أجرت أسبوعية الحياة الجديدة في عددها الأخير مقابلة صحفية مع الأستاذ عمر أمكاسو، عضو مجلس الإرشاد ونائب الأمين العام للدائرة السياسية ومسؤول المكتب الإعلامي، تطرقت للعديد من القضايا المهمة: القمع المسلط على الجماعة، منع التضامن مع غزة، قضية “بلعيرج”، وحركة “الهمة”، ومستقبل العلاقة بين الدولة والإسلاميين… فإلى نص الحوار:

سؤال: كيف تفسرون عودة المواجهة بين الدولة وجماعة “العدل والإحسان”؟.

جواب: بسم الله الرحمن الرحيم .

لتفسير ذلك أؤكد على مسألتين: أولاهما أن الأمر لا يتعلق بمواجهة يشارك فيها الطرفان كما يوحي بذلك السؤال وكما تنشر بعض الأقلام، بل كل ما في الأمر أن السلطات المخزنية تشن حربا شعواء وشاملة على الجماعة وأنشطتها وأعضائها، بينما الجماعة بفضل الله تعالى ماضية على دربها ومتمسكة بمبادئها المعروفة وخاصة رفض تبني العنف والسرية والارتباط بالخارج، هذه المبادئ التي أعلنها مرشدها منذ بداية الثمانينيات، في وقت كان فيها أغلب العاملين في الحقلين السياسي والدعوي يرفضون هذه المبادئ ويصمون من يدعو إليها بالعمالة والجبن والخضوع. فالأمر إذن عبارة عن حرب من طرف واحد، والمسألة الثانية هي أن الحملة على الجماعة ليست جديدة وقد رافقت جميع مراحل عملها منذ التأسيس، لكنها عرفت تصعيدا نوعيا منذ ماي 2006، حيث امتدت إلى تشميع البيوت ومنع الأنشطة الإشعاعية والجمعوية للجماعة وللجمعيات المتعاطفة معها، والتضييق على الأعضاء والأنصار في وظائفهم وأرزاقهم، واعتقال آلاف من الأعضاء وإنجاز محاضر قضائية لبعضهم وتقديم المئات إلى المحاكمات وإصدار أحكام عليهم، وغيرها من صور التعسف والظلم المسلطة على الجماعة، ولم تتوقف هذه الحملة طيلة هذه المدة لنتحدث عن تجديدها، وإن عرفت نوعا من الخفوت في بعض الأحيان، كل ما في الأمر أن الجماعة بفضل الله تعالى استطاعت أن تتكيف مع هذه الأجواء وأن تستمر في أنشطتها ودعوتها، وأن تكسب مواقع متقدمة وجديدة في تغلغلها وتوسعها كميا ونوعيا، وهذا ما أغاض الأطراف المتزعمة لهذا الأسلوب التصعيدي، ولذلك يحاول هؤلاء يائسين أن يشددوا الحملة وأن يرعبوا الجماعة من خلال تسريب خبر هذه المذكرة إلى العموم، وهم أول من يعلم بالتجربة بل بالتجارب المتكررة، أن هذا عبث في عبث وتضييع لمقدرات الدولة ولأموال الشعب، ومحاولة يائسة لإلهاء الشعب عن المشاكل والاختلالات التي سببتها سياستهم غير الرشيدة.

سؤال: ألا ترون داخل الجماعة أن المواجهة قد تكون مرتبطة بالسياق الداخلي، سيما بعد اعتقال قيادات سياسية إسلامية تتهمها وزارة الداخلية بالارتباط بالإرهاب؟.

جواب: أخي الكريم، إن المخزن لم يكن في حاجة إلى مثل هذا السياق ليشن حملته على الجماعة، فقد كان ذلك ديدنه قبل حدوث ما حدث، كما أن المخزن يعلم أكثر من غيره موقف الجماعة من العنف. أقول هذا بعدما أطرح أكثر من سؤال حول الرواية المخزنية بصدد هذا الحدث، والتي أصبح الجميع يشككون فيها.

سؤال: ثم ألم تأخذ الجماعة، وهي تدعو إلى هذه الوقفات، في حسبانها مثل هذه المعطيات؟.

