جاء إضراب 13 فبراير 2008 للوظيفة العمومية والجماعات بدعوة من ثلاث مركزيات نقابية هي: إ.و.ش.م، ف.د.ش و م.د.ش. ومعلوم أن الأولى تابعة لحزب العدالة والتنمية، والثانية تابعة لحزب الاتحاد الاشتراكي، في حين تتبع الثالثة للحزب الاشتراكي حديث العهد بالتأسيس.

لن نعالج مسألة السبق في إعلان الإضراب، خصوصا وأن تحديد نفس اليوم لم يكن نتيجة تنسيق بين المركزيات من جهة، ونظرا لما بين حزبي العدالة والتنمية والاتحاد الاشتراكي من تباين سياسي من جهة ثانية، واستبعادا للصدفة في المجال السياسي، لقلة حظوظها، من جهة ثالثة. لكن نكتفي بهذه الملاحظات لنعطي شرعية للسؤال المحرج: من تقوى بمن؟ لنستنتج بوضوح درجة تخوف النقابات من تحريك جماهير الوظيفة العمومية. هذا بعد أن كانت المركزية النقابية للاتحاد الاشتراكي ك.د.ش وحدها تخرج غالبية العمال والموظفين وجزءا من الشعب.

في حين يهمنا تسليط الضوء على التحول الانكفائي الذي طرأ على العمل النقابي بالمغرب خصوصا بعد التصريح المشترك لفاتح غشت 1996، والذي جاء نتيجة تفاوض ترأسه وزير الدولة في الداخلية آنذاك إدريس البصري. تم ذلك في أفق توافق وتراض تحالفت فيه المعارضة البرلمانية مع المخزن بعد انتخابات 1997. وكانت هدية المركزيات النقابية، التزامها بسلم اجتماعي من طرف واحد، وبدون شروط مسبقة. حظيت بها جميع الحكومات المتعاقبة إلى حدود حكومة عباس-المغرب.

يهمنا أيضا مقاربة دواعي الإضراب والتوظيفات المحتملة المرتبطة بالظرفية الحالية. ويعنينا كذلك مناقشة وتحليل جدية الرهانات المعلنة والضمنية لإضراب الوظيفة العمومية والجماعات، ثم تفحص المؤشرات ذات الدلالة على نجاح أو فشل الإضراب.أملنا الإسهام في توضيح الرؤية-عبر كوة هذا المقال- لمدى وعي الحركة النقابية في المغرب بالسؤال الحقيقي الذي يطرحه واقع البلاد ومستقبلها اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا.

ففي أي سياق جاء إضراب 13 فبراير 2008؟

إذا كانت التفاصيل ستأتي في حينها، فإنه لابد من التذكير بمجموعة من المحطات و الأحداث و الوقائع، نراها تحكمت في الدعوة إلى إضراب الوظيفة العمومية والجماعات الأخير. وهي كما يلي:

_ الاحتجاجات الشعبية ضد الغلاء؛

_ المقاطعة الشعبية لانتخابات 7 شتـنبر 2007؛

_ تقرير جماعة العدل والإحسان حول استفحال الأزمة بالمغرب، ودعوتها الجميع من أجل الخلاص؛

_ التقارير الدولية حول المغرب وخاصة:

أ- تقرير البنك الدولي فيما يتعلق بفشل النظام التعليمي بالمغرب

ب- التقرير العالمي للتنمية البشرية والرتبة 126 للمغرب

ج- تقرير مؤسسة ترانسبارانسي الدولية لمحاربة الرشوة؛

_ إرهاصات إعادة الاعتبار للعمل السياسي، وتوزيع الأدوار بين الأحزاب وروافدها،

– المناظرة الوطنية حول النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية المقررة بتاريخ 25 فبراير2008؛

– الانتخابات الجماعية والمهنية لسنة 2009.

1- التوظيفات الثلاثة لإضراب 13 فبراير 2008

إذا كانت لكل معركة أهداف مصرح بها وأخرى تتطلب قراءة لما بين السطور، فإن إضراب 13 فبراير، في نظرنا، يخفي أكثر ما يعلن. وهو بهذا تم توظيفه في مصلحة النخبة بنسبة لم تترك للفئات المعنية بتفعيله إلا ذكر اسمها على صفحات وشاشات وسائل الإعلام.

