الحمد لله والصلاة والسلام على سيد المرسلين وإمام المتقين وعلى آله وصحبه وإخوانه وحزبه

   في شهر ربيع الأنوار، شهر المولد النبوي الشريف، وفي يوم عيد المسلمين الأسبوعي، يوم الجمعة، أبت السلطات المخزنية القمعية بمدينة برشيد إلا أن تحتفل بالعيدين بطريقتها الخاصة، وهي لم تعد في حاجة إلى أن تخفي حقيقتها وراء الأقنعة التي باتت غير ساترة بل فاضحة. لتشن حربا قدرة على المواطن المغربي في دينه ومعاشه وحقوقه، وهذه المرة أيضا يسقط قناع دولة الحق والقانون مع اختطاف الأستاذ أحمد الفراك (أحد أطر جماعة العدل والإحسان بمدينة برشيد)، وهو في طريقه إلى المؤسسة التعليمية التي يعمل بها (ثانوية أولاد حريز) على الساعة 14:25، من يوم الجمعة 14 مارس 2008.

وكان الاختطاف جبانا   بعد أدائه لصلاة الجمعة بمسجد ياسمينة بالحي الذي يقطن به، توجه الأستاذ أحمد الفراك إلى مقر عمله بثانوية أولاد حريز التأهيلية لأداء واجبه المهني (تدريس مادة الفلسفة)، لكن وبعد دقائق معدودة من خروجه من المنزل اعترض سبيله ثلاثة عناصر من الأمن “الوطني” بالزي المدني، (غلاظ، شداد، لا يعصون التعليمات…) وأرغموه على ركوب سيارتهم والذهاب معهم، ولم يمهلوه حتى إخبار زوجته فأحرى أن يستجيبوا لطلبه بالذهاب إليهم بعد أن يؤدي واجبه المهني مراعاة لمصلحة التلاميذ، لكن الأوامر والتعليمات تريده عاجلا وعلى الفور..!!

   وبعد وقت وجيز شاع خبر الاختطاف في المدينة، فهرع الناس ومعهم زوجة الأستاذ إلى إدارات الأمن “الوطني” للسؤال عما إذا كان تعرض لاختطاف أو اعتداء أو اغتيال من طرف مُجرمين يشكل وجوده تضييقا عليهم!!! أنكروا في البداية علمهم بخبر الاختطاف، وبعد فترة أقروا باختطافه!!!

   مع صلاة المغرب، كان الحي شبه منطقة عسكرية، حيثما وليتَ وجهك تراءت أمامك أنواع من عناصر الأمن تَعرف منهم وتُنكر، وخصوصا بجانب المسجد الذي كان يرتاده الأستاذ، بل وجميع مساجد المدينة، فلأول مرة ينعم هذا المسجد المسكين برجال الشرطة ينظمون حركة المرور حوله من ناحية الشرق والغرب… وأمام الباب الرئيسي للمسجد رابطت سيارة أخرى، وأخريات تمشطن الحي جيئة وذهابا، لتبقى حالة الاستنفار الشاذة هاته طيلة أيام الاعتقال ولياليها.

   وفي بعض الأحايين يتدخل عناصر الأمن لفض جموع المصلين من أمام باب المسجد بالعنف والتهديد والتخويف، وبألفاظ لا تحترم حرمة المكان ولا الزمان ولا الأشخاص، الأمر الذي أثار استغراب واستنكار الساكنة. كما لجأت العناصر المخزنية إلى بث الإشاعات حول حقيقة ما يجري والتي بدورها لم تنطل على الساكنة التي استغربت، وهي التي تعاني الأمرين من جرائم في واضحة النهار وعلى مرأى ومسمع من الناس حتى أصبحوا لا يأمنون على أنفسهم ولا أموالهم وحتى حرمات بيوتهم، وهم في كل ذلك ينتظرون أن تتحرك الجهات الأمنية لوضع حد لهذه الانفلاتات الخطيرة، إذ بهم يفاجؤون بخطف واعتقال رواد المساجد ورموز الصلاح، وذوي الخصال الحميدة!..

انقلب السحر على الساحر   من هو هذا الشخص الذي انتفضت مدينة برشيد باختطافه في واضحة النهار؟

   ما يعرف عنه الجميع هو ذلك الأستاذ المتفاني في أداء مهمته، والإمام الذي لا يخشى في الله لومة لائم، وخطيب الجمعة الذي خبر الناس صدقه، والواعظ الذي لا يريد بوعظه سوى وجه الله. والخَدوم الذي لا يسعد إلا في خدمة الآخرين، وطالب العلم الذي يُحسد على صحبته للكتب… وهو عضو جماعة العدل والإحسان التي تُعارض سياسة الظلم والفساد.

   هكذا عرفناه، والله يتولانا ويتولاه.

وعلى ذلك تمت محاصرة أنشطته، فمُنع من المشاركة في أي نشاط (محاضرة، ندوة، مائدة مستديرة…) تربوي أو ثقافي أو فني أو سياسي، وسُدَّت في وجهه دار الشباب وقاعة المحاضرات بالبلدية والخزانة البلدية، بل بلغ المنع إلى الثانوية حيث حُرم التلاميذ من محاضراته التربوية والثقافية رغم احتجاجهم المتواصل، والسبب هو تواطؤ إدارة المؤسسة (مخزن صغير) مع السلطات المخزنية للتضييق على صوتٍ حرٍّ يرفض الركوع للأصنام. ولعزلِ موقفٍ يمتثل قوله تعالى على لسان سيدنا موسى عليه السلام: {حَقِيقٌ عَلَى أَن لاَّ أَقُولَ عَلَى اللّهِ إِلاَّ الْحَقَّ} الأعراف105.