جواب: إن لجماعة العدل والإحسان مشروعا شاملا، وقد طرحت معالم هذا المشروع في كتبها ومنشوراتها المكتوبة والمسموعة والمرئية، وترجمت معالمه في سلوكها السياسي الدعوي، وهي لا تتأثر بمواقف الخصوم وإن كان لابد من استحضارها في الحسبان، وليست مستعدة لتغيير مواقفها وبرامجها بسبب هذه الحملة أو غيرها، خاصة إذا كان الأمر يتعلق بنصرة قضية يجمع المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها بكل مكوناتهم أنها قضيتهم الأولى والمركزية، ألا وهي القضية الفلسطينية، ثم إن المرحلة الحساسة التي تجتازها هذه القضية، وخاصة في غزة العزة لا تسمح لأي كان أن يضرب الحساب لردود الفعل المتوقعة من أي طرف كان، فالأمر لا يتعلق بمناورة سياسية يمكن تأجيلها، بل الأمر واجب ديني وقومي وإنساني يعلو على كل الاعتبارات، وهنا أذكر عبارة لأحد قياديي الجماعة علق بها على التدخلات العنيفة للمخزن لمنع هذه الوقفات، وهي قوله “لنا الشرف العظيم أن تختلط دماؤنا مع دماء شهداء أهل غزة الزكية” فإزاء المحرقة الصهيونية في حق أهلنا الصامدين في غزة خاصة وفلسطين عامة، من المخجل، بل من النكوص والخذلان أن نلقي بالا لحسابات المخزن وسياسته. ومن السذاجة أن ننتظر من المخزن، وقد خبرناه كما جميع المغاربة، أن يفسح لنا المجال لنقوم بواجبنا تجاه قضايا أمتنا وعلى رأسها القضية الفلسطينية، وما اقترفته أياديه الآثمة في حق الوقفات والأنشطة التضامنية الأخيرة مع غزة يفضح سياسته ويعريها، علما بأن ذلكم التدخل العنيف لم يطل أنشطة العدل والإحسان وحدها بل طال أنشطة جل المكونات الأخرى، مما يزيد موقف المخزن فضحا وخذلانا. ولا أخفي هنا أن هذا الموقف يشعرني أحيانا بالخجل وأحيانا بالعطف على هؤلاء الذين وصل بهم الخضوع والخنوع إلى هذا المستوى من الخسة بحيث يسلطون بطشهم على أبرياء يريدون أن يعبروا بشكل سلمي حضاري عن نصرتهم لإخوانهم في فلسطين.

سؤال: لماذا فضلت الجماعة تنظيم هذه الوقفات مع “التوحيد والإصلاح”، هل يرتبط هذا القرار بمستجد على مستوى العلاقة بينكم وبين “التوحيد والإصلاح”؟. ولماذا ليس مع العدالة والتنمية؟.

أولا، نحن نؤكد دائما أن أيادينا ممدودة للجميع للتعاون في القضايا الداخلية والخارجية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، ولم نستثن أي طرف من دعوتنا للميثاق ولحلف الإخاء، وقد بسطنا ذلك في بياناتنا ومنشوراتنا وآخرها وثيقة “جميعا من أجل الخلاص” وحاولنا ونحاول دائما تجسيد هذا الخيار الاستراتيجي في مواقفنا وأنشطتنا. وثانيا، ليس هناك تنسيق رسمي بالمعنى الكامل للكلمة مع الإخوة في “التوحيد والإصلاح” في هذه الوقفات، بل هناك مبادرات محلية نعتز بها ونشجعها وندعو إليها باستمرار، ليس مع التوحيد والإصلاح وحدها، بل مع جميع المكونات الدعوية والسياسية، وهذا ما وقع في بعض المدن، حيث نظمت الأنشطة التضامنية مع فلسطين مع فعاليات سياسية ونقابية وجمعوية متنوعة المشارب.

سؤال: المنع طال أيضا، في بعض الحالات، مجالس النصيحة، هل يؤشر هذا على عودة أجواء 2006؟.

