2- إضراب 13 فبراير 2008 بين الرهانات و الادعاءاتعندما كان الخطاب المعارض المتواتر بين الناس يرتكز على أساس رفض الاستبداد السياسي للمخزن، والاستغلال الاقتصادي، والحيف الاجتماعي. أو على الأقل هذا ما أقنعت به المعارضة المغاربة زمانا، حتى أصبحت مصداقية الحزب أو النقابة أو الشخص تقاس بمدى ابتعاده عن المخزن. عندها، كان العمل النقابي له مصداقيته. فكانت الاستجابة إلى الفعل النقابي من باب الالتزام والثقة المتبادلين، لدرجة أن عدم المشاركة في الإضراب مثلا كانت تلصق بصاحبها تهمة الخيانة لمظلومية الجماهير. كما أن زملاءه يعزلونه في محيط العمل. كيف لا، وخطاب ومواقف وصدق رجال المقاومة وجيش التحرير لا زالت إذ ذاك راسخة تتناقل في سلوك المغاربة وعاداتهم.

فإعلان الإضراب كان يحدث استنفارا لدى أجهزة الدولة، لرصد حركة المناضلين، بل وكم من مرة تم اعتقالهم قبل أو ليلة أو يوم الإضراب. وكانت ردود فعل القواعد تجعل من هذا الاعتقال/الاختطاف معركة أخرى. وهكذا، فمن جهة كان للإضراب ثمن يؤديه المناضل، ومن جهة أخرى يكسبه وسام تقدير الجماهير.

أما بعد انتكاسة التوافق والتراضي، فإن المعارضة عرفت تطبيعا مع المخزن، بدون شروط من جهتها لصالح الجماهير الشعبية: تقلص من سلطاته المباشرة وغير المباشرة، وتفك رقاب الناس من وطأة المستغلين، وترفع الحيف عن المستضعفين. هذا بالرغم من أن الفرصة كانت سانحة لطرح هذه الشروط كحد أدنى. فأثناء الحوار الذي اعتبره بعضهم أنه فرض على الحكومة وأرباب العمل بعد إضراب 5 يونيو 1996 لوحظ أن “الوفد النقابي لم يضغط بما فيه الكفاية لانتزاع مطالب أوسع لصالح الطبقة العاملة المغربية مقارنة مع ما قدمته من تضحيات ونضالات.” (يحيى بوقنطار، تطور الحركة النقابية بالمغرب، ص120، سنة2001).

والأدهى والأمر، فقد أصبح خطاب المعارضة التوافقية ينهل من قاموس المخزن والأحزاب الإدارية، على لسان معارضة الثمانينيات، ويبشر بالانتقال الديمقراطي وبالإصلاحات والورشات الكبرى. كما أن المعارضة التوافقية أصبحت عبر إعلامها وقواعدها أداة قمع لكل منتقد أو مشكك في مصداقية التغيير! وجمدت كل نضال ذي طبيعة اجتماعية بدعوى الحوار الذي لا ينتهي! هذا إذا استثنينا بعض الإضرابات “الحضارية” كإضراب 96 ومن تم كل الإضرابات أصبحت “حضارية”!.

هذا التحول الانقلابي على الذات الذي أنتج خطابا وممارسة وولاء، جر على المعارضة، بعد انكشاف الحقيقة غضب الجماهير التي كالت لها الشتائم والتهم من نفس قاموس معارضة الثمانينيات. بل وهجرتها، وأخطر ما هجرت العمل النقابي قبل أن ينفجر بين يدي أصحابه أنفسهم بعدما تناقضت المصالح الشخصية في بعد تام عن مصالح الجماهير (نموذج ك.د.ش بالخصوص وإ.ع.ش.م).

