سؤال: شكلت “رسالة الإسلام أو الطوفان” التي وجهها الأستاذ عبد السلام ياسين للملك الراحل الحسن الثاني الأساس التي بنت عليه الدولة نوع التعاطي مع أي مشروع حركي يدعو إليه الأستاذ عبد السلام ياسين. في نظركم ما هي الرسائل التي قصد ياسين توجيهها للملك الراحل، وكيف تم استقبالها؟ وهل يمكن اعتبار هذه المحطة هي المحدد الأساس لموقف الدولة من جماعة العدل والإحسان لاحقا؟

الجواب: كان يريد الأستاذ عبد السلام ياسين من الملك الراحل الحسن الثاني التوبة إلى الله عز وجل وتطبيق الإسلام في نفسه وفي الدولة المغربية على كل المستويات، والخروج بالإسلام من مجرد الشعار إلى التطبيق الفعلي والعملي، الذي من مقتضياته الشورى والعدل وكرامة الإنسان وتهيئ الأرضية الصالحة للارتقاء في مدارج الإيمان والإحسان، وكان النموذج الذي قدمه الأستاذ عبد السلام ياسين من أجل الاقتداء هو عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. إلا أن الرد الذي اختاره الحسن الثاني كان هو الزج بالأستاذ ياسين في مصحة للأمراض العقلية وتجاهل نصيحته التاريخية. ولقد أيقن النظام المغربي منذ ذلك الحين أن هذا الموقف الواضح والشجاع للأستاذ عبد السلام أكبر من أن يكون مناورة سياسية أو تحركه حوافز دنيوية، وبالتالي عدم جدوى كل محاولات الاحتواء والإغراء مع الأستاذ عبد السلام ياسين ومع مشروعه الدعوي والتربوي، ليبقى الاختيار الوحيد في التعامل هو الحصار عبر أشكال متعددة ومختلفة.

سؤال: بعد تبلور المشروع الحركي والسياسي للأستاذ عبد السلام ياسين وبعد رفع شعار العدل والإحسان سنة 1987 تعرضت الجماعة لحملة من الاعتقالات طالت مناضليها في العديد من المدن وانتهت باعتقال مجلس الإرشاد وفرض الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين، في نظركم هل كان هذا التعاطي من الدولة كرد فعل لطبيعة التحول التي حدثت في العناوين الكبرى للجماعة بعد سنة 1987؟

الجواب: لم تكن حملة الاعتقالات التي انطلقت سنة 1987 تحولا أو أمرا جديدا في التعامل مع العدل والإحسان، ولكنها كانت تندرج في سياق الحصار الذي لجأت له الدولة منذ البداية في التعامل مع الجماعة ومع مشروعها الدعوي والتربوي. ففي سنة 1983 تم اعتقال الأستاذ عبد السلام ياسين بسبب افتتاحية العدد العاشر من مجلة الجماعة بعنوان “قول وفعل”، والتي كانت ردا على الرسالة الملكية “رسالة القرن”، وارتباطا بذلك تم اعتقال العديد من مسؤولي الجماعة وأعضائها سنة 1984. واستمرارا في نهج الحصار هذا كان اعتقال مجلس الإرشاد وفرض ما أسميته بالإقامة الجبرية على الأستاذ المرشد سنة 1989. أقول هذا الكلام لأنه في سنة 1987 لم يحدث تحول في العناوين الكبرى للجماعة، وإنما فقط حدث التعبير عنها لأن هذه العناوين كانت موجودة منذ وضع المنهاج النبوي في بداية الثمانينات.