   لكن انقلب السحر على الساحر… فمن حسنات المخزن هذه المرة -إن وُجدت له حسنات- أنه عرَّف بالأستاذ أكثر وأكد جرأته وصدقه، ووفر لأطر وأعضاء جماعة العدل والإحسان الفرصة للتواصل والتعارف والتعريف بالجماعة، وعلى نطاق واسع مع كل فئات المجتمع وشرائحه، وبدا التعاطف أوسع وأكبر مع الجماعة ومظلوميتها،

فلله الحمد والفضل والمِنة.

وكانت المحاكمة   وكما العادة، تهم ملفقة وأقوال مفبركة، الملف خال من أي تهمة تُذكر، وكأن القوم بهم مس من الجان، فيوم السبت 15-03-2008 عُرض الأستاذ الفراك على وكيل الملك، وكان الاستنفار الأمني على أشده، فقد عرف محيط المحكمة الابتدائية تطويقا أمنيا ضخما وكذا جميع الطرق المؤدية إليها، بل حتى حراسة مداخل المدينة كانت مشددة، وكان ذلك رسالة غير موجهة… وكل من يقترب من المكان فهو ضمنا داخل لائحة الاتهام، ولسوء الحظ فالحديقة العمومية طالها الإغلاق ربما لشبهة، المخزن وحده يعلمها، وأزعم أن لو استطاعوا منع العصافير من التحليق هناك، والقطط المشردة من التجول، لفعلوا لأن الأوامر عمياء صماء بكماء. ليتم في نفس اليوم اعتقال ثلاثة أعضاء من الجماعة، ذنبهم الوحيد هو السؤال عن أخيهم المختطف -في زمن يتبجح فيه المخزن الجديد والمخازنية الجدد بطي صفحة الماضي وفتح صفحة الحقوق والحريات- ومعرفة ما يجري، وأخلي سبيلهم بعد ساعات من بعد ما يئس من مساومتهم وتهديدهم في أسلوب مخزني حقير وممجوج يستحيي المرء من ذكره. وفي الأخير تقرر متابعة الاستنطاق والتحقيق يوم الأحد 16-03-2008 وليتكرر المشهد ذاته والسخافة عينها، في منظر مقزز ومبتذل، فينزل المخزن مرة أخرى وبشكل يوحي بالحُمق.

ومن الاستنطاق مالا يطاق   من تهمة المس بالمقدسات! إلى الحديث عن مفهوم القومة! إلى سبب نعت المغرب بالدولة المتخلفة، ثم كارثية التعليم، إلى تزوير الانتخابات! إلى تنظيم العدل والإحسان ومجالس الذكر والقرآن والتفسير والنصيحة… هذه من محاور الاستنطاق ولك أيها القارئ أن تبحث عن الرابط والعلاقة بين كل ذلك، ولاشك أن أي نتيجة استقر عليها تخمينك لن تكون إلا دليلا وبرهانا على بلادة المخزن وتخبطه وارتجاله، ليبقى الهدف الأول وليس الأخير هو النيل من عزيمة منتسبي العدل والإحسان، ومحاولة عزلهم وإرهاب المواطن الذي خاب أمله في كل الشعارات المنتفخة بالريح التي بات يلوِّح بها من خرَّب البلاد ونكَّل بالعباد.

أما أهل العدل والإحسان فهم بفضل الله من {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ، إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} آل عمران من 173 إلى 175.

وكان الإفراج والفرحة   على الساعة الثانية والنصف من يوم الأحد أُطلق سراح الأستاذ الذي قيل أنه أهان المقدسات ! فارتفعت الزغاريد… والهتافات… والابتهلات… والأناشيد… والعناق… والابتهاج… والفرح…

   ما إن تسامع سكان المدينة نبأ الإفراج عن الأخ الأستاذ أحمد الفراك حتى هبت الجموع باشة مرحبة مهنئة ومؤكدة على المؤازرة والمضي على الخط والطريق رغم الخطوب وكيد الكائدين. ولم يتخلف أحد عن الموعد، جموع المصلين الذين اعتادوه في صفهم، وتلاميذ الفصول الذين عهدوه جادا معلما ومربيا وموجها وسندا في البأساء والضراء، وأساتذة الثانوية الذين ألفوا بشاشته ونشاطه، وحضر أهل الحي وكانوا الأسبق وهم الذين ألفوا ابتسامته الدائمة وخلقه النبيل وخدمته المتفانية. واحتفل الجميع طيلة اليوم إلى منتصف الليل… وما يزال الاحتفال متواصلا إلى الآن.

   ما من زائر إلا ويلعن الظلم والظالمين، ويستبشر بالخير والفتح والنصر المبين.

   وكذلك كان استقبال التلاميذ في اليوم الموالي: التصفيق والزغاريد والتحية والدموع…

وفي الختام   إن هذا الأسلوب المخزني الجبان لم يعد ينطلي على أحد، وجماعة العدل والإحسان أضحت راسخة القدم في نفوس وقلوب الشعب المغربي، والاختطافات والاعتقالات لن تثنيها عن الدعوة إلى الله بالتي هي أحسن سيرا على المبادئ التي سطرتها، وكل ذلك لن يفتل إلا في حبل قوة الجماعة ورسوخها. أما المقاربات الأمنية البوليسية فلن تكون إلا معاول هدم في بنيان المخزن. ولازالت الجماعة تدعو الجميع إلى التوبة والأوبة الصادقة، فالإصلاح لازال ممكنا إن توحد الجميع من أجل خلاص هذه الأمة.

   ومن حُسن إسلام المرء عدم الثقة في المخزن. فهو عدو الدين والعلم والحق والخير والقانون.

   والله يتولى الصالحين.