1- مقدمات ممهداتالمقدمة الأولى: يعلم الجميع أنه منذ أن كانت جماعة العدل والإحسان وهي تتعرض للحصار والقمع والاعتقالات والاختطافات ومحاولات الاحتواء والترويض. ولكن مع مرور الأيام تزداد شعبية الجماعة ومعرفة الناس بمشروعها ورجالها ونسائها في الداخل والخارج. ولاشك أن كل من يملك حسا سياسيا يدرك مدى أهمية هذه الحقيقة الساطعة: رغم كل أشكال الحصار والقمع فالمشروع يترسخ ويزحف ليحتل مواقع وينجز مواقف على وضوح تام ومسؤولية كبيرة.

المقدمة الثانية: لقد أصبح معلوما لدى الجميع أن جماعة العدل والإحسان من أحرص التنظيمات على أمن واستقرار وطمأنينة المواطنين رغم ما تعرضت وتتعرض له، ورغم ما عانت وتعانيه، ورغم اللحظات الصعبة التي مرت وتمر عليها، وذلك معلوم حتى لدى أجهزة المخزن ومسؤوليه، بل ربما هم أكثر الناس إيمانا بهذا نظرا لخبرتهم في متابعة الجماعة ورصد حركتها ومفاهيمها وأسلوب تربية أعضائها.

المقدمة الثالثة: لقد أصبح معلوما لدى الجميع أن الجماعة لم ولن تتبنى أسلوب العنف على الإطلاق في إنجاز مشروعها، وأنها دعت وتدعو إلى حوار واضح ومسؤول يتوج بميثاق جامع يكون مدخلا لعلاج أزمة الشعب المغربي في كل أبعادها وينظر إلى مستقبل الحرية بكل ثقة واطمئنان بدلا من اليأس والتيئيس. ولا أحد يزايد على هذه الحقيقة إلا من يريد أن يحجب الشمس بغربال مثقوب.

المقدمة الرابعة: لقد أصبح معلوما لدى الجميع أن الجماعة تجربة مغربية صرفة، وأنها ترفض على الإطلاق، ومهما كانت الظروف والأحوال، أي نوع من أنواع الاستقواء من الخارج، وأنها لم ولن تلجأ إلى أي نوع من العلاقة مع أية دولة أو حركة في الخارج، وأنها منفتحة على كل التجارب دراسة ونقدا واستفادة من خلال مفاهيمها الخاصة وتصوراتها التي ترفض أي نوع من أنواع السرية والغموض. فملاذها شعبها ومشروعها الذي تعرضه على الشعب المغربي وعلى أمة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وعلى الإنسانية المعذبة بفعل حضارة مقطوعة عن الله عنيفة على الإنسان في أبشع صور العنف.

المقدمة الخامسة: لقد أصبح معلوما لدى الجميع أن الجماعة لم ولن تسعى إلى هدم الدولة والسلطة بما هما مكسبان تاريخيان للأمة والإنسانية في صراعها مع الفوضى والعنف والغموض والخوف. وأن موقفها هذا لا يمنعها من قول الحق والعمل على بنائه من طبيعة النظام السياسي الذي يملأ اليوم هاتين المؤسستين الحيويتين والمصيريتين ويحتكرهما، وأنه يجب أن يتحول من نظام الاستبداد والاحتكار إلى نظام الحرية والعدل السياسي والاجتماعي، وأنها واعية بالثمن الذي ستقدمه بسبب موقفها هذا.

إن الجماعة لم تختر الأسلوب السهل، أسلوب الدعوة إلى هدم الدولة والسلطة كليا، حين يكون نظام سياسي احتكر وملأ مؤسسة الدولة والسلطة بنوع من الاستبداد والفساد والإفساد. وهو اختيار جربته الكثير من الحركات الإسلامية وغير الإسلامية ولم يكن إلا خرابا وهرجا ومرجا وعنفا. والعنف يهدم ولا يبني ويفسد ولا يصلح. ولم تختر الأسلوب الأسهل والمريح بالدعوة العمياء إلى الانخراط في كل تفاصيل العملية السياسية حيث تتعقد عملية التغيير لما تصير ماهية الدولة والسلطة هي ماهية النظام السياسي فيقهر الجميع ويسلّم الجميع وينبطح الجميع طال الزمن أم قصر. ولكنها اختارت منهج الصبر والوضوح حتى تقويض كل امتدادات الاستبداد وتبعاته من كل أنواع الفساد. ولا شك أن ذلك يطلب نفسا طويلا وزمنا غير يسير. وقد أثبتت الأيام أن هذا المنهج المتكامل يؤتي أكله وثمراته بإذن ربه، كما أصبح واضحا للجميع جدواه وفعاليته.

