أصبحنا، نحن المغاربة، متعودين على نشر أخبار بين الفينة والأخرى من قبل الأجهزة الأمنية بمختلف ألوانها عن تفكيك خلايا إرهابية، وبالتالي فهذا أمر لا يثير الاستغراب وغالبا ما يمر عليه الناس مرور الكرام ولا يثير عندهم كثير كلام أو تساؤلات لأن استهداف المغرب صار الكل يعلمه لأسباب عديدة ليس هنا مكان شرحها بل يكفي التذكير بواحدة منها وهي انخراط المغرب في الحرب التي أعلنتها الولايات المتحدة الأمريكية على الإرهاب. وحتى السلطات تتعامل مع هذا النوع من الأخبار، أي تفكيك الخلايا الإرهابية، بمنطق الإنجازات والفتوحات الأمنية واليقظة التي يتحلى بها جهاز الأمن في بلدنا، بينما تستغل هذه الأخبار جهات أخرى للتهويل من الخطر الإرهابي الذي يتربص بأمن البلاد والعباد داعية في أحيان كثيرة إلى وضع كل الإسلاميين في سلة واحدة وحرمانهم من حقوقهم الطبيعية بمبرر أن ” لا ديمقراطية إلا للديمقراطيين”. ورغم عشرات الخلايا التي فككت والانفجارات التي حدثت لم تتمكن بلادنا، وأقصد المسؤولين خاصة، من فتح حوار وطني حول هذه الظاهرة المتنامية بمشاركة كل المعنيين بالأمر من علماء ومفكرين وساسة وإعلاميين لأن أمن البلاد أكبر من أن يوكل إلى أجهزة الأمن وحدها، وعوض البحث عن أسباب الظاهرة والعمل على معالجتها بمقاربة وقائية، وبما تقتضيه من احترام لحقوق الإنسان نرى طغيان المقاربة الأمنية بمعناها البوليسي الصرف، وانشغالا بالمظاهر عن الأسباب، وتغييبا لتحديد المسؤوليات فيما آلت إليه الأمور وخاصة الجهة التي ساهمت في نشر الفكر الوهابي في المغرب والترويج له وأسباب ذلك.

   لكنني تلقيت هذه المرة، كغيري من المغاربة، بصدمة شديدة خبر توقيف ساسة معروفين، لدى الخاص والعام في الداخل والخارج، بمواقفهم الرافضة للعنف بكل أشكاله. أناس راجعوا الكثير من قناعاتهم منذ سنوات طويلة ويشهد بهذا كل من عاشرهم عن قرب طيلة هذه السنين؛ كما تتبعت باستغراب أكبر تصريحات وزير الداخلية في ندوته الصحفية، وكذا تغطية وسائل الإعلام الرسمية للحدث (2m – rtm – map) وكل هذا يجعلنا نستنتج خلاصات ستبقى مفتوحة على الزمن ليؤكدها أو ينفيها حتى تقع القطيعة مع زمن التعليمات والتوجيهات لفائدة احترام القانون وذكاء المواطنين:

   1- هناك سوء توظيف للإعلام الرسمي الذي لم تعد مهمته الإخبار وعرض كل الآراء الموجودة في المجتمع ليقرر الناس في الأمر، ولكنه إعلام في خدمة السلطة وهدفه الترويج لرأيها. ولذلك فالكل مفاجأ من غياب الرأي الآخر وكأن هناك خوف من عرضه أمام الرأي العام لأن المعنيين بالأمر يعرفون أن الرواية الرسمية مليئة بالغموض والبياضات والتناقضات. ما وقع في هذا الملف يؤشر مرة أخرى على مأساة اسمها الإعلام العمومي الذي يمول من جيوب المواطنين دون أن يؤدي وظيفته الحقيقية.

   2- هناك خرق لسرية البحث التمهيدي ونشر لمعلومات المفروض أن تبقى حبيسة مكاتب التحقيق، وللأسف فهذا الخرق تم من الحكومة التي يجب أن تكون أحرص من غيرها على احترام مقتضيات القانون وترسيخ سيادته. وهنا لا يسعنا إلا التوجه بالشكر لهيأة الدفاع التي احترمت هذا المبدأ ورفضت الإفصاح عن معلومات رغم زيارتها للمعتقلين.