فكيف تتفاعل الجماهير اليوم مع إعلان بعض المركزيات دون غيرها، لإضراب في صفوف الوظيفة العمومية بعد سبات وافتراق طالا سنوات؟ بل وبعد أن ابتكرت الجماهير لنفسها أساليبها الخاصة للاحتجاج. فأي معنى، وأية دلالة بقيت لمفهوم نجاح أو فشل الإضراب خصوصا بعد اتساع الهوة، واختلاف سرعة السير بين المركزيات النقابية والجماهير؟

2-1- نجاح أم فشل: أحقية السؤال

لم يعد السؤال هو نجاح أم فشل الإضراب ما دامت انتخابات 7 شتنبر2007 أبانت عن عدم اكتراث الشعب المغربي بالكثير من مؤسسات المجتمع”المتدني”. وما دامت الجماهير لم تعد تنتظر من النقابات أن تقرر إضرابا لتخرج إلى الشارع. إضراب النقابات مجتمعة إذا، لم يعد اليوم حدثا عند الجماهير، لا شكلا ولا مضمونا ولا تنفيذا ولا تأثيرا. اللهم إذا اعتبرته النقابات شهادة تسجيل حضورها، والبحث عن “أصل تواريخ” (بلغة الفيزيائيين) للخطب النقابية.

وبالتالي ليس السؤال أيضا هو من معه الحق أو قل الصواب: أهو من دعا إلى إضراب 13 فبراير، أو من امتنع، من شارك أو من لم يشارك سواء من النقابات أو من الموظفين. ذلك مادامت الإضرابات “الحضارية” ، ميعت الأجواء من جهتها، حين اتسمت بطابع الفرجة والهزل قبل أن تغيب وسط دخان الأزمة الخانق/ة. ثم عندما توافد على” السوق النقابية” عارضون جدد لبضاعات إضرابية بأقل ثمن ومروج لها بيافطات كتب عليها” خاص جدا”. من هنا تم التطبيع مع أجواء، أصبحت فيها المشاركة في الإضراب وعدمها سواء؟

هذا وبحكم أن كل المركزيات النقابية ملتزمة بقواعد سياسة السلم الاجتماعي، التي لا يعلم أسرارها وخباياها إلا الزعماء، فإن الجماهير واعية بأن توزيع الأدوار يقتضي أن لا يقوم الكل للكل، وإنما لكل مرحلة حكومية دعاة الإضرابات “الحضارية” ومن لا يرون داع. المهم حصول التوازن المؤسساتي والشتات في الرأي العام.

2-2- دعوى الضغط

يعتمد العمل النقابي -في معظم الأقطار- أسلوب الضغط من أجل ترجيح كفته. والضغط النقابي أنواع، تبتدئ بالبيان الإخباري التنديدي مرورا بالتهديد بالإضراب فالإضراب الإنذاري، وقد تصل إلى الإضراب العام والنزول إلى الشارع وهو نوع من العصيان المدني. ومن هنا يتضح كم هي طويلة وقوية يد العمل النقابي فيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية للبلاد، متى ما راهنت النقابة على الانحياز للجماهير.

ومن هذا المنطلق نجد أن الأنظمة التي تحمي الاستغلال، تعمل جاهدة على فك ذلك الارتباط بشتى الوسائل. في حين تعمد الأنظمة التي تشجع على البناء إلى الاستفادة من هذه القوة العارمة عضليا وعقليا وعاطفيا في علاقة تشاركية واضحة المعالم، مبنية على دعامات قابلة للتصحيح والتطوير الدائمين تبعا لقيم الاحترام المتبادل والإنصات والتواصل والفعالية. وكل هذا يفتل في حبل المشروع المجتمعي المتوافق عليه، في أفق بناء الدولة القوية بمؤسساتها، والمجتمع القوي بتماسكه.

بلدنا المغرب، عرف احتجاجات اجتماعية في جل مدنه وقراه منذ سنة 2005 إلى الآن، ولازالت التقارير الدولية الصادرة في 2007 وبداية 2008 تنذر بمزيد من التوترات الاجتماعية. فهذه وحدها مؤشرات كافية للحكم على حيف النظام الاجتماعي بالمغرب، وبالتالي تكذيب كل النقابات التي ادعت دخولها في شراكات مع الدولة واعتبرت نفسها قوة اقتراحية، في وقت لم يتوفر الشرط صفر لدعاواها. فهذه الحركة الاجتماعية الاحتجاجية “كشفت محدودية وضعف ارتباط الحركة الديمقراطية بجماهير الفئات الكادحة والمحرومة” (جريدة اليسار الموحد، العدد 143، 29 يونيو 2006). وبالواضح عرفت غيابا تاما للمركزيات النقابية التي لم “تقترح” شيئا ولم توجه اللوم لشركائها المزعومين، اللهم مشاركة بعض منها في عدد محدود من تنسيقيات محاربة الغلاء، وهي مشاركة سياسية أكثر منها نقابية. إذ الموقع الطبيعي للمركزيات النقابية يخول لها أن تدعو وتقود الاحتجاجات، تاركة للصف السياسي والحقوقي موقف الدعم والتأييد، وذلك في أفق حوار من موقع قوة، يستجيب لمطالب المحرومين. إلا أنها لم تفعل!

