حقوق المرأة فى الإسلام هى جزء من الحقوق العامة للإنسان كما شرعها الإسلام قبل الإعلان العالمى لهذه الحقوق بأكثر من أربعة عشر قرنًا من الزمان، حيث شرعها الإسلام فى القرن السادس الميلادى بينما كان الإعلان العالمى فى عام 1948 (أي في القرن العشرين). ولا يتصور أن يكون في الإسلام أي انتقاص لحق المرأة أو حيف عليها لحساب الرجل، لأن الإسلام الحنيف هو شريعة الله عز وجل رب الرجل والمرأة معا. بيد أن مما يؤسف له أن بعض الأفكار القاتمة عن المرأة قد تسربت إلى عقول طائفة من المسلمين، فساء تصورهم لشخصية المرأة ودورها، وساء تبعا لذلك سلوكهم في معاملتها خصوصا في عصور التخلف والانحطاط حيث ابتعدت الأمة عن هدي النبوة ومنهج السلف الصالح وجانبت وسطية وعدل الإسلام.

المرأة بين طرفي نقيض ..وقضية المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية مثل بارز يجسد موقفي الإفراط والتفريط أو الغلو والتقصير، فهناك المقصرون في حق المرأة الذين ينظرون إليها نظرة الدونية والاستهانة فهي عندهم شبكة من شباك إبليس التي ينصبها للإغراء والتضليل، وناقصة عقل ودين. حيث نجد من يحبسها في البيت فلا تخرج لعمل أو طلبا للعلم ولا تساهم في أي نشاط نافع يخدم المجتمع، بينما أن حبس المرأة في البيت هـو عقوبة من تأتي بالفاحشة ويشهد عليها أربعة من المسلمين. لقد منعوها من طلب العلم والتفقه في الدين وقالوا على أبيها وزوجها أن يفقهها ويعلمها، فلم يعلمها أحد منهما لأن فاقد الشيء لا يعطيه، هذا مع علمهم أن طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، وأن من أمهات المؤمنين والصحابيات الجليلات من بلغن مكانا عظيما في العلم والفقه ورواية الحديث والفتيا إضافة إلى الشعر والأدب …

وحرموا المرأة كذلك في أحيان كثيرة من حقها في اختيار من يكون شريك حياتها، فوجدنا من الآباء من يزوج ابنته بغير رضاها بل بغير استشارتها، وهذا للأسف ما نص عليه جمهور الشافعية والمالكية والحنابلة بناء على أدلة لا تقوى على المناقشة ولا تصمد أمام حجج الخصوم حتى رفضها رجل مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم الجوزية.

وكم استغلوا في هضم حقوق المرأة وبخسها مكانتها اللائقة بها. أحاديث صحيحة وضعوها في غير موضعها أو آيات بينات من القرآن الكريم قاموا بلي أعناقها وتفسير النصوص تفسيرا مزاجيا ظاهريا واستدلوا بها في غير مكانها، مثل حديث: “النساء ناقصات عقل ودين” وحديث: “لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها”. ولم يكتفوا بذلك فجاؤوا بأحاديث لا أصل لها ولا سند، مثل: “شاوروهن وخالفوهن” أو “النساء لُعبٌ فتخيروا” أو “هلكت الرجال حين أطاعت النساء”.

في مقابل هؤلاء الذين فرطوا في حق المرأة، نجد الآخرين قد أفرطوا في شأنها وتجاوزوا حدود الله وحدود الفطرة والفضيلة. فإذا كان الأوائل هم أسرى تقاليد وأعراف شرقية موروثة وفهم سطحي للدين، فإن هؤلاء أسرى تقاليد غربية لائيكية وافدة. فمن أنصار هذا الصنف الأخير من أراد إلغاء الفوارق بين الرجل والمرأة، ونسي هؤلاء أن فطرة الله تعالى فرقت بينهما حتى في التكوين الجسدي لحكمة بالغة، وهي أن لكل منهما رسالة ووظيفة في الحياة تليق به وبطبيعته وبمؤهلاته. فالأمومة بكل خصائصها ومتاعبها هي صميم رسالة المرأة، وهذا هو الذي جعل استقرارها في البيت أكثر من الرجل. كما أن هناك من يتعسف في رد النصوص الصحيحة المحكمة دون برهان، كالذين ينتقدون آيات وأحاديث الحجاب أو ينتقدون الحديث الصحيح: “لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة”، وهو حديث صحيح رواه البخاري في جامعه، وتلقته الأمة بالقبول ولم يطعن فيه طاعن طوال القرون الماضية.

