عناوين مخزنية:قمع ومنع وحصار، اختطاف واعتقال، مراقبة وتجسس، إرهاب وانتهاكات، محاكمة وسجن وغرامات، إشاعات واستفزازات، تلكم العناوين البارزة في تعامل المخزن الجديد -والقديم قبله- مع جماعة العدل والإحسان وفكر ونشاط العدل والإحسان وكل ما يمت بصلة إلى العدل والإحسان أو يشم منه عبير العدل والإحسان.

ولعل المتتبع يلحظ أن المخزن قد كشر عن أنيابه هذه الأيام ليقود في نسخة منقحة ومزيدة حملات أخرى من جنس ما اعتاده مع كل من لا يرى رأيه أو يصدر عن تصور يباين تصوره، فنراه يقتحم البيوت الآمنة ويروع قاطنيها، ويهاجم الأنشطة التربوية للجماعة ومنتدياتها الإيمانية والتعليمية، ونراه يعود إلى أساليبه العتيقة من اختطاف وانتهاك لحقوق الإنسان وسلب للحرية ومصادرة للفكر الحر دون رادع أو وازع متماديا في سلوكات مخزنية بائدة تفضح كل شعاراته المرفوعة، وتعري ديموقراطيته العجوز الشمطاء.

ترى ما سر تجدد حيوية المخزن في ممارساته المشينة ضد جماعة يعرف القاصي والداني فكرها ومشروعها؟ نقول” تجدد” لأنه وجب أن يتقرر في أذهاننا أن ما يمارسه المخزن ضد العدل الإحسان ليس جديدا.. ولم يأت بجديد.. إنما هناك استمرار بليد في إنتاج نفس الممارسات التي أثبت التاريخ فشلها ضد كل رأي أبي حر يعتمد على الله، هو حسبه ونعم الوكيل..

الفشل الذريع:تذهب معظم التحليلات المقدمة في هذا الصدد إلى اعتبار ما يقدم عليه المخزن تجاه جمــاعة العــدل والإحسان إنما مرده إلى سعيه إلى جني ثمار حملته في 2006، بعد أن أثبتت التقارير الاستخباراتية أن تلك الحملة لم توثر في حجم الجماعة ولا قوتها، وبغض النظر عما في هذا التحليل من بعض من الصدق فإن الحقيقة التي يجب الانتباه إليها في مقاربة تجبر النظام هي أن المخزن ببلادنا لا يحتاج إلى أي مبرر ليقمع الناس، إذ القمع والمنع والانتهاكات وسائر ما سميناه بالعناوين البارزة هي ما يشكل بنية المخزن وعقليته ونفسيته وسيكولوجيته -إن تحدثنا لغة علم النفس- خاصة مع كل من يعتقد فيه الخروج عن عقيدة المخزن ومنهجه “الأصولي” في ضرورة الخضوع والخنوع والتسليم التام له دون قيد أو شرط مع ما يتبع هذا من إلغاء عقل الإنسان وإرادته وفكره وحريته ليكون تبعا إمعة ينعق مع كل ناعق وينبطح مع كل منبطح..

وإذا تقررت لدينا هذه القاعدة وفهمنا هذه النفسية المخزنية، بوسعنا أن نبحث بعد ذلك عن سر تجدد هذه الحملة وشدتها في العناصر التالية:

– الفشل الذريع في تدبير الشأن العام في مختلف المجالات، فشل في إقناع الناس بالتصويت في الانتخابات، فشل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فشل التعليم في تحقيق أهدافه، فشل في إصلاح القضاء، فشل في غير ذلك من الميادين.

وهو فشل أثبت صدق المقاربة التحليلية لوضعية المجتمع التي قدمتها الجماعة غير ما مرة، وأبان عن عمق التحليل وصدق الرؤية وجدية المداخل المقترحة للتغيير، فمنذ بداية الحديث عما سمي بالعهد الجديد وقبل ذلك والجماعة ترى أن التغييرات الشكلية و”الرتوشات” المظهرية وسياسات الواجهات الأمامية، وتقنية الإشارات الأولية لن تكون في واقع الناس وحياة الناس إلا سرابا يزيد أمد الظلم والخراب، وأن المنعطفات الكبرى والمصيرية في تاريخ الشعوب لا تحل بالإشارات ولا بالعبارات، وإنما بالقرارات الشجاعة التي تقطع قطيعة أبدية مع الاستبداد والتفرد بالرأي لصالح إشراك الكل وإعطاء الحرية للشعب ليقرر مصيره بنفسه دون وصاية من أحد.

