عقدت هيأة دفاع المعتقلين السياسيين الستة يوم الإثنين 17 مارس 2008 ندوة صحفية بمقر نادي المحامين بالرباط، وقد شكل ذلك مناسبة للوقوف على العديد من الخروقات الخطيرة التي شابت اعتقال السياسيين الستة، كما توقفت هيأة الدفاع عند العراقيل العديدة التي وُضعت في وجهها، والتي تعصف بضمانات المحاكمة العادلة، وفيما يلي النص الكامل للتصريح الصحفي الذي وزعته هيأة الدفاع:

تصريح صحفي من هيأة دفاع المعتقلين السياسيين الستةالسيدات والسادة أسرة الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع، الوطنية والعربية والدولية، تحية لكم على تلبيتكم هذه الدعوة.

تريثنا كثيرا قبل أن نعقد هذه الندوة الصحفية لإطلاع الرأي العام الوطني والدولي على مجريات قضية موكلينا الستة السادة محمد المرواني ومصطفى المعتصم ومحمد أمين الركالة وعبد الحفيظ السريتي والعبادلة ماء العينين وحميد النجيبي في إطار ما أصبح يطلق عليه قضية بلعيرج، نظرا لأننا كنا نأمل أن تعود القضية إلى مجراها الطبيعي بعد إحالة الملف على المحكمة. لكن، وقد استمر مسلسل المس بحقوق الدفاع وبأوليات المحاكمة العادلة حتى بعد وضع السيد قاضي التحقيق يده على القضية، فإننا أصبحنا مضطرين، في إطار الدفاع عن القانون وعن حقوق موكلينا في محاكمة عادلة، وعن مكتسبات حققها الشعب المغربي بكفاح مرير ولعقود، أن نعلن للرأي العام من خلال هذه الندوة الصحفية عما طال التعاطي مع هذه القضية من خروق ومن اعتداء على القانون والمشروعية، ومن محاولات للتأثير على القضاء، وللتضييق على الحقوق والحريات.

وهكذا، فمنذ أحيل موكلونا على الضابطة القضائية، فوجئنا بخروق جوهرية للقانون نوجزها فيما يلي:

1- في الوقت الذي كان فيه الملف بين يدي الضابطة القضائية، قام السيد وزير الداخلية بعقد ندوة صحفية تضمنت كشفا عن مجريات البحث التمهيدي من وجهة نظره وبطريقة توهم أن كل من اعتقل في هذه القضية وجدت في حوزته ترسانة الأسلحة التي عرضت على وسائل الإعلام. وهو بذلك أفشى سر البحث التمهيدي الذي أفشي له من طرف القائمين على هذا البحث، رغم أن القانون يمنعهم تحت طائلة العقوبات المقررة في القانون الجنائي، ورغم أن وزير الداخلية لا حق له في الاطلاع على مجريات البحث التمهيدي الذي تجريه الضابطة القضائية التي لا تخضع لسلطته والتي تخضع لسلطة النيابة العامة وحدها.

وكان السيد وزير الداخلية جازما في اعتبار المعتقلين في القضية قد ارتكبوا الأفعال المنسوبة لهم، أي أنه أعطى لنفسه الحق في إصدار حكم بإدانتهم، في محاولة مكشوفة للتأثير على القضاء.

بل إنه ذهب أبعد من ذلك عندما حذر من “التشكيك في الرواية الرسمية”، وهو يعلم، وكلنا نعلم حقيقة روايات رسمية عديدة، خلال وبعدما أصبح يعرف بسنوات الرصاص. فحاول إضفاء الحقيقة المطلقة على روايته، ومنع مجرد الشك فيها.

وصاحب ذلك تنظيم لقاءات مع مجموعة من الفاعلين، في سابقة من نوعها، لحثهم على الدفاع عن روايته وتحذيرهم من التشكيك فيها. ووصل به الأمر إلى الإفصاح عن أن الشكليات لا تهمه وأن ما يهمه هو حماية البلاد، رغم أنه من المفروض أن يكون السيد وزير الداخلية على علم بأن الشكليات هي جوهر الحقوق والحريات وأن احترامها هو أداة حماية البلاد، وأن من لا تهمه الشكليات فإنه يكون مستعدا للعصف بالقانون وبالحقوق والحريات، ويعتبر أبعد ما يكون عن حماية البلاد إن لم يكن أقرب منه إلى العمل على خرابها.

ولم يتوقف الأمر عند الندوة الصحفية، بل إن السيد وزير الداخلية استمر في طلعاته الصحفية التي تسير في نفس الاتجاه.

