قالت سيدة جزائرية عجوز ذات يوم لبعض أقاربها الذين شاركوا في حرب التحرير: “إن الاحتلال الفرنسي استمر130 عاما وكانت له نهاية، وهذا الاستقلال الذي أتيتم به متى سينتهي؟”.

   ذاقت هذه العجوز مصائب وويلات الاستعمار فوجدته أرحم بكثير مما تعيشه الآن مع بني جلدتها. وهذا الشعور لا تنفرد به هذه المرأة الجزائرية بقدر ما هو قاسم مشترك بين أبناء الشعوب التي خضعت للاحتلال الأجنبي، ثم نالت بعد ذلك “استقلالها”، فوقعت في قبضة سلطة غاشمة كانت بمثابة احتلال “وطني”، أو احتقلال بتعبير الأمير المجاهد عبد الكريم الخطابي رحمه الله، أو استعمار داخلي بتعبير الأستاذ محمد الحسن الوزاني زعيم حزب الشورى والاستقلال ومؤسسه رحمه الله. كتب في العدد الأول من جريدة الدستور بتاريخ 05/11/1962: “وإذا أردنا أن نصور ما عليه حقيقة الوضع العام القائم في البلاد منذ الاستقلال، فلا نجد أصح ولا أصدق و لا أبلغ من عبارة الفساد الداخلي الذي يستحق أن يدعى كذلك بالاستعمار الداخلي، باعتبار أن طبقة أهلية سائدة حلت بعد انقراض الحماية محل رهط المستعمرين الأجانب، فكان لها النصيب الأوفر  أو حظ الأسد- في امتلاك الموارد واحتلال المراتب، وانتزاع المغانم”.)1(

   هذا الاحتلال الداخلي الذي اغتصب حقوق العباد، وخرب البلاد هو الذي جعل أحد الكتاب ييأس من الأمل في الإصلاح فيتطرف في طرحه للمخرج لهذه الكوارث القاتلة التي تعيش فيها هذه الشعوب التعسة تحت هذه الأنظمة، ويدعو لوضع الدول الإفريقية تحت الوصاية لإنقاذ هذه الشعوب وثرواتها من النخب التي احتكرت السلطة واستأثرت بالثروة بعد الاستقلال.

   ما يجري في وطننا يصدم العقل، ويتجاوز قدرة المرء على الفهم والاستيعاب لشدة المكر بالمواطنين وخيانتهم، والتآمر عليهم عوض حمايتهم وصيانة كرامتهم، والسهر على سلامتهم وأمنهم، الأمر الذي يضاعف من القلق ويرسخ الخوف من المجهول. فالإنسان في هذا البلد يصبح أمين حزب، آمنا في سربه، ثم يمسي أمير خلية إرهابية برواية الداخلية؛ حتى الحكومة البلجيكية التي وجدت نفسها محشورة في هذا المسلسل لم تفقه من ألغاز المشهد شيئا، ولم تتمكن من فك طلاسم الأجهزة الأمنية المغربية التي توصلت إلى انتزاع كل هذه الاعترافات من المتهمين وفي رمشة عين.أسمعت بالإنسان ينفخ بطنـــه *** حتى يـرى في هيئة البالــون؟

أسمعت بالإنسان يضغط رأســه *** بالطـوق حتى ينتهي لجنــون

أسمعت ما يلقى البريء ويصطلي *** حتى يقـول أنا المسيء خـذوني

أسمعت بالآهات تخــرق الدجى *** رباه عـدلك إنهم قتلــــوني

إن كنت لم تسمع فسل عمـا جرى *** مثلي… ولا ينبيك مثل سجين)2)   ماذا تغير في هذا البلد؟ الاختطافات لازالت قائمة، والموت في مخافر الشرطة في ظروف غامضة أثناء التحقيق كانت وما زالت لحد الآن، وقلما تخلو قضية كبيرة من حدوث وفاة أثناء التحقيق: ملف السلفية الجهادية مثلا، أو ملف اختلاس أواني من القصر الملكي…

   إننا بإزاء وضع معقد استفحل فيه دور الأمن، وصار حاضرا ومهيمنا على جميع مفاصل الدولة مما أحدث كل هذا الخلل. إننا بإزاء عقلية أمنية مخزنية أدمنت على إهدار القانون والاعتداء على الحريات العامة.