لقد سبق أن أكدت لك أن حملة المخزن ضدنا حملة شاملة، وحرب شعواء استعملت فيها أقذر الوسائل وأنذلها بما فيها المساومات والإشاعات ومحاولة بث الفرقة في الصف، وهذه الحملة لم تتوقف وإن تراجعت حدتها أحيانا، والأطراف المسؤولة عن ذلك تعلم أكثر من غيرها أن صف الجماعة بفضل الله تعالى ثم بفضل ارتكاز دعوتنا على البعد التربوي الإيماني، هذا الصف أقوى وأشد تماسكا من أن تنال منه هذه المحاولات. ومع ذلك نعبر عن كامل أسفنا على هذه الخيارات الطائشة التي تبدد إمكانيات الدولة وأموال الشعب في معارك مجانية معروفة النتائج سلفا، ففي الوقت الذي تحاصر فيه كتائب الأمن والداخلية بكل أصنافها بالمعنى الكامل للكلمة بيوت أعضاء الجماعة، وتقضي الأوقات الطوال في ذلك، نجد انتشارا كاسحا للجرائم والموبقات والرذائل بكل أنواعها، حتى أن المواطنين في المدن وكذا في البوادي لم يعودوا آمنين على أرواحهم وممتلكاتهم وأعراضهم. وفي الوقت الذي تبذر فيه أموال الشعب على التنصت على هواتفنا وتتبع حركاتنا وسكناتنا ومحاكماتنا، ينخر الفقر بل التفقير أوساطا واسعة من شعبنا، ويحرم عموم الشعب من الحاجيات الأساسية في ظل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية المزعومة والفاشلة للأسف الشديد، ولست هنا أتشفى من السياسات المخزنية التي تنزل علينا التقارير الدولية بفضحها وكشف سوءاتها باستمرار، لكنني أتأسف صراحة على هذا التدبير الفاشل والمصر على الفشل رغم كل شيء.

سؤال: لماذا تدعون إلى التضامن مع قطاع غزة وليس مع كامل الفلسطينيين، أليس هذا موقفا قد يؤثر على مستوى التضامن مع الفلسطينيين؟ ولماذا لم تدع الجماعة إلى وقفة مركزية أو مسيرة على غرار المرات السابقة، التي تظاهر فيها المغاربة مع الفلسطينيين، ألهذا علاقة بموقف بعض أطراف مجموعة العمل الوطني للتضامن مع الشعبين الفلسطيني والعراقي؟.

جواب: نحن نتضامن مع فلسطين بكاملها باستمرار، وإن غلب عنوان غزة على أنشطتنا التضامنية الأخيرة فلسبب موضوعي هو التطورات المأساوية التي تشهدها غزة العزة، مما جعلها عنوانا بارزا للقضية برمتها، وإلا ففي شعاراتنا ولافتاتنا وبياناتنا نستحضر فلسطين كلها من البحر إلى النهر. وقد أسسنا هيئة خاصة تتعاطى وتتفاعل مع هذه القضية كلها إلى جانب باقي قضايا الأمة، وهي الهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة التي تتصدى لهذا الواجب. وخيارنا الاستراتيجي هو أن نبقي القضية الفلسطينية وباقي قضايا أمتنا العادلة حاضرة بقوة في وجدان شعبنا المغربي الأبي الذي عودنا وقوفه الدائم مع هذه القضايا، وأن نواجه ونفضح خيار التطبيع والصهينة والقبول بالأمر الواقع، وكذا التعاون مع جميع الهيئات ذات الاهتمام المشترك مثل مجموعة العمل الوطني للتضامن مع الشعبين العراقي والفلسطيني والجمعية المغربية لمساندة الكفاح الفلسطيني وتنسيقية المؤتمر القومي الإسلامي وغيرها. ونحن مستعدون دائما للمشاركة في كل نشاط لنصرة فلسطين ونحرص دائما لتكون هذه القضية عنوانا من العناوين التي توحد جهود الجميع وتفتل في حبل ما ننادي إليه من تكثيل الجهود والسعي نحو ميثاق جامع.

سؤال: خارج هذه المواجهة هل هناك من تواصل مع الدولة؟.

جواب: تواصل الدولة معنا هو ما تتابعه في الإعلام وخاصة في موقع الجماعة من اعتقالات ومحاكمات ومنع لأنشطة أي جمعية فيها أعضاء من الجماعة وإن تعلق الأمر بصبحية للأطفال كما وقع في تاوريرت يوم الأحد الفارط حيث اعتقل ستة إخوان وأختين وثلاثة أطفال، أو بحفلة عائلية جديد كما وقع في مراكش في نفس اليوم، حيث اعتقل خمسة عشر أخا كانوا في ضيافة الأستاذ المحامي عبد الحميد كابا بمناسبة سكنه الجديد، وقدموا إلى المحاكمة، واعتقال ثلاثين أخا في وجدة ليلة الإثنين وغيرها من أشكال التعسف والظلم. ودولتنا على كل حال عودتنا أن القمع والإقصاء هو عنوان تواصلها مع من يعارضها ويرفض الإذعان لها، ومن قبل ذلك فله الامتيازات المطلقة.