هذا السلوك يجعلنا نطرح سؤالا عريضا عن الجدوى من إضراب 13 فبراير2008 للوظيفة العمومية في تخل واضح عن القطاع الخاص والجماهير المحرومة.

إضراب سمي إنذاريا، والمقصود أن الإضراب جاء في سياق الضغط على الحكومة التي تجري حوارا مع النقابات حتى تستجيب لملفها المطلبي. لكن ألا يحق لنا أن نتساءل، أين كانت المركزيات النقابية عندما كانت عامة الجماهير المجوعة تضغط وبصدق؟ ألم تكن الفرصة سانحة للمكزيات كي تفعل ميزان قوى جاءها هدية من شعب يفقر؟ أم أن زعماءها لم يعودوا يحسنوا استثمار الفرص المتاحة قبل الممكنة؟ لا نقول ليكسروا ويخربوا ولكن ليكونوا خير مؤطر وخير مبلغ لرسالة البطون الجائعة والجيوب الفارغة، ينحازون إلى الشعب، ويتقوون بالشعب لصالح البلد والشعب. أم أنها “مراعاة الوضع الوطني الداخلي، وتقدير المرحلة…” كما أصبح متداولا على ألسن الكثير من الزعماء!

2-3- الانعكاسات السلبية على القطاع العمومي:أية خدمة؟

يعتبر الإضراب آخر وسيلة تلجأ إليها النقابات بعد استنفاذ كل من التنبيه والتحذير والإنذار، بمعنى الإعلام بالأمر والتخويف منه قبل وقوعه، ولقد أعذر من أنذر كما تقول العرب، بمعنى رفع اللوم عن نفسه وحمله لغيره، وهنا الدولة أو المشغلين.

وقد يأتي الإضراب بعد فشل حوار انطلق بين الفرقاء الاجتماعيين فاتضح لممثلي العمال أن لا فائدة في ضرب الحديد البارد. تتخذ كل هذه الاحتياطات لما للإضراب من انعكاسات سلبية على مؤسسات الشغل، عمومية كانت أم خاصة.

إضراب 13 فبراير2008 خاص بالوظيفة العمومية والجماعات المحلية لمدة يوم واحد، اعتقدت بعض المنابر أنه سيشل الوظيفة العمومية كرسالة إلى من يهمهم الأمر. فماذا بعد؟

ألم تضرب -ولا تزال- فئة أساتذة التعليم الإعدادي ما مجموعه يتعدى الشهر منذ سنة 2005؟ ألم يضرب أساتذة التعليم العالي، حملة الدكتوراه الفرنسية، أياما وأسابيع-ولا يزالون-؟ الجماعات المحلية-ولا تزال-، أساتذة التعليم الابتدائي -ولا يزالون-، المهندسون، التقنيون، المتصرفون، وهلم جرا. وللتذكير فكل هذا تم في إطار تنسيقيات وطنية فئوية خارجة عن سلطة المركزيات النقابية.

ألم تحدث هذه الإضرابات خسارات في حاضر المؤسسات العمومية ومستقبلها خصوصا بعد تكرارها وطول مدتها؟ لكن وهل يخاف على ضياع أبناء المغرب، ويحسب دقائق الإضراب أياما تضيع من عمر بلدنا إلا من كان أبناؤه مع أبناء الشعب في قلب المدرسة العمومية. أيهم يخاف على ضياع وقت المغاربة وليس في القانون ولا في شرائع النخبة ما يحاسب على عدم تحمل المسئولية، ولا على النتائج السلبية. أيهم يحرص على دعم القطاع العمومي وقد أصبح “عبئا” على الدولة. بل لقد أصبحت مؤسساته قابلة إلى التفويت في أعين أولائك الذين لهم سلطة الإمضاء على بيع مؤسسات الشعب،حتى إن لم يصبها الكساد المقعد بسياساتهم المنمطة المتوارثة، كسدت!.

