“إن لم يكن بالإمكان استثمار كل الوقت … فعلى الأقل يمكن استثمار أكبر قدر منه، وحتى تكون نقطة البداية صحيحة وفعالة، يلزم البحث في العناصر الأساسية للعملية الإدارية”(1). سأحاول أن أصنف بعض التدابير العملية المقتبسة من علم إدارة الوقت، مع التأصيل، حسب المتاح، من الكتاب والسنة، وذلك في محاولة للتجميع بين إدارة الوقت كواجب ديني من جهة وكضرورة إنتاجية من جهة ثانية.

آليات تدبيرية لإدارة الوقت:

   1 التشخيص: إن البداية الصحيحة لحسن إدارة الوقت هي تشخيص وتقييم الذات، وذلك بالتعرف على العادات ومجالات صرف الأوقات، للوقوف على حجم الوقت المهدر والعوامل المضيعة له وعدد الساعات التي يمكن توفيرها لإنجاز مهام أخرى. و يمكن أن يتم ذلك عبر مراحل:

   أولاً / الجرد: وذلك بتصميم سجل خاص بالوقت تسجل فيه بيانات النشاطات التي نقوم بها خلال مدة زمنية كافية، يستحسن أن تكون أسبوعا، لنكون قادرين على معرفة الاتجاه والنمط الغالب على نشاطاتنا اليومية. يضم هذا السجل النشاط والمدة الزمنية التي استغرقها والتوقيت أي الساعة. إن الوضوح والدقة في هذه البيانات يسهل المرحلة التالية.

   ثانياً / التحليل: في نهاية الفترة الزمنية التي اخترناها (أسبوع مثلا)، نقوم بعملية التحليل عبر عدة طرق، من بينها الطريقة التالية التي تعتمد على مبدأ إخضاع النشاطات المسجلة في السجل إلى ثلاثة اختبارات:

   اختبار الضرورة: نصنف مجمل نشاطاتنا اليومية والأسبوعية التي حصلناها في المرحلة الأولى إلى أنشطة ضرورية وأخرى غير ضرورية بعيدا عن معيار المتعة، ونحسب مجموع الوقت الذي نقضيه في كل صنف على حدة لنقف على حجم الوقت الذي نضيعه في اللاضروري. ويمكن أن ندقق أكثر بحساب النسبة المئوية لكل نشاط على حدة، وترتيب كل الأنشطة من الأكبر نسبة إلى الأصغر نسبة، ما نحصل عليه من ترتيب يمثل واقع أولوياتنا اليومية والأسبوعية.

   اختبار الملاءمة: هذا الاختبار يخص المهام التي صنفت ضرورية في الاختبار السابق؛ حيث نحدد مجموع الأوقات التي يستغرقها كل نشاط من هذه النشاطات خلال الأسبوع، ثم نقارن ونحلل هذه الأوقات هل هي ملائمة لضرورة النشاطات في حياتنا أم لا، سواء من حيث المدة الزمنية أو من حيث التوقيت (صباحا، مساءا، زوالا …).

   اختبار الكفاءة: بعد ذلك نخضع نشاطاتنا الضرورية لاختبار الكفاءة، بمعنى نحلل قدرتنا الإنتاجية وندرس إمكانية تفويض بعض نشاطاتنا لأفراد من محيطنا أو إسنادها لمن هو أكثر كفاءة في تنفيذها.

بعد هذه الاختبارات الثلاثة سيتضح لنا طبيعة تعاملنا مع نشاطاتنا وسندرك مجمل الأخطاء التي ارتكبناها في غياب تخطيط مسبق لإدارة وقتنا بشكل علمي، وهو ما سيولد الدافعية والرغبة لتجريب أسلوب جديد في التعامل مع الوقت لكن هذه المرة عبر التخطيط والبرمجة. نتوكل على الله في كل حركة نقوم بها، فبيده، سبحانه، الزمن وله الأمر من قبل ومن بعد.

   2- التخطيط وترتيب الأولويات:

بعد عملية التشخيص تأتي عملية التخطيط التي نحدد من خلالها ما ينبغي أن يكون عليه الوضع من خلال تحديد دقيق للأهداف وترتيب للأولويات.

   وقد عرض القرآن الكريم لأنموذج بشري في التخطيط ذُكر في معرض الإقرار والثناء جاء ذلك في سورة يوسف، في قوله تعالى: “قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ (47) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)”.

   إن هذه الآيات تدل على أن يوسف عليه السلام قد رسم خطة زمنية، بإلهام من الله عز وجل، لكسب الوقت في سنوات الرخاء بمضاعفة الإنتاج وتخزينه بأسلوب علمي للاستفادة منه في سنوات الجدب، فالتخطيط لا ينافي الإيمان إنما هو شكل من باب الأخذ بالأسباب.

   وقد عرّف بعض الباحثين التخطيط الإسلامي بأنه: “التفكر والتدبر بشكل فردي أو جماعي في أداء عمل مستقبلي مشروع مع ربط ذلك بمشيئة الله تعالى ثم بذل الأسباب المشروعة في تحقيقه مع كامل التوكل والإيمان بالغيب فيما قضى الله وقدّره على النتائج”(2).

   إن وضع الأهداف هو الخطوة الحيوية الأولى باتجاه النجاح في تحقيقها، وإلى أن يتم تنفيذها فإننا سنضل نواجه خطورة تتعلق بالتطبيق الخاطئ لوسائلنا أو إمكاناتنا، فمادامت هذه الوسائل محدودة فإن أي سوء استخدام لها سيقلل من قدرتنا على تحقيق أهدافنا. وعليه فإذا لم نحدد أهداف حياتنا العائلية والمهنية والاجتماعية، الدنيوية والأخروية، فلا فائدة من تنظيم الوقت. وهذه الأهداف يجب أن تكون سامية في توجهها، وألا تكون مستحيلة لأن ذلك قد يؤدي إلى التراجع أو التردد أو تعديل الأهداف، لذلك يجب وضع خطوات صغيرة يؤدي تحقيقها إلى تحقق الأهداف الكبيرة، هذه الخطوات الصغيرة تعطي الحماس والقدرة على مواصلة المسير.

   كما أن الهدف الجيد لابد أن يتصف بعدة خصائص أهمها أن يكون:

   – واضحًا: ليس به غموض.

   – قابلاً للقياس: بأن يكون في صورة كمية ما أمكن.

   – واقعيًا: يمكن تحقيقه.

   – طَموحًا: يتحقق من خلاله إنجاز حقيقي.

   – محددًا: له مدة زمنية يجب تحقيقه خلالها.في الحلقة القادمة آليات ترتيب الأولويات.

——————————————–

(1) سلامة، سهيل بن فهد، إدارة الوقت منهج متطور للنجاح.

(2) المطيري، حزام بن ماطر بن عويض، الإدارة الإسلامية المنهج والممارسة.