إن الجمال خصيصة أدبية فنية بامتياز، ولا يمكن تمثل إبداع لصفة الأدبية خارج سمة الجمال والجمالية، بل إن مفهوم “الأدبية” عند البعض يكاد يضارع معنى الجمال إن لم يطابقه ويعنيه بالذات.

   والمتأمل في تاريخ النظرية الأدبية سيخلص إلى خضوع مفهوم جمالية الأدب لتصورات متباينة ربطها البعض بالدلالات النفسية في ممارسة الأدب لنوع من التطهير المصاحب باللذة، وبعضها بتجسيده لنوع من الحلاوة والجمال الممتعين، وبعضها بالدلالات الداخلية التي تنص على الاستقلال الذاتي للعمل الإبداعي الأدبي ورفض ارتباطه بالمرجع الخارجي والأخلاق والقيم المجتمعية، والاكتفاء بالعلاقات التي تخلقها العلامات اللغوية والأشكال الأسلوبية. فيما أرجعت آراء أخرى مفهوم الجمال إلى عناصر تلقيه عبر سلسلة العلاقات المعقدة لفعل القراءة وممارسة الفهم.

   إن الخصائص الجمالية للفن الأدبي هي خصائص إنسانية عالمية مشتركة تتوسل بآليات جمالية فنية لغوية أسلوبية بلاغية مختلفة باختلاف فنون الأدب تعدد أنواعه لتحقيق غايات التأثير في المتلقي الذي تتوجه إليه إقناعا إمتاعا.

   لا غرو إذن أن يجعل نجيب الكيلاني من عنصر الفنية الجمالية المؤثرة ركنا أوليا في تحديده لدلالة مفهوم الأدب الإسلامي، وذلك لما اعتبر أن الأدب الإسلامي ليس “مجانبا للقيم الفنية الجمالية”بل هو “التعبير الفني الجميل المؤثر”.(1)

   إن الأدب الإسلامي بالمعنى الذي قدمناه: معنى التربية، ومعنى الجهاد، وعد ووعيد، وعظ وتبليغ، زجر وتهديد، بشارة وإنذار لمن ألقى السمع وهو شهيد. هو جزء من مشروع مجتمعي متكامل يعيد للأمة عزها ومجدها، ويضعها على سكة الحق المبين. وإن سمة الإسلامية التي وسمناه بها وصف لا يكون الأدب الإسلامي متمكنا منها إن لم تكن به قدرة على أن يبلغ رسالة القران وبيان نبينا المصطفى العدنان.

   ترى هل بوسع الأدب بما هو فن وجمال أن يحمل هذه المعاني؟

   كيف نرجوه أدبا مربيا مجاهدا مبلغا مبينا؟

   ألا نحمله مالاطاقة له به، ونرجو منه مالا يرجى، ونأمل منه مالا يقدر عليه قوة وحولا، وما لا يستطيع الاهتداء إليه سبيلا؟

هل نضحي بالجمال والمتعة الفنية ليلبس الأدب لبوس الوعظ المنكر الصارخ ضد ما تموج به الدنيا من حلل البريق الزائف وتزخر به من وشي الخيال الخادع المخادع؟

   ما أحوجنا، والأمنية عالية غالية، والغاية سامقة، إلى إبداع أدبي جامع بين سمو روحي عظيم وجمال فني بلاغي رائع، إننا لا نرضى بغير الأدب الإيماني الإحساني. هل يعني لنا ذلك التضحية بالشكل في سبيل المضمون؟ وبالجمال في سبيل الفكرة والهدف؟ هل يغدو إبداعنا الأدبي صنو الموعظة والخطبة والمقالة؟ أم يجب أن يجمع العنصرين ويؤلف المادتين؟.

   كيف نحرر حركة الإبداع الفني الإسلامي من عقبات جامدة تحرص على اللاتغيير؟ كيف نجمع بين الأصالة والتأصيل وبين الجمال والتأثير؟.

كيف يؤدي الفن وظائفه الرسالية الدعوية دون أن يفقد حلة الجمال الفني أو يضيع سمة المتعة الإبداعية؟

   يدعونا ربنا الكريم في كتابه العظيم في آيات مختلفة إلى تأمل جمال الكون للدلالة على جمال وجلال وكمال المبدع الخلاق سبحانه وتعالى، فيقول عز من قائل:

   “صنع الله الذي أتقن كل شيء” (النمل /90)

“الذي أحسن كل شيء خلقه” (السجدة /6).

   صنع متقن، وخلق حسن، جمع متناسق متكامل بين المعنى والمبنى، بين الشكل والمضمون، بين الروح والجسد.

   صناعة بإتقان، وخلق بإحسان، هي دعوة إلى التفكر في كون الله المخلوق بإذن الله. سبحان الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

   وينبهنا القرآن الكريم في غيرما موضع إلى عنصري المنفعة والجمال في الكون. ولنقرأ إن شئتم قوله تعالى:

   “والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون” (النحل 6.5).

   أو قوله سبحانه وتعالى: “وما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون” (النحل 60).

   نستفيد من القرآن معنيين ملتصقين مرتبطين، المتاع النافع والزينة الجميلة، المتاع ضرورة ومنفعة، والزينة حاجة وجمال ومتعة، ويبقى الخير كل الخير، والحق كل الحق، والجمال كل الجمال، والنفع كل النفع، فيما يطلبه المؤمن العاقل الفطن الأريب عند ربه ويرجوه ويسعى إليه. وللآخرة خير وأبقى لمن آمن وصدق وصدٌق واتقى.