سؤال: كيف تقرأ فرض الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين؟ هل كانت تندرج ضمن استراتيجية المواجهة الشاملة؟ أم استراتيجية التحجيم وإضعاف الجماعة؟

الجواب: التمييز بين استراتيجية المواجهة الشاملة واستراتيجية التحجيم وإضعاف الجماعة يلزمه شيء من الدقة، لأن أي محاولة للتحجيم أو الإضعاف هي تدخل في استراتيجية المواجهة. على كل حال لم تكن في حق الأستاذ ياسين إقامة إجبارية، لأن الإقامة الإجبارية كما هو معلوم تكون بحكم قضائي وهذا ما لم يتم، وكل ما كان حصار تعسفي ظالم، كان الغرض منه فصل الرأس عن الجسد، ومنع ذلك التشرب التربوي الذي يحصل عند لقاء الأستاذ المرشد، والذي يكون من نتائجه ارتفاع الهمم والتطلع لما عند الله عز وجل واسترخاص كل شيء في سبيل الدعوة إلى الله، إلا أن ما تم نسيانه أن منع لقاء الأجساد لا يعني بالضرورة منع لقاء الأرواح، وأن هناك روابط إيمانية إحسانية لا يمكن أن يطالها الحصار بأي شكل من الأشكال، ولعل هذا ما يفسر التزايد والإشعاع الدعوي الكبير الذي عرفته الجماعة بعد حصار المرشد واعتقال مجلس الإرشاد، مما سيضطر السلطة إلى أشكال أخرى للحصار كان من أبشعها القمع الوحشي الذي تعرض له طلبة العدل والإحسان ابتداء من سنة 1996.

سؤال: كانت الدولة بين الفينة والأخرى تحرك مفاوضات سرية بينها وبين قيادة الجماعة، هل كان ذلك يندرج في إطار البحث عن تسوية لطي صفحة سياسة شد الحبل بين الجماعة والدولة؟ أم أن ذلك كان جزءا من استراتيجية استهداف الجماعة تعتمد أسلوب المناورة السياسية عوض المواجهة الأمنية؟

الجواب: المخزن في تعامله مع الأطراف السياسية لا يوجد في قاموسه شيء اسمه مفاوضات، لأن المفاوضات تعني قابلية التنازل من الأطراف المتفاوضة، وهو الأمر الذي لا يقبل به المخزن، وكل ما يعرفه المخزن هو الخضوع للإملاء أو القمع الذي يتخذ أشكالا متعددة، وفي أحسن الأحوال غض الطرف إذا لم يكن هناك تهديد مباشر له، لذلك لم تكن هناك أية مفاوضات سرية بين الدولة وبين قيادة الجماعة، والذي كان هو نوع من المساومة إبان فترة اعتقال مجلس الإرشاد بحيث طلبت الدولة من الجماعة أن تعترف بأمور معينة ويكون لها مقابل ذلك حزب سياسي وتنال نصيبها من “الكعكة”، وقد رفضت العدل والإحسان ذلك بقوة، لأن الأمر دعوة إلى الله عز وجل، ولأن الانسجام مع مشروع العدل والإحسان يقتضي عدم تسمية الأشياء بغير مسمياتها.

سؤال: كيف قرأت جماعة العدل والإحسان رفع الإقامة الجبرية على الأستاذ عبد السلام ياسين؟ هل يمكن اعتبار ذلك ملمحا من ملامح تغيير المقاربة في التعامل مع الجماعة؟ أم أن ذلك لم يتجاوز سقف التخلص من ملف حقوقي أثقل كاهل الدولة المغربية لمدة طويلة؟

الجواب: اعتبرت العدل والإحسان أن رفع الحصار عن الأستاذ المرشد لا يعني رفع الحصار عن دعوة العدل والإحسان، وقد عبر الأستاذ عبد السلام ياسين عن ذلك بوضوح في الندوة التي عقدها بعد رفع الحصار عليه مباشرة، بحيث أشار إلى العديد من أشكال الحصار الذي لا يزال مفروضا على الجماعة، وكان مما أشار إليه المنع التعسفي لجريدتي “العدل والإحسان” و”رسالة الفتوة”. فالأمر لا يعدو، وكما أوضحتَ، أن يكون تخلصا من ملف حقوقي ثقيل، خاصة والملك في بداية عهده كان يحتاج إلى إطلاق بعض الإشارات، واليوم يبدو أن الأمور اتضحت أكثر بحيث نرى إصرارا أكبر على محاصرة العدل والإحسان. بقي أن أشير إلى أن حتى الحصار عن الأستاذ عبد السلام ياسين رُفع جزئيا، بحيث لا يزال البوليس يرابط أمام بيته، ولا تزال هناك مراقبة مستمرة لزواره وتحركاته…