ولمن حاولوا الدفاع عن السيد وزير الداخلية ومن سار في ركبه، بالقول بأن قضاءنا لا يمكن أن يتأثر بكلام الوزير ولا غيره، نقول بأن الإشكال أساسا هو في الإقدام على عمل يتضمن محاولة واضحة للتأثير على القضاء وتطاولا على سرية البحث التمهيدي ومحاولة تكييف الرأي العام وإصدار حكم بالإدانة حتى قبل أن تقع متابعة المعتقلين من طرف النيابة العامة، كما نقول لهم بأن إشكالية استقلال القضاء في المغرب لا زالت مطروحة بحدة ولا زال الجميع يتحدث عن ضرورة معالجتها.

2- لم يتوقف الأمر عند السيد وزير الداخلية، بل انتقلت العدوى إلى السيد وزير الاتصال الذي جاء إلى التلفزة ليوزع الإدانات ويتحدث عن الاعترافات ويخون المشككين في روايته ورواية وزير الداخلية. فارتكب بدوره نفس الكبائر، الحصول على أسرار البحث التمهيدي وإفشائها ومحاولة تكييف الرأي العام وتهديده إن خامره الشك، والتأثير على القضاء.

3- أصدر السيد الوزير الأول مرسوما بحل حزب “البديل الحضاري” في إطار الفصل 57 من قانون الأحزاب المغربية.

هذا القرار صدر قبل متابعة المعتقلين من طرف النيابة العامة.

وتضمن بدوره إفشاء لأسرار البحث التمهيدي التي لا حق للسيد الوزير الأول في الاطلاع عليها ولا في إفشائها، عندما برر مرسومه “بثبوت العلاقة بين هذه الشبكة وتأسيس حزب “البديل الحضاري”، وتوفر قرائن تورط قادة الحزب الرئيسيين في الشبكة”. بالإضافة إلى أنه شكل محاولة أخرى للتأثير على القضاء.

لكن خطورة هذا المرسوم تنبع أساسا من عدم شرعيته وعدم قانونيته. ليس لأن الوزير الأول ليس له الحق في إصدار مرسوم بحل حزب سياسي، بل لأنه لا حق له في اتخاذ هذا القرار إذا لم تتوفر الشروط المنصوص عليها في الفصل 57 من قانون الأحزاب والذي ينص على أنه “يحل بموجب مرسوم معلل كل حزب يحرص على قيام مظاهرات مسلحة… إلخ”. وهو بذلك لا يسمح بإصدار مرسوم الحل إلا إذا كان الحزب، أي أجهزته التقريرية قد اتخذت قرارا بالقيام بفعل من الأفعال المنصوص عليها في الفصل المذكور، ولا ينص على إمكانية الحل إذا ثبت على مسؤول أو مسؤولين في الحزب قيامهم بأحد تلك الأفعال، وبالأحرى إذا كان أعضاء الحزب أنفسهم لم يتابعوا ولم يدانوا من طرف القضاء بمقتضى أحكام نهائية.

وبذلك فالسيد الوزير الأول خلط بين الشخص والمؤسسة الحزبية، وأدان قبل المتابعة.

4- عرفت هذه القضية استغلالا غريبا ومخيفا لوسائل الإعلام الرسمية من طرف وزارة الداخلية ومن يسير في ركبها، من أجل الترويج لما سمي بالرواية الرسمية وللنيل من موكلينا والمس بكرامتهم والتشهير بهم ومحاولة إقناع الرأي العام بصحة ما ينسب إليهم.

5- وبعد أن أحيل الملف على السيد قاضي التحقيق، وفي حين كنا ننتظر نهاية المعاناة، وجدنا أنفسنا أمام تحد أكبر لحقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة. ودون الدخول في تفاصيل لم يحن الوقت للحديث عنها، فإننا نكتفي بموقف السيد قاضي التحقيق برفض تمكيننا من صورة من محاضر الملف ووثائقه، أي بمنعنا من القيام بواجبنا وبحرمان موكلينا من الدفاع عن أنفسهم انطلاقا من معرفة كاملة بما يحتويه الملف من تصريحات وأبحاث ووثائق.

هذه الإشكالية تتلخص في محاولة لتضييق الخناق ولاجتثاث الحق في الدفاع ولضرب المساواة في الحقوق ما دامت النيابة العامة تتوفر على نسخة الملف. بل والمفارقة في هذه القضية هي أنه في وقت يحرم فيه المعنيون بالملف من حقهم في الحصول على صورة من المحاضر والوثائق، توزع هذه المحاضر والوثائق على بعض المسؤولين المغاربة وعلى مخابرات أجنبية، بل ونجد أحيانا تفاصيل منشورة على صفحات كل الجرائد.