1-1- التوظيفات النقابوية

1-1-1 تهريب الرأي العام الوطني

لم تعد سياسة الهروب إلى الأمام مقتصرة فقط على المغرب الرسمي كلما دقت ساعة انفضاح النتائج السلبية لإحدى “منجزاته”، وإنما تكونت على يديه مجموعة من “التلاميذ النجباء” من سياسيين وإعلاميين وكتاب وعلماء و… ذاك الهروب كان ينسي المغاربة، أو يقنعهم بالخطاب الرسمي أو على الأقل ينقص من حدة ما وقع. تم ذلك عندما كان المجال الإعلامي مغلقا. أما اليوم، فإمكانية الوصول إلى الخبر الوازن أصبحت ميسرة، فأية مطية تليق بالزمان والمكان؟

إذا أخذنا بعين الاعتبار قوة الصعقة التي سببها تقرير البنك الدولي بعد نشره على الشبكة العنكبوتية، وما تلاه من تعليقات على الصحف، والتي انضافت إلى ما عرفه المغرب من توترات اجتماعية أخرجت الشعب إلى الشوارع في كثير من المناطق. كادت هذه الوقائع-لو كتب لها البقاء- أن تجعل من طغيانها على رأس الأحداث وسيلة مقنعة لتعميق الإحساس بالأزمة.

من هنا يحق لنا أن نتساءل: ألم تكن الدعوة إلى إضراب 13 فبراير 2008، والتي جاءت بدون “تسخينات” تذكر، إضافة إلى ما واكبها إعلاميا، كافية لتهريب “عناصر هجوم” الرأي العام الوطني من “منطقة الجزاء” إلى وسط الميدان ليبدأ اللعب بعيدا عن منطقة الحرج؟

أن يتحدث الناس عن إضراب يمنيهم بمطالب خير من أن يتحدثوا عن أزمة اجتماعية داخلية وعن تقرير دولي يسود المستقبل وتزيد معه مؤشرات عدم الثقة في المؤسسات الرسمية”اللهم كحو واللاكخو” كما يقول المغاربة.

فهل يخدم نقابة الحزب أو حزب النقابة، أن يستقر الرأي العام بعد تفكير أن أزمة التعليم الابتدائي والثانوي والعالي على سبيل المثال، يتحمل المسئولية في قسطها الأوفر وزيرهما ذو الولايتين الأخيرتين، ومن قبله من المعارضة البرلمانية؟ وإلا فهل ثمة من تصريح بالعوائق في إبانها؟ ومع ذلك فهل تشفع له اليوم ولحزبه ونقابته الدعوة لمعركة نضالية كانت خيوط حلولها بأيديهم؟ لماذا انفردت عمليا، الجامعة الوطنية لموظفي التعليم التابعة ل إ.و.ش.م بإضراب التعليم ليوم 12 فبراير2008 ؟. ولماذا الدخول على خط إضراب 13 فبراير ليوم الغد من طرف ف.د.ش خصوصا؟ أليس بقصد تعويم التعليم، وعلى التو، في كل قطاعات الوظيفة العمومية والجماعات؟

وهنا نتساءل مع الأحزاب السياسية حين تدعوا إلى حكومات سياسية. هل في عرف ديمقراطيتنا المغربية أن يعترف حزب بأخطاء أو تقصير ممثليه أثناء أو بعد ممارسة مهامهم الوزارية؟ وإلا فما الفرق بين الوزراء التقنوقراط والسياسيين،بل وحتى الحكومات، إذا لم تكن مسؤولية الحزب حاضرة يصرح بها الحزب قبل الخصوم؟

ألم يكن حريا بالمغاربة أن يتناولوا بالنقاش العميق والهادئ والمتمعن ما جاء في تقرير البنك الدولي من خلاصات وتحذيرات تخص مستقبل البلاد وحاضرها؟ وينظروا فيما جاء قبله من تقارير هيئات محلية لا تعرف المحاباة، ومؤسسات إعلامية وطنية، كلها تنذر بالإفلاس. أمة نظامها التعليمي في المؤخرة، ومؤشرات التنمية البشرية جرفتها إلى المرتبة 126 خلف التخلف الذي كانت عليه، أمة لمحركها جعجعة ولا طحن. أين الخلل؟ من المسؤول؟ هل من أمل في الإصلاح؟ كم يكلفنا من الوقت ومن الجهد ومن المال في حالة الإيجاب؟ أية وصفة أو وصفات؟ بأية أيدي؟ هذه الأسئلة وأمثالها تعتبر في عرف أهل التقويم مفتاحا لكل إقلاع وتصحيح. وفي عرف العمل النقابي موجهة لكل نضال حقيقي تتعبأ له الجهود بالإقناع والاقتناع. أم أن لنا في المغرب عرفنا الخاص، فكم حاجة قضيناها بتركها؟. في مصلحة من كانت سرقة لحظات التفكير تلك من لدن الرأي العام المغربي، والتي كادت تـنضج وعيه بمرحلة البلاد والعباد.