   ما جدوى إحداث هيأة للإنصاف والمصالحة بعد أربعة عقود من الاختطافات، والاعتقالات، والتعذيب والتذويب للأجساد في الحقبة المظلمة من تاريخنا المعاصر، والمعروفة بسنوات الجمر والرصاص، ثم بعد كل هذه الضجة عودة بالبلاد للسياسة القديمة.

   إن الخطر الذي نحن بصدده ليس متمثلا فقط في الجرأة على الخلط والتدليس، لكنه يتعداه إلى تقويض لأبرز وأهم مسلمات المجتمع، فإهدار الخطوط الفاصلة بين المشروع واللامشروع لهو بحق أم الكوارث.

   إن منطق التبسيط والتسطيح والتلفيق ما عاد ينطلي على أحد يحترم عقله، ورغم هذا فنهج السلطة في التعامل مع المواطنين هو الاستخفاف، ومشروعها هو الاستحمار.

   استوقفتني الجرأة على الخلط والتدليس، والجمع في سلة واحدة ما لا يجتمع من المتناقضات. وأسوأ ما في الأمر، مطلوب منا أن ندين ونستنكر دون محاولة فهم ما يجري. صحيح قد تعرض علينا أجوبة لمثل هذه الأسئلة من؟ ومتى؟ وأين….؟ لكن لا جواب عن السؤال الجوهري لماذا؟ مما ينتهي بالمتتبع إلى تلقي الخبر دون خلفياته، دون أن ننسى أن الأمر لا يخلو في أحيان كثيرة من تلاعب بالوقائع عن طريق إظهار جانب دون آخر لتحقيق أهداف معينة.

   بادئ ذي بدء نسجل إدانتنا الشديدة لكل الأعمال الإرهابية، ولكل الممارسات العبثية التي تتبنى العنف وتمارس الإكراه. والسلطة في هذا المجال لا يمكنها أن تتنصل من مسؤوليتها فيما يخص السلوك العام للمجتمع، فهي التي تربي الناس في مجال الأخلاق الاجتماعية والعامة. قال الفيلسوف الفرنسي هيلفتيوس: “إن التفاعل بين المجتمع والسلطة ذو اتجاه واحد، فالشعب لا يؤثر في طبيعة السلطة وإنما تؤثر السلطة في خصائص الشعب وأخلاقه”. المنحرفون لم يولدوا على هذه الشاكلة، ولدوا أسوياء مثل غيرهم ثم انحرفوا، لأن الانحراف وثيق الصلة بطبيعة الواقع الاجتماعي. فالذي يمارس الإرهاب حقيقة هو هذا الجموح السياسي الذي دأب على تصفية خلايا المجتمع واحدة تلو الأخرى ليحكم قبضته ويمارس احتكار السلطة بدون معارض. قال الأستاذ هادي العلوي: “السلطة التي تقوم على الابتزاز ويتمتع أقطابها بامتيازات لابد وأن تخلق جهازا مرتشيا، والسلطة التي تتعامل مع الشعب بطريقة فاشية، فإن جهازها لابد وأن يكون فاشيا، سواء بتشكيلاته أو بالنزعة التي تسيطر على أفراده”.

   شعوب لم ترب على الاعتدال، شعوب لم تشارك في صياغة حاضرها أو مستقبلها، ولم تدع يوما إلى حوار جاد والانخراط الإيجابي مع قضاياه، ما تعلمت إلا الإقصاء والتهميش ويطلب منها غير هذا السلوك!

   حكم سيدنا عبد الله بن مسعود العراق وهو صحابي جليل فنشر العلم، وحكم بالعدل، فانقاد له العراق، وتخرج على يديه رجال أحبوا الله ورسوله، فعمروا البلاد وصارت بغداد عاصمة المعمورة. ثم حكمها الحجاج؛ وبعد أن قتل مائة وعشرين ألفا من المسلمين خرج منها الخوارج والقرامطة وأصناف من الناس. اسألوا التاريخ عنهم …. كانت رسالة عبد الله بن مسعود واضحة: “تبليغ هذا الدين للعالمين بالتي هي أحسن”. وكانت رسالة الحجاج: “توطيد العراق لقيادة بني مروان بحد السيف والرعب”.

——————————————

(1)- حوار الماضي والمستقبل ص 316.

(2)- نفحات ولفحات: الدكتور يوسف القرضاوي.