كما رأينا من هؤلاء الدعاة لتحرير المرأة من يريد تحريم ما أحل الله للرجل، مثل الزواج بأكثر من واحدة، مخالفين بذلك ما ثبت بنص القرآن الكريم وعمل الرسول صلى الله عليه وسلم وعمل صحابته والتابعين. كما رأينا من هؤلاء من يدعو إلى توريث البنت مثل ما يرث الرجل مخالفين النصوص القطعية المحكمة في الكتاب والسنة. لقد وجدت المرأة نفسها أسيرة الجهل والتقليد الأعمى للتراث الذي ولد لديها الإحساس أنها إنسان قاصر ضعيف لا يستطيع تحمل أية مسؤولية سوى في إطارها الضيق (المنزل). ومن البديهي أن يتمرد هذا الكائن  بما تحمله هذه الكلمة من معنى- ضد النموذج الذي قُدم له للدين، وللأسف لتسقط في مستنقع آخر ألا وهو جاهلية التقليد الأعمى للغرب الذي ترى فيه نموذجا للحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان.

المرأة ومسؤولية الأمانة والشهادة..إن تحرير المرأة وتوعيتها مسؤولية عظمى مشتركة بين الرجل والمرأة من أجل تجسيد تعاليم الإسلام الصحيحة الخالصة من كل تحريف، ومن أجل إبراز النموذج الإسلامي الأصيل للمرأة الحرة القوية المسايرة للركب الحضاري، انطلاقا من قوله تعالى: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر …”، حيث نفهم من الآية الكريمة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية الرجل كما هو أيضا مسؤولية المرأة، ومن أجل القيام بهذه المسؤولية لا بد من الخروج إلى الساحة السياسية وإلى ساحة التدافع المجتمعي وإلى ساحة الصراع الفكري والمشاركة في صنع القرار، ولكن في حدود ما رسمه الإسلام وفي إطار كليات وقطعيات الشرع الحنيف، ولن يتم هذا إلا بعد توعيتها بدورها الطليعي لإصلاح المجتمع والمساهمة في تطويره وتنميته، وفي هذا الصدد يقول ذ. عبد السلام ياسين في كتابه “تنوير المؤمنات” (ج. الثاني ص: 101): “ما وظيفتها في الحياة بصفتها مسلمة تنتمي إلى خير أمة أخرجت للناس؟ إسعاد أهلها وذويها من فرائض فطرتها وأمومتها، لكن ماذا تقدم من خدمة لأمتها؟”.

تقول لبابة الفضل عبد الحميد في رسالتها (المرأة: موقف رسالي وحضاري):”فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تحيطه حدود فهو يشمل القانون والنظام والدستور، بل هم أولياء بعض في كل وجوه المشاركة العامة ما دام المقصود هو النفع العام في كل شؤون الدين والدنيا، وما لم يوجد نص قطعي الدلالة يمنعها، والجميع نساء ورجالا مطالبون بالإصلاح ومحاسبون على التقصير”.

وإلى ذلك أشار الشيخ رشيد رضا بقوله: “أثبت الله للمؤمنات الولاية المطلقة على المؤمنين، فيدخل فيها ولاية الأخوة والمودة والتعاون المالي والاجتماعي وولاية النصرة الحربية والسياسية… ومن هنا كانت المرأة في العهد الرسالي الأول: مربية وداعية وفقيهة ومحدثة وتاجرة ضمن إطار ما أحله الله وخارج إطار ما حرمه الله”. وفي هذا المعنى يضيف ذ. عبد السلام ياسين قائلا في كتاب “تنوير المؤمنات” (ج. الثاني  ص: 303): “الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسؤولية مشتركة بين الرجال والنساء، هما العمل التضامني الذي يوقف الوَلاية بين المؤمنين والمؤمنات على قَدم… تدخل الصلاة وتدخل الزكاة في طاعة الله ورسوله، كما يدخل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دخولا اندماجيا لا فصل معه بين الدين والسياسة. الدين سياسة والسياسة دين. والمرأة المؤمنة كالرجل المؤمن نصيبها من المسؤولية السياسية مثل نصيبه…”.