– فشل المخزن في ترويض الجماعة بعد أن روض عتاة السياسيين القدامى وأدخلهم في جبته يعدهم ويمنيهم ويغدق عليهم، لم تنفع المساومات ولا الإغراءات، ولا المحاكمات ولا الغرامات، ولا الاختطافات ولا الإشاعات المغرضة مع أناس باعوا أنفسهم لله ولرسوله واشتروا آخرة باقية بدنا فانية. فالملجأ إذن يكون إلى الإرهاب وتشديد الحصار وتجفيف المنابع لهؤلاء المخالفين الخارجين عن جوقة المبجلين. وهنا يمكن أن نتحدث عن فشله في حقيق مآربه في ما عرف بحملة 2006 حيث بذل المخزن مجهودا زائدا في إبداع أشكال مهترئة سبقه إليها الأسياد من محترفي قمع الشعوب دون جدوى، إذ كان عون الله وتوفيقه حاضرين في تجنيب الجماعة كل تصدع أو تراجع أو تنازل، بل كانت هذه الحملة وبالا على النظام وأذنابه إذ فضحت دعاويه حول حقوق الإنسان في عز انتشائه بما أسماه بطي صفحات الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، فكان ما وقع للجماعة في تلك الحملة المشؤومة الدليل الكافي والجواب الشافي على خرافية حقوق إنسان النظام، وهلامية تصوراته ومقارباته حول المفهوم الجديد للسلطة. وهكذا أفقدت الجماعة النظام المخزني نقطا كانت ستحسب لصالحه في تقارير المنظمات الحقوقية العالمية التي يخطب ودها.

– فشل المخزن في دفع الجماعة إلى التراجع عن مواقفها الثابتة من بنية الحكم ومن تدابيره في التسيير المجتمعي أو على الأقل دفعها إلى تليين مواقفها في الوقت الذي وقع فيه الكل صكوك الرضى عن المخزن الجديد، وقبل فيه الجميع بالدخول إلى اللعبة المرسومة حدودها سلفا المعروفة نتائجها مسبقا، وهذا-طبعا- أمر أثار حفيظة نظام تعود أن يأمر فيطاع ويدعو فيستجاب له، إذ من غير المقبول في عرف المخزن أن يكون هناك من يقول “لا” أو أن يعبر عن رأي خارج الدائرة المرسومة. وقد كانت “وثيقة جميعا من أجل الخلاص” خير معبر عن ثبات الجماعة على مواقفها وخير جواب على حملته الشعواء وجاءت التقارير الدولية لتؤكد تناغم تحليل الجماعة مع تحليلاتها ولتبين صدق رؤيتها العميقة لواقع الأمة.

لقد قدمت الوثيقة رصدا عميقا لبنية الأزمة وتجلياتها في مختلف المناحي اليومية للشعب المغربي، وحددت بمسؤولية وبوضوح وصراحة المسؤولين عن هذه الأزمة، وقدمت مداخل مهمة للتغيير، واقترحت آلية جدية للتأسيس المجتمعي لهذا التغيير من خلال صيغة تشاركية لا يقصى فيها أحد. فظهر للنظام أن التيار الوحيد المعاكس لتصوراته المنتقد لخطواته الباقي الصامد- إلى جانب قلة من أهل المروءات- هو تيار العدل والإحسان لا تزيده الضربات إلا قوة وصمودا فوجب عدم التساهل معه ولو على حساب شعاراته وادعاءاته.