   إن الجمال جوهر الكون، والذات الإنسانية لا يمكن أن تحيا بغير الجمال لأنها أصلا في فطرتها الأولى مجبولة عليه مفطورة على حبه مطبوعة على الاستلذاذ به. وصياغة هذا الجمال الكوني، وإبداع هذا الجلال النفسي، والإحساس الرقراق المتدفق بعمق هذه الفطرة مهمة من مهمات الأدب الإسلامي يكشف عن الحقائق الصادقة، ويعرض عن المزيف المصنوع، يبدع من أسرار هذه الفطرة غير مجذع ولا مقطع ولا ممزق.ولا يكون ذلك إلا إن كان لهذا الأدب الإسلامي مثالا يأخذ منه، وحافزا يوجهه، ووعيا أسمى يتطلع إليه.

   إن أول ما يستمد منه الأديب الإسلامي موضوعاته النظر في نفسه التي بين جنبيه، أن يستمد من فطرتها النقية وأصولها الصافية ما يوجه بوصلة عمله الإبداعي، ويتأمل في خلقه وتكوينه وتصويره فيعلم أنه ليس عبثا وجد وليس سدى خلق، بل وجد لغاية وكان لمعنى. ثم ينظر بعد إلى الكون حوله، في غناه وتنوعه، في نظمه وانتظامه، في إتقان صنعه وإحسان خلقه، فيرجع البصر مؤمنا بالخالق المبدع والمصور المكور المتقن غير خاسئ ولا حسير.

   ما يعني هذا في اعتبارنا أبدا أن يتحول الأدب الإسلامي إلى موعظة جافة أو وثيقة تاريخية أو قضية اجتماعية، إنما يكون فيه من كل هذا طرف ونصيب غير مخلين بلذة الفن ومتعة الجمال.

يقول الأديب اللوذعي الرفيع مصطفى صادق الرافعي مبينا عن معنى اللذة بالأدب ومآتي متعته وجماله:

   “واللذة بالأدب غير التلهي به واتخاذه للعبث والبطالة فيجيء موضوعا على ذلك، فيخرج إلى أن يكون ملهاة وسخفا ومضيعة، فإن اللذة به آتية من جمال أسلوبه وبلاغة معانيه وتناوله الكون والحياة بالأساليب الشعرية التي في النفس. وهي الأصل في جمال الأسلوب… أما التلهي فيجيء من سخف الأدب وفراغ معانيه ومؤاتاته الشهوات الخسيسة والتماسه الجوانب الضيقة من الحياة، وذلك حين لا يكون أدب الشعب ولا أدب الإنسانية بل أدب فئة بعينها وأحوالها”.(2)

   رحم الله الرافعي فقد أجاد أفاد.

   ما الأدب ملهاة عابثة أو بطالة فاسدة مفسدة.

   ما الأدب شهوة خسيسة أو حياة سخيفة ضائعة مضيعة.

   إنما الأدب إحساس بالوجود وإنصات للكون، وتصوير ذلك في قوالب الجمال التي هي من كنه النفس الإنسانية في صدق عواطفها ونبل حقائقها و:

   “إنما الشعر في تصوير خصائص الجمال الكامنة في هذه الفكرة على دقة ولطافة كما تتحول في ذهن الشاعر الذي يلونها بعمل نفسه فيها ويتناولها من ناحية أسرارها”.(3)

   تصوير وتناول وتلوين وتحويل، عمليات مزج للشعور مع التأمل، وللإحساس مع الإدراك، وللظواهر مع البواطن، مزجا تلبس به الحقائق المستمدة من صفاء الفطرة المتعلقة بخالقها أجزاء من بهاء الجمال وجمال الجلال وجلال الكمال.

   “على أن الحقائق ليست هي الشعر، وإنما الشعر تصويرها والإحساس بها في شكل حي تلبسه الحقيقة من النفس”.(4)

   إن أي تصور للجمال الفني في الإبداع الأدبي الإسلامي لا بد أن يستحضر جمال الوحي الرباني في بلاغته وبيانه، ليستقي منه ويصدر عنه، إذ الوحي يرسم لنا منهاج حياة بفضائلها وأخلاقها وإنسانيتها، هو المنبع الحي الثري الذي يستقي منه معاني الحياة ومعاليها، غاياتها وآفاقها، وجمال أسرار الألوهية الربانية فيها.

   من الوحي نستفيد وإليه نعود في إدراك معنى الجمال الفني الذي نطلبه وسما لأدبنا الإسلامي ووصفا لإبداعنا الفني الإيماني، إذ الإسلام دين الجمال، ما تنكر يوما لما هو متجدر في عمق النفس البشرية، منظور في كون الله للمتأمل الحذق المتفكر في آلاء الله .يقول نجيب الكيلاني مبينا جمع الإسلام بين الأبعاد الرسالية الدعوية والقيم الجمالية الفنية في تحديده لموقف الأدب الإسلامي من الجمال:

   “… فالإسلام يعلي القيم الجمالية، ويعلي من شأنها، ويحيطها بسياج من العفة والنقاء والطهر، ويفتح الباب واسعا أمام الإبداعات الفنية والأدبية الخلاقة، ويزيد “الكلمة الجميلة “شرفا حينما يكلفها بأعظم رسالة، وأسمى مهمة، أرقى دعوة نزل بها الروح الأمين.”(5)

—————————————

(1) “مدخل إلى الأدب الإسلامي” نجيب الكيلاني، ص:36.33.

(2) “وحي القلم” مصطفى صادق الرافعي ج3، دار الكتاب العربي ص:219.218.

(3) نفسه 236.

(4) نفسه 272.

(5) “مدخل إلى الأدب الإسلامي” نجيب الكيلاني ص:98.