سرقة بعدما شغلنا بالمهم (الإضراب دفاعا عن المأجورين) عن الأهم (دفاعا عن حاضر ومستقبل البلاد ككل). وحتى لا يستوقفنا مجادل نقول يأتي التفكير في الجزء في سياق التفكير في الكل وإلا فهو الترقيع بعينه.

1-1-2 الإعداد للانتخابات المهنية والجماعية لسنة 2009.

المركزيات النقابية تسعى إلى تمثيل العمال سواء في المعامل والشركات والمقاولات أو في الإدارات والمصالح الخارجية والمركزية للوزارات أو في مجالس الجهات و الغرفة الثانية من البرلمان. وكلما حصلت على تمثيلية متقدمة فإنها “تحظى” بالجلوس مع الحكومة أو مع بعض وزراءها.

عرفت انتخابات الغرفة الأولى، التي شاركت فيها الأحزاب السياسية في 7 شتنبر2007 مقاطعة مهولة، حتى لا نقول عزوفا، من طرف الشعب المغربي عامة اتفق المحللون على أن الأمر يتعلق بفقدان الثقة في اللعبة السياسية المغربية ككل. نتج عن هذا الفشل تلاوم تبودل بين رموز المخزن والأحزاب السياسية في شأن تأطير الشعب سياسيا.

من هنا نفهم العملية الاستباقية التي قامت بها بعض النقابات في 13 فبرير2008 وذلك من أجل تسجيل المواقف وتهييئ المجال حتى لا تفاجأ بمقاطعة تجمع السياسي والنقابي في سلة واحدة.

توقعات في المشهد النقابي

ينتظر أن تتناوب كـتلتا المشهد النقابي(التي أضربت والتي لم تر من داع) على إضرابات مدروسة خلال فترة ما قبل انتخابات 2009 بغية الرفع من درجة التعاطف مع النقابات. ونعتقد أنه إذا كانت هناك من استجابة حكومية للملفات المطلبية، فسيختار لها المناسبة “الذهبية ” لما قبيل الانتخابات المهنية، وذلك بقصد الرهان على “نشوة الانتصار” لما لها من أهمية في التحفيز والتقدم إلى صناديق الاقتراع.

ونظرا لما للقطاع الخاص من أهمية لارتباطه بمراكز أصحاب القرار وبالاستثمارات الأجنبية القائمة والمفترضة، فإنه لن يزج به في الإضرابات إلا خلال الشهرين أو الثلاثة أشهر التي ستبقى للانتخابات وذلك بشكل جد مدروس: ألا يعمم؛ كل نقابة تنبري لوحدها للإضراب في قطاع معين أو في وحدة إنتاج فقط؛ أن تكون الاستجابة محدودة لمطالب القطاع الخاص -لا تمس المدونة- إلى أن تمر الانتخابات فيضع “النضال” أوزاره.

1-1-3 تحويل المناظرة الوطنية حول الوظيفة العمومية إلى مكسب

في الذكرى الخمسينية لصدور النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وتحت ضغط التقارير الدولية التي تشير دائما لغياب الحكامة الجيدة، تقرر رسميا تنظيم مناظرة وطنية في أفق إصلاح هذا النظام. وخصوصا “استرجاع ثقة المواطن في الإدارة المغربية ” كما جاء على لسان عباس الفاسي أثناء افتتاح المناظرة. وللإشارة فالمناظرة الوطنية من المفروض أن يحضرها الفرقاء الاجتماعيون بمن فيهم المركزيات النقابية. ومن جهة أخرى فإن الوزراة المنتدبة المكلفة بتحديث القطاعات العامة سبق لها أن تحدثت عن فتح أوراش تتعلق بتجديد نظام الترقية، ونظام التنقيط، ومنظومة الأجور وغيرها.

حينما أعلن عن إضراب 13 فبراير2008 لم تخرج لائحة المطالب التي أعلنتها المركزيات النقابية عما سبق الإعلان عنه في المشاريع الرسمية المؤتمرة بالتقراير الدولية. هذا إذا استثنينا الدخول في بعض التفاصيل كملف الأعوان مثلا، هذه الفئة المقهورة وطنيا التي حركت ملفها بنفسها في إحراج واضح للمركزيات النقابية التي تريد اليوم الركوب عليها بعد أن وصل-نتمنى- إلى مراحله النهائية.