حضور وثبات:جسدت الوثيقة وما تلاها من نقاش وردود استمرار العدل والإحسان في صناعة الحدث وصناعة التاريخ، وتأسيس المواقف وبناء الآراء، وتقديم الجديد والقدرة على الخروج عن المألوف دون مزايدة أو مراعاة لمصلحة آنية ذاتية، وكذا جدية متفردة في الأطروحات بعيدا عن الحلول الترقيعية الوهمية، زد إلى هذا كله الحضور القوي للجماعة في نصرة قضايا الشعب خاصة تلك المرتبطة بمعيشه اليومي بعد الارتفاعات المهولة في أسعار المواد الأساسية وتراجع قدرته الشرائية، أو تلك القضايا المرتبطة بإيمانه وتدينه ووعيه بالمصير الواحد للأمة الإسلامية ونعني قضية فلسطين على الخصوص حيث خرجت الجماعة وفي مواقف شجاعة في مسيرات ووقفات شعبية منظمة كان مصيرها القمع إن أبانت عن قوة الجماعة وشعبيتها فقد أبانت عن وحشية النظام وتبعيته حيث جابهها بالمنع والقمع والتدخل العنيف المذكر أحيانا بما يقع للعزل من بني فلسطين في غزة والأراضي المحتلة..

إن ما يقع للجماعة سنة كونية يدخل في إطار الصراع الأبدي الدائم بين الحق والباطل، ذلكم الصراع الذي ينتهي بانتصار الحق وعلو رايته “بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق”.. و”جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا”. ثم بعد إن محنة الجماعة منحة من الله العزيز الحكيم وابتلاء ممحص من الكريم الحليم العظيم سبحانه وتعالى.

ويبقى موقف الجماعة وتفاعلها مع هذه المحن/ المنح موقفا بعيدا عن التسرع والحماسة وإنتاج ردود الأفعال غير المحسوبة إذ الجماعة تمتح من سنة المصطفى الكريم صلى الله عليه وسلم التي تعلمنا أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الشدة، وأن بعد كل عسر يسرا..

إن رفض العنف موقف مبدئي في جهاد الجماعة منذ التأسيس. هو الصخرة التي تتكسر عليها محاولات النظام المتوالية لجرها إلى الخروج عن النهج السلمي الذي ارتضته في التغيير سنة نبوية وضرورة واقعية وحكمة إنسانية من غير ضعف أو لين. وإن حصار المخزن للجماعة عنوان كبير للحيرة والتخبط وضياع الوجهة، بل دليل قاطع على الانهزام والجبن.

نداء صادق:- إلى المخزن:

أيها المخزن الحائر!! اعتبر مما مضى وانقضى، اقرأ تاريخ المتجبرين المتكبرين الظالمين، وتعرف إلى أحوال من فات ومات ممن كانوا يعتقدون أن الشمس لن تسطع إلا على طلعتهم لتتأكد أن الله يمهل ولا يهمل، وأن أخذه أليم شديد.!!

– إلى الفاعلين المجتمعيين:

إلى متى هذا السكوت على الظلم والجرم والفظائع المرتكبة في حق حركة سلمية تنبذ العنف وتدعو بالحسنى؟! إلى متى هذا الصمت المريب وحقوق الناس تنتهك وأعراضهم ترمى؟! تأملوا رحمكم الله -وقد ذاق بعضكم من ويلاته- تاريخ النظام المخزني لتعرفوا أن القمع ديدنه ومنهاجه وسيرته. وأن موقف الفرجة لحسابات سياسية ضيقة آنية لن تغني من الحق شيئا. وأن الله شاهد وأن التاريخ لا ينسى.

– إلى الشعب:

وأنت أيها الشعب المسكين!! ألم يان لك بعد أن تخلع عنك سنوات الخوف لتصنع تاريخك بيدك ولتنضم إلى الصادقين من أبناء هذه الأمة تحمل معهم همك في السعي إلى ما به تنال سعادة الدنيا وبشائر الآخرة؟!! ألا إنما يأكل الذئب من الغنم القاصية، والجماعة رحمة وحكمة.

– إلى هؤلاء وأولئك:

إنما يدفعنا إلى القوة في الخطاب والشدة في الموعظة أن الأمر جد، وأن الخطب جسيم، وأن الحاجة إلى كل يد نظيفة أمر ملح.. ملح.. ملح.

ثم إن القضية هي أعمق وأخطر لا ترتبط فقط بالتدبير المعيشي اليومي للحياة هنا في أرض فانية، إنما القضية مرتبطة بالمصير الأزلي للفرد في استعداده الدائم لملاقاة الله عز وجل.

إنها دعوة صادقة رحيمة شفيقة إلى التوبة “وتوبوا إلى الله جميعا أيها المومنون لعلكم تفلحون”.

نسأل الله لنا ولقومنا الهداية والسداد.