سؤال: هناك من يرى أن السلوك السياسي لجماعة العدل والإحسان في العديد من القضايا (رسالة إلى من يهمه الأمر، ما بات يعرف إعلاميا بحرب الشواطئ، الأبواب المفتوحة، رؤية 2006) دفع جهات في السلطة إلى الدفع في اتجاه اعتماد سياسة التضييق والملاحقة الأمنية ضد جماعة العدل والإحسان، وإضعاف قدراتها المالية والبشرية دون السقوط في المواجهة الشاملة، كيف تنظرون لهذا التحليل؟

الجواب: السلوك السياسي لجماعة العدل والإحسان بصفة عامة سلوك سلمي وواضح في أهدافه ووسائله وأساليبه، وعلى هذا الأساس كان ينبغي التعامل مع جماعة العدل والإحسان بحيث يُسمح لها بطرح مشروعها، ومن لهم مشروع مغاير تكون لهم نفس الحقوق، ونترك للناس الاختيار بين تلك المشاريع، ولاشك أن تنافسا سياسيا حقيقيا على أساس مشاريع واضحة كان سيخرج المغرب مما يعانيه اليوم من ركود وجمود. إلا أن النظام السياسي، وللأسف الشديد، لا يريد أي اختيار حر، وليس له مشروع حقيقي ينافس به مشروع العدل والإحسان سلميا وحضاريا، لذلك يلجأ إلى حصار العدل والإحسان ومواجهتها عبر الملاحقات الأمنية والتضييقات المادية، وغير ذلك من الأساليب الخسيسة، مع العلم أن هذه الملاحقات والتضييقات لا تزيد الجماعة إلا اقتناعا بمشروعها وإصرارا على المضي فيه.

فمشكلة النظام مع العدل والإحسان ليس هو هذا الموقف أو ذاك، ولكن المشكلة هي أن السلوك السياسي العام للعدل والإحسان يتم خارج الإطار الموضوع سلفا. فالعدل والإحسان برفضها لذلك الإطار والسياج وبإصرارها على اختيارها الحر تتعرض لما تتعرض له.

سؤال: في تقديركم، هل يمكن الحديث عن مقاربة واحدة تتعاطى بها الدولة مع جماعة العدل والإحسان قد تتخذ في محطات معينة أشكالا مختلفة؟ أم أن الدولة اعتمدت أكثر من مقاربة خاصة وان هناك تحليلا ترى أن مقاربة الدولة زمن الملك الحسن الثاني رحمه الله زادت الجماعة قوة، وأن مقاربة مرحلة محمد السادس مختلفة جذريا عن سابقتها؟

الجواب: ليس هناك أي اختلاف، هي نفس المقاربة الأمنية التسلطية تزداد حدتها وتخف بحسب ظروف دولية ومحلية، وبحسب ما يعرفه النظام السياسي نفسه من تناقضات، كما ليس هناك أي اختلاف من حيث الأثر، بمعنى أن القمع بأشكاله الجديدة هو الآخر يزيد الجماعة قوة وانتشارا، وربما بشكل أفضل، فعدد من يعرفون الآن مجالس النصيحة وبرامجها أكثر بكثير من عددهم قبل الحملة المخزنية الجديدة على الجماعة ابتداء من شهر ماي 2006، والأبواب المفتوحة التي من أجلها شنت الحملة القمعية ما كانت لتحقق تعريفا بالجماعة بالشكل الذي تحقق به ذلك اليوم بعد حملة القمع هذه…

فالصورة الواضحة اليوم لدى الرأي العام هي أن النظام السياسي يستعمل العنف في حق جماعة سلمية. واجتهاد النظام في ابتكار أشكال لقمع الجماعة يُبين يوما بعد آخر فقره الفكري وافتقاده لأي مشروع رغم كل الشعارات&

محمد منار

عضو المجلس القطري للدائرة السياسية