ألم يتم ضرب التعليم في عمقه، وخصوصا التعليم الإعدادي بمؤامرة صمت اشتركت فيها الحكومات الأخيرة والنقابات التعليمية، خصوصا حينما لم يحركوا ساكنا من أجل إنصاف تلك الفئة التي عزم مسيرو لجنتها الوطنية آنذاك، على توالي إضرابات يومي الخميس والجمعة وما عليهما يضاف، فقيل -بلسان الحال- اضربوا فإننا من هذا الأمر لا نخاف!

حينها، من شعر من الآباء بخطر المؤامرة وساعدته ظروفه المادية، فر بأبنائه إلى القطاع الخاص على علاته. فتأكدت الصفقة للقطاع الخاص على حساب المدرسة العمومية! وإلا فإن الباقين “استنجحوا” دون أن تكتمل أهداف المرحلة الإعدادية. وهاهم اليوم في الثانوي يجترون خيبة الأمل، اللهم الانتقال تبعا لما تمليه “لالة” الخارطة المدرسية، مرددين مع الحطيئة: هذا ما جناه علي أبي/نظامنا التعليمي.

3- تراجع المؤشرات التاريخية أم فقدان لمعناها؟ 3-1 – استنفار مؤسسات الدولة

تأثير الإضراب على جدول أعمال وزارة بعينها أو حكومة بأمنها، من الأمور التي يمكن أن تضع هذه المؤسسات كلا أو جزءا في تأهب تام تحسبا لكل الاحتمالات، على اعتبار أن ما تلوح به النقابات جد.

نعم، كان لها هذا منذ السبعينيات -إذا اقتصرنا على فترة تبني خيار النضال الديمقراطي- إلى بداية التسعينيات. وذلك قبل مؤامرة التوافق والتراضي التي غرد لها سرب السياسيين والنقابيين وكأنه انتصار. إلا أنها لم تلبث أن أصبحت عبئا عليهم. فلم يعد لخطابهم -الدعوة إلى المشاركة- تأثير في الشعب حيث بلغ التباعد بينهما أقصاه في انتخابات 7 شتنبر2007، حين قال الشعب للعبة السياسية المغربية: هذا فراق بيني وبينك!

وأما المركزيات النقابية، خصوصا تلك التي وقعت على التصريح المشترك لفاتح غشت 1996 الذي توج الحوار الاجتماعي، برئاسة وزير الدولة في الداخلية إدريس البصري عوض الوزير

الأول ذي الصفة السياسية!. اعتبره بعض الباحثين “تنازلا من جانب النقابات، إذ بقبولها التحاور مع هذا المسئول تكون قد وافقت على هيمنة وزارته” (يحيى بوقنطار، تطور الحركة النقابية بالمغرب، ص120، سنة2001). مما جعل هذا التصريح يعتبر خطوة لشراكة مغشوشة وضعت العمل النقابي على سكة التوافق والتراضي فالسلم الاجتماعي الضمني، قبل أن يعلن في اتفاق 19 محرم 1421 كهدية لحكومة اليوسفي.

لقد تم خلط الأوراق عندما أقحم مفهوم الشراكة الجديد، وعلى الطريقة المغربية، في الحقل النقابي، والذي يقتضي حوارا لم يكن في مصلحة أصحاب القرار السياسي إذاك أن ينتهي حتى يخدم مرحلة جديدة. فطال الانتظار لدى الجماهير.

تم خلط الأوراق أيضا عندما انتهى الإضراب الوطني العام ليوم 5 يونيو 1996 بالثناء المتبادل بين سلطات وزارة الداخلية آنذاك والمركزيتين الداعيتين للإضراب (ك.د.ش و.إ.ع.ش.م) حيث سجلتا “لأول مرة موقف الحياد الذي التزمت به السلطات الإقليمية والمحلية”! (يحيى بوقنطار، تطور الحركة النقابية بالمغرب، ص107، سنة2001). وكان هذا مدعاة للشك بين صفوف الأطر النقابية الذين استعصى عليهم التحول من مرحلة نضالية إلى مرحلة انتظارية ركبت فيها القيادات صهوة حوار اجتماعي مطاطي، لم يلبث أن انقلب -حسب التعبير الشعبي- إلى “حمار” اجتماعي أطاح بمن ركبه ثم أشبعه ركلا: الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ركلة! تعديلات النظام الأساسي للوظيفة العمومية، ركلة! النظام الأساسي للتعليم، ركلة ! مدونة الشغل، ركلة!!…

