الفصل الثاني: في تصور التغيير

مقاصد التغيير- الشورى

   نشأت الشورى في أحضان جماعة المؤمنين بالله واليوم الآخر. وعز بها المومنون وبإيمانهم. نشأت في قوم يومنون بالله، ويعملون الصالحات، ويجاهدون في سبيل الله والمستضعفين. فالشورى والإيمان ومجتمع الإيمان كل لا يتجزأ.

   على حين نشأت الديمقراطية، في مساق محاربة الدين والاستبداد. حيث أصبح الدين عند الغرب يعني الاستبداد وممالأة الظلم والظالمين.

   نشأت الشورى في سياق الدين ونصرة الدين. ونشأت الديمقراطية في مساق حرب الدين، والشك في الدين، والكفر بالدين، والإلحاد في الدين.

   هذا الإلحاد الذي نشأ سياسيا بفصل الدين عن الدولة, ثم تطور فأصبح فلسفيا مع كونت, ثم استفحل وبزل فأمسى علميا مع ماركس ودارون.

   مساق الديمقراطية لاييكي، وسياق الشورى إيماني. مساق الديمقراطية عقلاني منكر للغيب، وسياق الشورى إيمان بالله واليوم الآخر.

فهل نستورد ديمقراطية هذا مساقها، أم نبني على الشورى ذاك سياقها؟

   فالديمقراطية على هذا، وعلى ما هي عليه، لا تواتي جماعة الإيمان والقرآن، وأمة الإسلام. العاملون في الشورى، يربطهم رابط الإيمان. والعاملون في الديمقراطية، يربطهم رابط المصلحة الأرضية.

   الشورى في شكلها اجتهاد يفيد من الحكمة الديمقراطية. فأي شكل كان أجدى كان أحق أن يعمل به.

   أما مقوماتها فهي ثلاثة:

   (الأول) جماعة المسلمين. هي الفاعل السياسي. يربط أعضاءها رابط الإيمان بالله واليوم الآخر. يربطهم رابط الدين، والعمل من أجل الدين الذي يجمع المصلحة الدنيوية والمصلحة الأخروية، ويجعل هذه غاية لتلك. على حين يربط بين أهل العصبية رابطة الدم والعرق، وبين أفراد المجتمع المدني مصلحة قومية وحزبية. دنيا بلا آخرة.

   (الثاني) دولة القرآن وشريعة الإسلام. هو الدستور وهو القانون المحكم. فكل ما خرج عن القرآن وعن العمل بشريعته، فهو خراب للدين، وعمل بغير مقتضى رعاية الدين وسياسة الدنيا.

   دستور هو الرباني السيد في الشورى. وهو التابع المسود في الملك العضوض العامل بغير مقتضى رعاية الدين. وهو المبعد في الملك الجبري؛ فحكمه أرضي لا يعرف إلا سياسة الدنيا، يرقع دنيا بترك دين، فلا دينا أبقى ولا ما يرقع.

   ففي نظام الشورى يكون الحكم وفق قوانين مستمدة من القرآن، ومن السنة المبينة للقرآن. يكون الاجتهاد في صياغتها، لأهل الاجتهاد من أهل العلم والتقوى والدين.

   (الثالث) سيادة الأمة لا سيادة الفرد المستبد كما هو الشأن في الملك العضوض. اختيارها لمن يحكمها أساس في نظام الإسلام. بدونه لا يكون انعقاده صحيحا. فشرط انعقاد الخلافة هو بيعة الأمة عن طواعية واختيار. لها حق اختيار الحاكم. ولها حق عزله، إن ظهر منه كفر بواح، أو فسق ظاهر.

   سيادة تقتضي حرية مدنية على شرط الشريعة, وأخرى سياسية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتتعاون على البر والتقوى. لا شأن للحرية في دين الاستبداد، ولا شأن للشريعة في دين الديمقراطية فالحرية دهرية مبنية على المسلمة الدوابية.

   كذلك تقتضي مساواة هي الموؤودة في الملك؛ انفراد بالمجد من دون الناس؛ عصبية. وهي الكريمة في دار الشورى تكرم بني آدم جميعا. وهي المحاصرة في قمقم الديمقراطية القومية العنصرية التي يسود فيها الرجل الأبيض.

   وكذلك تقتضي عدلا ما أكثر ما كان الملك له خصما. والعدل صنو الشورى وشريكها في أمرها؛ كي ينشرا السلام والأمن والرخاء في العالمين. وهو المحاصر في حيز القومية والدولة الوطنية.

   وأعز ما تقتضي، الإحسان الذي لا شريك للشورى فيه، عبادة وبرا وخلقا إيمانيا وعملا صالحا يراد به وجه الله.

   وهكذا نظام الشورى قائما على مبدأ الدين تحكم فيه جماعة المسلمين. وتسود فيه الأمة؛ فتختار عن طواعية واختيار خليفتها القوي في العدل والأمين في الإحسان. وتطبق فيه الشريعة الإسلامية؛ شريعة الشورى والعدل والإحسان.

   ثلاث مقومات لنظام الشورى. الأساس فيها هو وجود جماعة المسلمين؛ تربط بين أفرادهما رابطة الإيمان والدين والمروءة. ولما وقع التحول في هذا النظام، في تاريخ المسلمين، إنما وقع بدءا من نقض هذا المقوم الأساس وهو: جماعة المسلمين. كيف جمعها من شتات؟