   3- هناك خرق لقاعدة “المتهم بريء إلى أن تثبت إدانته” وهذا أمر ينبغي الإشارة إلى مخاطره على المعنيين بالأمر وذويهم ومصالحهم، والسلطات بهذا الشأن تخرق مبادئ القانون عن قصد وتعمد لأن تصريحات المسؤولين بتجريم المعتقلين تواترت أكثر من مرة ومن أكثر من مسؤول دون الانتباه إلى تحذيرات الحقوقيين ووسائل الإعلام والمحامين.

   4- هناك تأثير غير مباشر على القضاء الذي نعرف حالته في المغرب، ولذلك سيكون من الصعب أن يتخلص من هذه الرواية الرسمية. وإلا فلنتصور مصداقية هؤلاء المسؤولين إن برأ القضاء المعتقلين؟!

   5- هناك تناقض كبير في رواية السلطة لأنها تنم عن جهل عميق بموضوع الحركة الإسلامية، وهذا ما يستنتجه أبسط متتبع لموضوع الإسلاميين فكيف يعقل أن ينتمي شخص لتنظيمات بينها تناقضات في الرؤية والبرنامج والأهداف والوسائل. ما الذي يجمع بين الإخوان المسلمين وحزب التحرير والطلائع والقاعدة وحزب الله والشبيبة الإسلامية…؟

   6- هناك تسرع في حل حزب البديل الحضاري مع العلم أنه لا يوجد رهن الاعتقال إلا عضوين منه فما ذنب آلاف الأعضاء الباقين؟ ولماذا لا ينتظر قرار الحل حتى ينطق القضاء بحكمه؟ ولماذا لا يعمم الأمر على غيره من الأحزاب مثل الحزب الاشتراكي الموحد والعدالة والتنمية إذا كان المبدأ هو حل كل حزب اشتبه في واحد من أعضائه؟ هذا مع العلم أن هذا المسار يشجع على تبني خيار العمل السري وفي هذا خطر حقيقي على البلاد نحمد الله أن الحركات الإسلامية في المغرب بعيدة عنه لأنها اختارت كلها رفض العنف والعمل من خلال القانون على علاته.

   7- إن كل ما تم التصريح به رسميا لا يعدو أن يكون ماضيا لهؤلاء المتابعين وهم راجعوا أنفسهم وتراجعوا عن هذه القناعات، وأعتقد أنه لو فتحنا المتابعات حول ماضي العديد من الساسة وحتى المسؤولين لزج بالعديد منهم في السجون. وهذا أمر لا يخدم البلاد في أي شيء.

   إن ما سبق يدعو إلى التخوف من هذا المسار الذي ينحوه ملف المتابعات الأمنية تحت ذريعة محاربة الإرهاب وخاصة حين يستند إلى قانون عبر كل المجتمع المغربي عن رفضه له ويعلم الجميع الظروف التي صودق عليه فيها. كما نخشى أن يتخذ هذا الملف ذريعة للتراجع عن العديد من المكتسبات التي تحققت بفضل كفاح المغاربة لتوسيع هامش الحرية، وما نشهده من تضييق على الإعلام والحق في الوصول إلى الخبر ومصادره، وعودة الاختطافات والتعذيب ومتابعات الرأي، يعطي مشروعية لهذا التخوف.

   لن نستبق الحكم وسننتظر ما تبديه الأيام القادمة لعل ضمير البعض يستيقظ، وحسه الوطني يتحرك فيفكر بما يخدم مصلحة البلاد وليس مصالحه، ويعلم بأن الاختلاف فضيلة وأن قوة البلاد في تنوعها واختلاف الفاعلين من أجلها، والذي يخاف من الاختلاف هو فاقد الحجة وعدم المقتنع بما يدعو إليه.

   ولكن لا نختم دون أن نهمس في أذن بعض المسؤولين بأن الذي يهدد أمن البلاد حقيقة، إضافة إلى الإرهاب، هو الانحراف في ممارسة السلطة والفوارق الطبقية والتهميش والإقصاء. بكلمة واحدة: الاستبداد.