انتظارية ومعها شك أضيف إليهما تجميد الأنشطة النقابية وحصر الانخراطات -في تخل واضح عن الجماهيرية- جعلت الكثير من المناضلين وعامة المتعاطفين يتابعون تطورات العمل النقابي كمتفرجين عن بعد، ومن خلال الجرائد الحزبية والشاشة البصرية (بتسكين الصاد).

النتيجة أن فقدان الجماهيرية جرد النمر النقابي من أسنانه ومخالبه، فلم يعد يهدد حراسه.

3-2 – صيغة تنفيذ الإضراب: صيغة حضور فاعل أم صيغة غياب؟

تعتبر صيغة أو طريقة تنفيذ الإضراب مؤشرا مهما في قياس درجة التأطير والإشعاع النقابيين. وكذا مستوى الوعي والاقتناع بالملف المطلبي وظرفية الإضراب.

فعلى ضوء الاقتناع تتم المشاركة بالتزام واستعداد لتحمل العواقب، أو الامتناع عن المشاركة مع وضوح في الرؤية. وإلا فبينهما فئة اللامهتمين الذين لا يميزون، وما أكثرهم اليوم، خصوصا حين دخلت المركزيات النقابية في جحرها.

حينما تكون صيغة تنفيذ الإضراب هي عدم التوجه إلى العمل أو الانسحاب من مقر العمل ربع ساعة بعد الدخول أو ما قاربها، وهي الصيغة التي سادت منذ أزيد من اثنتي عشرة سنة، فإن الرسالة الضمنية التي تحملها هي أن يوم الإضراب يوم عطلة. يتساوى فيه المشارك عن وعي والتابع المجرور والغائب بعذر. ولا يخفى أن هذا الرهان يوضع في حسبان متخذي القرار لعلمهم المسبق بمحدودية التأطير والإشعاع. وهذه الصيغة تنطوي أيضا -فيما يتعلق بالعلاقة بين السلطات والنقابات- على ما يمكن أن نسميه “اللاتحارج”، أصبح متعارفا عليها منذ إضراب “الثناءات” 1996، وفحواها “أنتم ديروا بحاللي كتناضلوا، وحنا نديرو ابحاللي ما كاينينش”.

3-3- ارتفاع نسبة المشاركة، أم البحث عن شهادة حياة؟

بعد نهاية إضراب 13 فبراير 2008، صدرت بلاغات متناقضة فيما يخص نسبة المشاركة في الإضراب وذلك بين من يرفعها استصدارا لشعبية افتقدها، ومن يخفضها حفاظا على كرسي حكومي فاجأه الجلوس عليه؟ وبينهما تضيع الحقيقية ومصالح الشغيلة والوطن. خطابان ظاهرهما تناقض وباطنهما تناغم. وهل يقبل المتوافقون كولسة، في النصف الآخير من التسعينات، بأن يشب في جبهتهم صراع داخلي وهم بعد 7 شتنبير يمثلون الأقلية؟ أم أن الشعار الاستداركي: “إعادة الثقة للعمل السياسي” يقتضي إظهار “الصراع” تنشيطا للعبة ولو بعد فوات الأوان؟ ألا يعتبر هذا “التدشين” للمشروع الجديد إيذانا بفشل سياسة التوافق والتراضي؟:

أ- سياسيا: فشلت في تحقيق أهدافها الخفية الاستراتيجية التي تتجلى في “مواجهة صعود الإسلام السياسي”؟ (جريدة الاتحاد الاشتراكي، 13 فبراير2008، نقلا عن دراسة لمؤسسة كارنيجي لما بعد انتخابات 1997).

ب- اجتماعيا: فشلت في تكبيل إرادة الشعب المغربي، بل ودفعته إلى الأمام ركوبا لاحتجاجات اجتماعية حقيقية، حقيقة معاناته من الفقر والجوع والجهل والقمع.