لسنا هنا نناقش هل انعقاد المناظرة جاء بقصد تصحيح المسار، أم بقصد الاستهلاك الإعلامي الداخلي والالتواء على مقترحات المؤسسات الخارجية كما هو معهود. وإنما يهمنا ذلك السبق في إعلان الإضراب ونوعية مطالبه، وكأن الأمر يتعلق بالاستفادة مما تم استراق السمع إليه، فيكتب تنظيم المناظرة الوطنية وما تفضي إليه من نتائج -علمتنا التجارب أنها تسطر قبل التناظر- يكتب في صحائف من دعوا إلى الإضراب الذي حقق مبتغاه في وقت قياسي عالميا مابين 13 و25 من نفس شهر فبراير!

نعم للإضراب، فهو مكسب للعمال قبل دعوى اعتراف الدستور به، لكن حين تكتمل شروطه. وأهمها وضوح الرؤية لدى المسئولين النقابيين أولا، ولدى الفئات المعنية خاصة، ولدى الشعب المغربي عامة.

نتساءل كم دراسة قامت بها المركزيات النقابية، المضربة منها وغير المضربة، ترتبط بالانعكاسات السلبية للنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؟ أية نتائج؟ أية مقترحات خرجت بها وأية مشاريع؟ أين نشرت ومتى وزعت؟ كم تجمعا قطاعيا عقدته النقابات المعنية؟ كم تجمعا عاما عقدته كل مركزية على حده توضح فيها رؤيتها بعدما اكتملت بالبحث الدقيق المعتمد على المناهج العلمية؟ ما هي التعهدات التي التزمت بها النقابات والمركزيات أمام منخرطيها والمتعاطفين معها؟ ما هي درجة التعبئة التي أحدثتها هذه الرؤية الواضحة، وبالتالي ما هي درجة اطمئنان واعتماد القيادات النقابية على دعم صفوفها الخلفية؟

1-2- التوظيفات السياسوية لإضراب 13 فبراير 2008

عزوف ثمانين في المئة من الناخبين (د. بنعلي، الأحداث المغربية، 7 فبراير 2008) المغاربة في انتخابات 7 شتنبر2007 أفرز تململا حزبيا، وابتعادا نسبيا عن موقع المساندة والحديث عن “الإصلاحات” خصوصا لدى أحزاب معارضة الثمانينيات، والتي تعترف بفقدان الثقة في السياسة والسياسيين. تململ يجعل “الرهان الأساسي هو إعادة المعنى للسياسي وإعادة الأمل والتعبئة…و تجديد النقاش والممارسة السياسيين… وإعداد الاستحقاقات الانتخابية بدأ بالانتخابات المهنية والجماعية لسنة 2009” (بيان اليوم، 15 فبراير2008). في حين بدأ إعلام الاتحاديين المكتوب ينفض الغبار عن بعض مصطلحاته وأساليبه المعارضة، حتى وإن كان شريكا في حكومات “الإصلاحات والأوراش الكبرى” ولا يزال في حكومة عباس-المغرب التي لم تبلغ النصاب الانتخابي. فهل يستطيع خطاب معارضة مستعارة من رفوف الماضي وممارسة نقابية بنكهة الصراع الطبقي، أن يعيدا للمشهدين السياسي والنقابي حرارتهما المفقودة في أفق الانتخابات المهنية والجماعية لسنة 2009 ؟

1-3- التوظيفات اللااجتماعية: سرقة ثمرة الاحتجاجات الشعبية

قبل التوقيع على “ميثاق الشرف” استعدادا لطبخة التوافق والتراضي، كانت المركزيات النقابية، جلها على الأقل وعلى رأسها الك.د.ش، سباقة إلى التنديد بأي قرار يستهدف المس بالقوت اليومي للفئات الشعبية. بل كانت المركزية النقابية تؤطر النضالات الجادة والمسئولة إلى أن يتم التراجع عن القرارات الجائرة.