كل هذا، وغيره، لأن جماعة العدل والإحسان جماعة دعوة إلى الله على المنهاج النبوي، وبالمناسبة فإني أدعو كل الباحثين والمهتمين بالعمل الإسلامي إلى دراسته ومدارسته مع أهل العدل والإحسان فلعلهم يكتشفون سر الجماعة وجوهر وجودها.

2- السؤال الكبير!!إذا كانت هذه هي حقيقة الجماعة، فلماذا يصر المخزن والنخبة المتحالفة معه على التمادي في قمعها وحصارها ومحاولة القضاء عليها وقد أكدت الأحكام الصادرة عن محاكم المملكة قانونيتها وشرعيتها وأن الجماعة تعمل وفق القوانين الجاري بها العمل على علاّتها وتحفظاتها على الكثير منها؟

إنه سؤال محير للرأي العام ولاشك، خاصة وأن الحملة الأخيرة المؤطرة بما عرف في الإعلام بمذكرة وزارة الداخلية إلى الولاة لمتابعة الجماعة ورصد نشاطاتها وحركات أعضائها، جاءت والجماعة، فقط وفقط، نظمت ودعت إلى تنظيم وقفات قصيرة وسلمية تضامنا مع ضحايا الغطرسة الصهيونية في الأرض الفلسطينية.

فلم تدع إلى تحريك الشارع المغربي احتجاجا على الزيادات الصاروخية، ولم تدع إلى مظاهرات لإسقاط النظام أو الضغط عليه؛ فهي نظمت قواعدها ودعت الشعب المغربي إلى التضامن مع غزة الجريحة وفلسطين السليبة وكفى، ليفاجأ الجميع بردة فعل المخزن تراوحت بين الاختطافات والاعتقالات وإنجاز محاضر متابعات وتوظيف ضربات الهراوات. فلماذا كل هذا العنف ضد تنظيم سلمي، ولماذا هذا العنف ضد أكبر تنظيم سياسي يشكل أهم عنصر استقرار للوطن في الوقت الذي يراد أن تسود الفوضى الهدامة من خلال الفوضى الخلاقة، وفي الوقت الذي وصل جرح الشعب المغربي مداه؟

سؤال كبير بالإجابة جدير.

3- الجواب الكبير!!بما أن الأمر بهذه الدرجة من الخطورة تجاه قضية حقوق الإنسان في المغرب، وبما أن الأمر يرتبط بقضية ضمان أمن الوطن واستقراره حيث تستهدف أكبر قوة سياسية ومجتمعية ساهرة على أمن الوطن والمواطنين واستقرارهم وطمأنينتهم، وساهرة على أن لا يتسرب إلى المجتمع أي من قيم العنف وأفكاره لتعارضها مع كرامة الإنسان وحقيقة الدعوة إلى الله تعالى، وبما أن الدولة/السلطة/النظام هي أداة هذا القمع الشامل على هذا التنظيم الجامع لشرائح هامة من المجتمع المغربي ولا تهمّه إلا قضايا الحق والعدل والحرية سواء بالنسبة للشعب المغربي والأمة المحمدية أو الإنسانية، فإن الأمر يتعلق بقضية بالغة الأهمية والخطورة في تاريخ المغرب السياسي المعاصر..

وأمام هذا الصمت المروع لجل منابر الإعلام، ولجل مكونات النخبة، وعجز الباحثين عن قول الحق الذي قد ينطقون به في صالونات البحث الفكري والجدل الأكاديمي، فإن الشعب المغربي أمام ضرورة محاكمة علنية للضمير والقانون.

لكن، بما أن هذه المحاكمة العلنية مستحيلة، فأستسمح القراء الكرام في وضع سيناريو محاكمة افتراضية للجواب عن السؤال الكبير. نعم هي محاكمة افتراضية، لكنها تاريخية. وقد لجأت لهذا الأسلوب في الكتابة لما وجدت المقال التحليلي الذي عودت به قرائي الكرام عاجزا كل العجز عن إيصال الحقيقة.