزال باديتنا قابلة للاستدراك والاستصلاح، شرط توفر إرادة سياسية صادقة تتخلى عن حيل الشعارات الاستغفالية وتعترف بمسؤوليتها وتعلن استعدادها للمحاسبة وتنبري بشفافية لعالم الإنجاز التشاركي البنائي الذي يجعل من العدل الإجتماعي قاعدة كلية تتفرع عنها جميع التوجهات والمخططات التي تستهدف استثمار كل الإمكانات الوطنية للبلاد في خدمة تنميتها وتوفير الرخاء لساكنيها.

أما أ ن يحافظ لوبي الفساد على نفوذه المحمي من طرف سلطة المخزن فلا أمل في تجاوز كارثية الوضع إلا بحدوث كرامة ربانية.

إن الاهتمام الحقيقي ليس هو أن ترقص فِرق أحواش في تلفزةٍ وصفها البروفسور المهدي المنجرة بأنها صهيونية استعمارية، وليس تلك الصدقات التضامنية الموسمية، وليس الاعتماد على الشركات اليهودية الصهيونية في تطوير فلاحتنا، وليس بالاستعراض هنا وهناك، وليس بتعيين وزير متورط في تخريب البلاد… وإنما هو تغيير كلي يبدأ بحوار تأسيسي بين الجميع يعيد النظر في الواقع الكلي ويشرح مكوناته بالتفصيل ليقطع مع الأساليب الفاسدة التي أوصلتنا إلى المراتب الأخيرة بين الأمم. وبهذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي عمر الكتاني: “إن أب المشاكل التي يعرفها المغرب هو الفساد بكل أنواعه، وخصوصا الفساد السياسي والفساد الإداري” (8)

لكن نتمنى أن لا نحتاج إلى عقود أخرى حتى يلمس أهل البادية خطوات التغيير إلى الأحسن. وكما يقال، فأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي أبدا؛ لكن المجيء المتأخر بلا انجازات ملموسة وجهد موجه قد لا يكون أفضل بكثير من عدم المجيء. لهذا فلا مندوحة عن قومة زراعية تصلح ما أفسده الظالمون… لأن التغيير لا يقع إلا بإرادة سياسية تراجع ذاتها وتلتفت إلى الأولويات لتنجز انطلاقا جديدا يباركه الله وينعم بخيره عباد الله… بالتعبئة والتجربة والتخطيط والتعاون والترشيد.

متوكلين على الله. لا إله إلا الله محمد رسول الله عليه صلاة الله وسلام الله.

——————————————–

1- يقدر الغلاف الإجمالي للدعم الذي تقدمه الدولة لقطاع البذور ب 125 مليون درهم، في حين أن راقصة ملأت فضاء ساحة الفنا بضع دقائق حصلت على دعم مليار!!!

2- ذكرت مجلة ماروك إيبدو، عدد 744 أن “ثلثي الشركات المغربية لا تدفع ما عليها من ضرائب”.

3- وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، أصدرتها جماعة العدل والإحسان في دجنبر 2007. ص 17.

4- عبد الإله ميرة، مقال بعنوان “من المسجد وإليه” نشر بموقع www.aljamaa.net يوم 24/01/2007.

5- ذكر تقرير التنمية البشرية لصندوق الأمم المتحدة للتنمية لـ2008-2007 أن 2,5 مليون طفل مغربي لا يجد طريقه إلى المدرسة، فضلا عن انتشار الأمية في نساء البادية بمعدلات عالية بلغت 83%.

6- يموت 40 في الألف من الأطفال، و227 امرأة حامل من كل 100ألف حالة ولادة.

7- انظر تصريح وزير الصحة السابق (باللغة الفرنسية) عن الصحة العقلية بالمغرب بتاريخ 22/02/2007 بالموقع الالكتروني للوزارة.

8- حوار مع الدكتور عمر الكتاني، جريدة العدالة والتنمية، عدد18.