لقد أولى الإسلام العلم أهمية، فهو دين علم وفقه وتقوى، بل إن السعي لتعلم شرائعه وأخلاقه وقيمه والإحاطة بتاريخ رجالاته والأمثلة التي ضربوها للعالمين في البطولة والعدل والحلم والتقوى والزهد والصلاح وبذل الغالي والنفيس في طلب العلم وخدمة أهله، لأشرف من أي عمل يسعى إنسان عاقل فيه. ذلك أن الدعوة المحمدية الغراء اتصلت اتصالا وثيقا بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حرص الدعوة الإسلامية على حث أتباعها على العلم أعظم من حرصها على غيره. وقد كان أول ما أنزل العليم الخبير على معلم البشرية: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فكانت الدعوة من الحق جل وعلا إلى القراءة والعلم أول التنزيل، فأخرج الله العباد من الضلال المبين: هو الذي بعث في الأمين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين. وقد سمى الحق سبحانه التوجه لطلب العلم بالنفير كنفير المجاهدين للقتال فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون، وهذا شرف عظيم لطلاب العلم وتسمية طلب العلم بالنفير هو باعتبار الجهد الذي يبذله طالب العلم وباعتبار الغاية التي يسعى إليها ويصمد في وجه الصّوادّ لبلوغها وهي إعلاء كلمة الله وإعزاز أمة رسول الله والجهاد في سبيل الله بالحجة والبيان والبرهان. وقد ربى رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه على حب العلم. وقد أورد الإمام البخاري رضي الله عنه في كتاب العلم، باب التناوب في العلم: عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد -أي ناحية بني أمية- وهي من عوالي المدينة نتناوب النزول على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينزل يوما وأنزل يوما فإذا نزلت جئته بخبر ذلك اليوم من الوحي وغيره وإذا نزل فعل مثل ذلك).

وما أتينا على ذكره من فضل العلم وأهميته في الدعوة المحمدية الغراء نزر قليل وإلا فسيرة رسول الله شاهدة شهادة عملية على ذلك، بل إن سير وتراجم العلماء الأفذاذ وسلوك عموم المسلمين الأوائل في إكرام أهل العلم وتكفلهم بالطلبة وغشيانهم أندية ومجالس العلماء لآيات تبهر الناظر والدارس للشهادات التاريخية التي أثلها أجيال هذه الأمة في حب العلم وأهله.

إلا أن ما يرى في زمننا من فتور الهمم وتقاعس الإرادات في طلب العلم لشيء عجب تشيب من هوله الولدان. لقد أصبح العلم غريبا في أهله، وأصبحت أمة “اقرأ” لا تقرأ وأصبحت السفاسف ملهى عقول شباب الأمة، بعدما كان لنا العلم مفخرة نسارع ونبذل من أجله المهج وتتعب في سبيل تحصيله الأجساد. وكان الوعي ألا عمل صالح يرجى بدون علم. أما الحال اليوم فعقول خادمة للأجساد، فلا يفكر من فكر إلا في الأكل والنوم واللباس وإشباع الشهوة وغشيان مجالس قرناء السوء وقتل الأوقات بالضحك وغيرها من المظاهر المتعلقة بالأجساد الفانية. مما أنسى أجيالنا تزكية القلوب وتحصيل العلوم وحشد همم العقول لنيل المطالب السنية والأهداف السامية، وقد ساعد على ذلك ما اقترفته أيدي الدعاة على أبواب جهنم من دعاة الرذيلة وسدنة الجبرية التي تخاف من تعلم شباب الأمة. فضيّقت سبل نشر العلم، وإن سمحت بهامش ما في ذلك فلا تسمح إلا بما يتوافق وإديولوجية الجبرية في تهميش ميراث النبوة وهجر القرءان، فضلا عن انفصام العلم عن العمل في “فقه الجبرية”، في حين أن الدعوة المحمدية هي دعوة العلم والعمل الصالح إذ العلم إمام والعمل تابعه.

إن الأمة الإسلامية في استشرافها للمستقبل الموعود مستقبل الخلافة على منهاج النبوة إما أن تكون بالعلم أو لا تكون. إن العلم والعمل الصالح باب الوصول إلى الحق، وسبيل عودة الأمة إلى صدارة الأمم لنشر العدل والأخلاق والقيم الفاضلة والدعوة إلى التوحيد عوض ترك الإنسانية تتعذب تحت سياط المترفين والجهال الذين يقودون العالم إلى الهلاك، فهل يختار شبابنا طريق الرشد في ظروف السفاهة وهو طريق العلم والعمل الصالح؟ أم هل يستجيب شبابنا للنزوات العابرة والغرائز المتوقدة فيطول بذلك عمر التفاهة؟ وهل يستجيب شبابنا لداعي الحق أو لداعي الفجور الذي يدعوه للرقص على جراحاته في مهرجانات وكرنفالات الغفلة والأوهام، أم سيجيبها بجواب الكبار:

سهري لتنقيح العلوم ألذ *** من وصل غانية وطيب عناق
وتمايلي طربا لحل عويصة *** أشهى وأحلى من مدامة ساق
وصرير أقلامي على أوراقها *** أحلى من الدوكاه والعشاق
وألذ من نقر الفتاة لدف *** نقري لألقي الرمل عن أوراقي
أأبيت سهران الدجى وتبيته *** نوما وتبغي بعد ذلك لحاقي
إن العلم متى التمست سبله كان منجاة من المهالك. إذا أدى لمعرفة الحق وخدمة دين الله ودعوته فتحت له أبواب لا تفتح لغيره. والبكاء كل البكاء على خساسة الهمم وتقاعس الإرادات على طلب العلم وعمل الصالحات.