سؤال: كيف تنظر الجماعة إلى اعتقال قيادات سياسية محسوبة على الصف الإسلامي، ألا يؤدي الأمر، إذا أدان القضاء المعتقلين، إلى زيادة التوتر بين الدولة والإسلاميين؟.

جواب: سبق لي أن تحدثت عن هذه الاعتقالات، وأكدت أن جل المتابعين لهذه القضية يشككون في الرواية الرسمية، كما أن الأستاذ فتح الله أرسلان الناطق الرسمي للجماعة عبر عن موقف التنديد باعتقال تلك القيادات السياسية المعروفة عند الجميع بخياراتها السلمية والمدنية، وقد أصدرت الهيئة الحقوقية التابعة للدائرة السياسية للجماعة بلاغا في هذا الصدد نددت فيه بما رافق القضية من تعسفات مثل الاختطافات والتصريحات الرسمية التي استبقت القضاء. هذا عن موقفنا، أما عن الخوف من ازدياد التوتر بين الإسلاميين والدولة في حالة إدانة هذه القيادات، فأخشى فعلا أن تكون هناك أطراف في السلطة، يسميها البعض بالاستئصاليين، تحاول الركوب على هذه المناسبة لتحقيق أهدافها، وأظن أن هذه الأطراف بسعيها هذا تلعب بالنار وتريد أن تزج بالبلاد في أتون الفتنة لحسابات سياسوية ضيقة ولإرضاء أطراف خارجية توفر لهم المظلة والدعم، وأرجو أن يتعاون الجميع من عقلاء هذا الشعب ـ وما أكثرهم ـ لتفادي هذا المصير الكارثي الذي ما فتئنا نحذر منه، وللتصدي المعقلن لمشاكل البلاد وعلى رأسها استشراء الاستبداد والفساد وفشل تدبير الشأن العام وما خلفه ذلك من معاناة غالبية الشعب، فواقعنا حساس جدا خاصة في ظل تصاعد غلاء المواد الرئيسية وتوالي فشل التدبير الحكومي لعدد من الملفات وعلى رأسها التعليم، ومن العبث والسذاجة والغفلة أن نترك الزمام في أيادي لا تراعي إلا مصالحها الخسيسة ومصالح أسيادها في الخارج، ولا تلقي بالا لمصلحة الشعب بل وحتى لمصلحة الدولة نفسها، وإلا كيف يمكننا تصور فتح كل هذه الجبهات دون حسبان العواقب الخطيرة لذلك، هذه العواقب التي لن تستثني أحدا لا قدر الله، يقول الله تعالى: (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خاصة وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

سؤال: أعلنت “حركة كل الديمقراطيين” التي يقودها فؤاد علي الهمة عن عزمها مواجهة الإسلاميين، كيف تردون على هذا الموقف؟.

جواب: أولا في قاموس الديمقراطية الحقيقية، التي يزعم هؤلاء تبنيها، ليس هناك مكان لمصطلح المواجهة، إنما المسلك في الديمقراطية هو المنافسة الشريفة التي تستند إلى البرامج والمواقف والعمل الدؤوب من أجل تحقيق كرامة المواطن ورفاهيته، بينما مصطلح المواجهة ينتمي إلى حقل الاستبداد والإقصاء والديكتاتورية وفرض الرأي الأوحد. فليختر القوم لأي من الحقلين ينتمون؟

وثانيا إن الكل قد فطن إلى اللعبة الموجودة وراء هذه المبادرة المخزنية الجديدة/القديمة، ونريد بهذه المناسبة أن نؤكد لهؤلاء ولغيرهم بأن استرجاع مصداقية الحاكمين السائرة دائما في طريق الانهيار، وقد رأينا جميعا كم تساوي هذه المصداقية في انتخابات 7 شتنبر التاريخية، لا يمكن أن تنجح بديمقراطية خمسة نجوم، وبعمل النخبة التي لفظها الشعب وخبر فشلها، وبالاستقواء بالخارج، وبالامتيازات، إن استرجاع المصداقية رهين بمراجعة جذرية لأصل الداء وهو الاستبداد وبتضافر جهود الجميع للتأسيس لعمل وطني جديد يقطع مع ماضي الجور والاستبداد ويؤسس لعمل جماعي توافقي ميثاقي لغد الكرامة والعدل والرفاهية، وهذا ما فتئنا ننادي به في كل مناسبة.