هل للمرأة حقا مشكلة وقضية؟إننا ليست لدينا مشكلة خاصة بالمرأة منفصلة عن مشكلة الرجل كما يحلو للبعض أن يردد، بل هي مشكلة مستوردة، لأننا في التصور الإسلامي السليم نعتقد أن لدينا مشكلة واحدة هي مشكلة الفرد في المجتمع أي مشكلة الإنسان كما يقول مالك بن نبي رحمه الله: “يجب علينا أن نعطي حلا شاملا لمشكلة المرأة ونضع فوق كل الاعتبارات مصلحة المجتمع، فالمرأة والرجل يُكونان الفرد في المجتمع، فهي شق المجتمع، كما أن الرجل شقه الآخر. فرسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا أن “النساء شقائق الرجال”، لهذا كان واجبا علينا أن نضع دائما صوب أعيننا وبعيدا عن تلك الأناشيد والشعارات القائلة بتحرير المرأة، أن نضع أمامنا تقدم المجتمع وصلاحه من الناحية الأخلاقية”.

ويضيف مالك بن نبي: “فإذا ما تساءلنا هل يجب نزع الحجاب؟ أم هل يسوغ لها التدخين؟ أو التصويت في الانتخابات؟ أم هل يجب أن تتعلم؟ فلا ينبغي أن يكون جوابنا عن هذه الأسئلة بدافع من مصلحة المرأة وحدها بل بدافع من حاجة المجتمع وتقدمه الحضاري” وتشبثه بالقيم الإسلامية وتعاليم الدين السامية نظرا للخصوصيات التاريخية والهوية الحضارية التي لا يمكن تجاوزها كأحد المكونات الأساسية للأمة الإسلامية.

إن القول بوجود مشكلة خاصة بالمرأة وإعطائها صبغة عالمية إنما هو قول حق أريد به باطل، فالغرب يريد أن يرسخ في أذهاننا أن هناك مشكلة للمرأة. ربما يكون هذا صحيحا إلى حد ما وهو على أية حال واقع معاش، ولكن في حقيقة الأمر إن المشكلة ليست مشكلة المرأة فقط وإنما هي مشكلة الرجل والمرأة معا، أو بلفظ آخر هي مشكلة الإنسان داخل المجتمع. ومن وجهة النظر الإسلامية لا يمكن فصل قضية المرأة عن قضية الرجل وهمومه، كما لا يعني أن الخصم في المعركة يجب أن يكون هو شقيقها الرجل، ففكرة الصراع هاته نشأت في بيئة غربية غريبة عن مجتمعاتنا وصيغت بأسلوب شيطاني يسحر العقول الساذجة ويصور لنا أن الذي يظلم المرأة ويحرمها من حقوقها هو الرجل، ويحاولون من خلال المؤتمرات والمنتديات العالمية مثل “مؤتمر السكان”الذي عقد بالقاهرة سنة 1994 و”مؤتمر بكين” الذي انعقد سنة 1995 تمرير مثل هذه الأفكار الهدامة والتخريبية لإسقاطها على واقع أسرنا ونسائنا المسلمات.

لم تكن المرأة منعزلة عن ساحة العلم وساحة الجهاد وساحة التدافع في عصر النبوة والخلافة الراشدة بل كانت قائمة بالقسط شاهدة على عصرها تدافع الجاهلية وتغالب الطغيان والانحراف إلى جنب أخيها الرجل، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين في كتابه “تنوير المؤمنات” (ج. الثاني ص: 104): “هل كن منعزلات حبيساتِ بيوت تلك الأمهاتُ العظيمات؟ هل كان المجتمع معسكرين، رجال هنا ونساء مغيبات؟ يأتونها أرسالا يتعلمون. جمعهم العلم بعد أن جمعتهم السفينة، وجمعتهم الهجرة، وجمعهم الإيمان”.

نطمح جاهدين إن شاء الله تعالى إلى أن تهفو قلوب نسائنا المعاصرات إلى تحقيق الكمال إيمانا وعلما وخلقا، وإلى التتلمذ على مدرسة النبوة حيث تصحح المفاهيم المغلوطة من خلال النبع الصافي، وتدرك بناتنا وأخواتنا كيف تحررت المرأة في عصر الرسالة، وكيف عاشت بشخصية متوازنة. نرجو العلي القدير أن يوفقنا حتى تكون نساؤنا كما كانت الصحابيات حافظات للغيب بما حفظ الله، زوجات وأمهات صالحات، وبنات بارات، وقبل هذا ومعه وبعده إماء محسنات مجاهدات.