قبل أسابيع قليلة من ذكرى تصريح وزير الداخلية شكيب بنموسى العجيب لوكالة الأنباء الفرنسية، ربيع 2006 جاء فيه: “بتكثيفها للأنشطة تكون جماعة العدل والإحسان قد وضعت نفسها خارج دائرة القانون”، يأبى إلا أن يكون في الموعد مرة أخرى من خلال إصدار مذكرة للولاة والعمال يستنفرهم للاستمرار في التضييق على أنشطة جماعة العدل والإحسان صغرت أو كبرت، بل ذهب إلى حد انتقاد بعض الولاة والعمال واتهامهم بالتساهل والتردد في تطبيق تعليمات أم الوزارات، “وشددت المذكرة على أن جميع التعليمات التي صدرت في حق الجماعة لم تتغير، وحثت بالمقابل الولاة والعمال على السهر شخصيا، وتحت مسؤوليتهم المباشرة، وأن يتحلوا بالصرامة المطلوبة إزاء أنشطة الجماعة، وأن لا يترددوا في اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية من أجل منع تلك الأنشطة..”.( المساء، العدد:464)

عمليا المذكرة لم تأت بجديد ذلك أن عنوان مسيرة الجماعة ومنذ النشأة كان هو الحصار، ودون جدوى وظف المخزن أساليب التضييق وجرب أنماطا شتى في محاولة لكسر شوكتها واستئصالها أو احتوائها أو ضبط وتيرة نموها واتساع دعوتها وتغلغلها في الشعب؛ حقيقة أكدها الأستاذ عمر أمكاسو عضو مجلس إرشاد الجماعة ونائب أمين دائرتها السياسية جوابا على سؤال جريدة “المساء،العدد:464″، إذ اعتبر أن الدورية لم تفـاجيء الجماعة، لأن الحملة التي تقودها السلطات ضدهم لم تتغير ولم تتوقف، مثلما أكدتها الدورية نفسها عندما ذكرت الـولاة والعمـال ” أن التعليمات الصادرة في حق الجماعة لم تتغير.”

ومع ذلك لا يخلو إصدار المذكرة من دلالات ورسائل يسعى هذا المقال لاكتشافها تنويرا للرأي العام نجملها فيما يلي:

1. لا يمكن فصل الدورية رغم طابعها التذكيري من سياق عام تؤطره ثلاثة موجهات: أولها “تسونامي” 07 شتنبر2007 من خلال مقاطعة الشعب الواسعة لملهاة الانتخابات، وثانيها 8دجنبر2007 حيث أصدر المجلس القطري لجماعة العدل والإحسان وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” قدمت تقييما للأوضاع العامة بالبلاد، واقترحت مداخل لتجاوز ما يهدد السلم الاجتماعي والأمن المجتمعي، وثالثها الإعلان عن تفكيك خلية “بلعيرج” وما أحدث من حراك سياسي وحقوقي ردا على شكل تعاطي السلطة مع الملف. معطيات ووقائع تتابعت في وقت تسعى فيه السلطة لإعادة ترتيب المشهد السياسي بما ينسجم والمرحلة القادمة، وتشحذ “الهمم” استشرافا لاستحقاقات 2009 بأكبر ما يمكن من ضمانات تجنبا لإخفاق جديد.

2. تأكيد المذكرة لمنطق التعليمات الذي تقوم عليه ممارسة السلطة ضدا عن كل القوانين والشعارات البراقة من قبيل: “دولة الحق والقانون”، فقد أكدت على أن جميع التعليمات التي صدرت في حق الجماعة لم تتغير. وإذا كانت التعليمات تطارد اليوم الجماعة بما هي معارضة سياسية حقيقية تقدم تصورا تغييريا لما يتخبط فيه العباد والبلاد من معضلات وأزمات، فإن المخزن يؤكد عدم استعداده لأي إصلاح سياسي وقطع نهائي مع عهود الاستبداد وتكميم الأفواه ومصادرة الحقوق. منطق تعليمات يفضحه العدد الكبير من أحكام براءة أعضاء الجماعة المتابعين بعقد اجتماعات عمومية دون ترخيص، وبالتالي قانونية الجماعة.

3. رفعت المذكرة الحرج عن أعوان السلطة على تفاوت رتبهم الوظيفية، فهم ـ مجرد ـ منفذون لأوامر عليا انتقلت من المستوى الشفهي والفاكس إلى المستوى المكتوب الموثق والمعلن، مثلما وفرت تغطية لأي تعسف يطال المستهدفين بالحملة التضييقية، وبعيد أيام من صدور المذكرة، جاء اقتحام مقر دار الشباب لمنع نشاط جمعوي ـ صبيحة للأطفال ـ وعدم تمييز هراوات المخزن لأجساد الأطفال الفتية في تاوريرت.

4. استعمال السلطة لما يصطلح عليه بالسرعة النهائية في العدو الريفي بدعوة الولاة والعمال للإشراف الشخصي على حملات التضييق التي تستهدف أنشطة العدل والإحسان صغرت أو كبرت، ” فقد حثت ـ المذكرة ـ الـولاة والعمال على السهر شخصيا، وتحت مسؤوليتهم المباشرة، وأن يتحلوا بالصرامة المطلوبة إزاء أنشطة الجماعة، وأن لا يترددوا في اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية من أجل منع تلك الأنشطة..”، وكأن أنشطة الجماعة هي سبب بلايا المجتمع من تردي تعليم وفسـاد إدارة وبـوار مخططات التنمية، وفشو للفواحش تهدد الاستقرار المجتمعي.

5. تجسد المذكرة مفارقة غريبة فجماعة العدل والإحسان سلمية بعيدة عن كل أشكال العنف والتعنيف، تصورها ومنهاجها التغييري للانسان والواقع مبسوط منشور في كتبها، وسائل عملها بل وأجهزتها التنظيمية معروفة لدى الخاص والعام، فهي في كلمة واحدة ليست انقلابية ولا ثورية ومع ذلك يوقع المخزن في شخص وزير الداخلية على مذكرة التضييق عليها قبل أن يطير إلى مانهاست ليعرض على جبهة البوليساريو الانفصالية حكما ذاتيا في الأقاليم الصحراوية، بعد حروب استنزفت مؤهلات المغرب البشرية والمالية.

6. يبقى جديد المذكرة وبامتياز هو تخويف الشعب المغربي من خلال تعميمها على وسائل الإعلام بشكل غير مسبوق، فهي تحذره من حضور أنشطة الجماعة كيفما كانت، لا فرق في ذلك بين نشاط جمعوي مرخص له، وبين دعوة لحفل زفاف أو عقيقة أو حتى مأتم أو عزاء؛ ولا يستبعد في الذكرى المقبلة لحملة التضييق أو تمنع السلطة الشعب من الصلاة بجانب أعضاء العدل والإحسان في مسجد أو مصاهرتهم أو الاتجار معهم أو مجاورتهم أو الركوب مع أحدهم في حافلة أو عربة قطار، وقد يوظف المخزن هذه المرة منابر الجمعة ضمانا لنشر “الترهيب” على أوسع نطاق.

حملة مخزنية قديمة تتجدد ضد جماعة اكتسبت المناعة ضد أساليب التضييق، بل نجحت في استثمار الحصار والتعتيم فكثرت سوادها ووسعت دائرة التعاطف مع مشروعها وخياراتها، بل واقتحمت قلاعا كانت حكرا إلى عهد قريب على تنظيمات سياسية معينة؛ وبقدر ما يزداد التضييق حدة تبتكر الجماعة أساليب جديدة دعوية وتواصلية مع مختلف الفئات الشعبية.