في حين، ومنذ ذلك التوقيع بدأ التراجع عن ذلك الدور إلى أن بلغ أسفل الدركات عندما خرج الشعب يحتج على غلاء المعيشة والماء والكهرباء، وتغيبت النقابات! واليوم، وبعد الهدوء النسبي لأحداث صفرو الأليمة، أطلت علينا بعض المركزيات النقابية لتعلن إضرابا على مقاسها اقتصر على الوظيفة العمومية وليس إضرابا عاما.فمن يرفع الملف الاجتماعي لعامة الشعب؟ ماذنبها؟ ألأنها خارجة عن التغطية، بحكم تعطيلها وعدم انخراطها في أية نقابة مهنية، وبالتالي لا رهان على أصواتها في الانتخابات المهنية. أم أن ضرورة الحفاظ على التوازن الاجتماعي اقتضت، بإيعاز من فوق،عدم اللعب بالنار مع الطبقة الوسطى المتعلمة حتى لا تنهار و تلتحم مع طوابير المهمشين.

سواء تعلق الأمر بحركة انتهازية انتخابوية، أو بتحريك متحكم فيه عن بعد،أو حتى عن يقظة ضمير. فإن الاهتمام بشريحة أو فئة عندما يلحقها حيف دون غيرها لا يجادل فيه أحد. أما والأزمة عامة فلا معنى للتجزيئ وإلا فهو الترقيع إن حسنت النيات، أو هو للأسف الشديد تفكيك للنضال الجماهيري وتبويب معالجته تبعا للمنهجية الأمنية بغية محاصرته: كل في حصنه، كل له خطابه، كل له ملفاته ! هذا وكأن الدفع نحو بناء سياسة اجتماعية متكاملة ومتوازنة ترعي مصالح الأغلبية المقاطعة، استعصى على شيوخ المركزيات النقابية ونظرائهم الرسميين. أم أن عيونا أصابها العمى، وآذانا أصابها الصمم، وأفواها أصابها البكم !.

ألا يزال زعماؤنا النقابيون قادرين على طرح الأسئلة الاجتماعية الكبرى من باب: من المسئول حقيقة على الوضع الكارثي-بإجماعهم هم- الذي وصلت إليه البلاد؟ أهو بالفعل وحده النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية؟ هذا الذي لا كرسي له، ولا مكتب ولا ديوان، ولا بطانة ولا عنوان. نريده أن يكون كبش فداء، نريد أن نلبسه عباءة الفشل الكارثي فنجمع عليه الراجمين. طيب لا خلاف في التعديل أو في التحيين أو حتى في التبديل. هذا مصير كل القوانين والنظم متى ما ثبتت الحاجة إليه. و تغيير النظام الأساسي للوظيفة العمومية لازم لكن غير كاف. سأسوق مثالين اثنين:

المثال الأول: المبادرة الوطنية للتنمية البشرية

ألم تأت هذه المبادرة في حلة معاصرة، وخططت أوراشها ورسمت أهدافها تبعا لفلسفة تدعي محاربة الفقر؟ ألم تتجيش لها الأحزاب السياسية والمركزيات النقابية واعتبرتها بمثابة السلاح البتار ضد التهميش والإفقار؟ فماذا كانت النتيجة. ألم يصنف التقرير العالمي للتنمية البشرية المغرب في الرتبة 126 بعدما كانت 123 قبل الإندهاش؟

المثال الثاني: الميثاق الوطني للتربية والتكوين

ألم يكن هذا الميثاق نتاجا لجهد الخبراء والباحثين وتجارب الأمم وممثلي الأحزاب والنقابات التعليمية؟ ألم يعط صفة الإجماع الوطني، وسهر على أجرأته وزراء من صف المعارضة؟ ألم يضع الخطاب الرسمي قضية التعليم في الرتبة الثانية بعد قضية التراب الوطني؟ فماذا كانت النتيجة. ألم يضع تقرير البنك الدولي نظامنا التعليمي في مؤخرة النظم التعليمية؟ ألا “تؤشر التقارير عن التعليم على أن النزيف سيستمر 20 سنة إضافية قبل ظهور أولى بواكير إصلاح محتمل النجاح”؟ (مصطفى بوعزيز، الأحداث المغربية،7 فبراير2008 )، فمن يتحمل المسئولية ؟ أي معنى يبقى لمفهوم الإجماع الوطني إن لم يكن ضمانا للنجاح؟ أية ثقة تبقى للمواطن حين ولادة مشروع جديد يحصل على إجماع المجمعين ويسمى وطنيا؟

نخلص في الأخير إلى أن السؤال الصحيح هو وحده الكفيل بإيجاد الجواب الصحيح. ونعتقد أنه، ولحد الأن، لم تطرح المركزيات النقابية السؤال الحقيقي اجتماعيا، وبالتالي فإن المعارك التي تخوضها اليوم هي بمثابة مسكنات وليست دواء.