والحديث عن التضييق والحرمان يرجع إلى كون هذا الحق مطلق ولا يوجد في القانون ما يقيده، وإلى كون العمل القضائي جرى، منذ سنة 1959 وإلى أن طرح نفس السيد قاضي التحقيق هو وقاض آخر بالبيضاء، الإشكال، على تمكين المحامين من صور المحاضر خلال مرحلة التحقيق، وقد كان ذلك حتى في عهد أفقير وإدريس البصري، وفي قضايا اكتست أهمية أكبر بكثير من القضية الحالية.

بل وعندما طرح هذا الإشكال بشكل تعسفي سنة 2006 تمت مناقشته من طرف اللجنة القضائية المشتركة بين هيأة الدفاع ووزارة العدل، والتي تضم قضاة سامين ومسؤولين بالوزارة ونقباء وأساتذة أجلاء. وبعد مناقشة معمقة للموضوع، وقع الاتفاق داخل اللجنة القضائية المشتركة، وهي منعقدة برئاسة الأستاذ محمد ليديدي الكاتب العام الحالي لوزارة العدل، على أن تأويل السيد قاضي التحقيق للنص غير سليم، وعلى أن احترام حقوق الدفاع يقتضي عدم التعامل مع النص بالمفهوم الضيق، وأنه يتعين تمكين كل من يطلب من أطراف النزاع من صور من محتويات أوراق الملف. وفي هذا الإطار وجه السيد وزير العدل المرحوم الأستاذ محمد بوزوبع دورية إلى الرؤساء الأولين بمحاكم الاستئناف وإلى الوكلاء العامين وقضاة التحقيق يحثهم فيها على ما تقدم.

لكن نفاجأ بالسيد قاضي التحقيق في هذه القضية يتمسك بحرمان موكلينا وحرمان دفاعهم من الحصول على صور من محتويات الملف، ومحاولة إجبارهم على الاطلاع بالمحكمة على مئات الأوراق التي يحتوي عليها هذا الملف من محاضر ووثائق. وهو الموقف الذي تمسك به رغم الاتصالات التي أجرتها هيئة الدفاع بكل من السيد الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط والسيد وزير العدل.

وأمام هذا الموقف الذي يعصف منذ المنطلق بحقوق الدفاع وشروط المحاكمة العادلة، والذي يكشف عن طبيعة الملف والمسار الذي يراد له، وأمام كل ما عرفه مسار هذه القضية من خروق، ومن تراجعات خطيرة في مجال الحقوق والحريات وشروط المحاكمة العادلة فإن هيئة الدفاع عن المعتقلين الستة تعلن للرأي العام الوطني والدولي:

– تأكيدها إدانة تدخل وزارة الداخلية ومن يسير في ركبها في مجريات البحث، وتمكينهم من أسرار البحث التمهيدي ومحاولاتهم التأثير على القضاء ومحاولات تكييف الرأي العام والتأثير عليه وممارسة الضغوط من أجل اعتماد الرأي الواحد والرواية الواحدة.

– تأكيدها على عدم مشروعية مرسوم حل حزب “البديل الحضاري” ومخالفته للقانون، بالإضافة إلى أنه خطأ حقوقي وسياسي، وأنه يشكل بدوره محاولة للتأثير على القضاء والرأي العام، وإفشاء لسرية البحث التمهيدي.

– إدانتها الشديدة لاستغلال وسائل الإعلام الرسمية في النيل من مواطنين أبرياء لا حق لأي أحد أو جهة في إدانتهم إلا القضاء، وبحكم نهائي وغير قابل لأي طعن، وفي هذا الإطار، فإن هيئة الدفاع تطالب بحق الرد في جميع وسائل الإعلام الرسمية التي استعملت من طرف وزارة الداخلية ومن يسير في ركبها في هذه القضية.

– تمسكها بحقها وبحق موكليها المطلق في الحصول على صور من محتويات أوراق الملف من محاضر ووثائق ومستندات. وتؤكد في هذا الإطار أنه لا يمكن إجراء التحقيق التفصيلي مع الإخوة الذين نؤازرهم إذا لم يحترم هذا الحق وإذا لم يسمح لهم بالحصول على صور الملف وإذا لم يقع التخابر معهم من طرف دفاعهم، وهو الموقف الذي أكدوه جميعهم خلال مرحلة الاستنطاق الابتدائي حيث عبروا عن أنهم لن يدلوا بأي تصريح إلا بعد الاطلاع على الملف والتخابر مع دفاعهم.

الرباط في 17/03/2008

عن هيئة الدفاع عن المعتقلين الستة

         – النقيب عبد الرحمن بن عمرو.

         – النقيب عبد الرحيم بن بركة.

         – النقيب عبد الرحيم الجامعي.

         – الأستاذ خالد السفياني.

         – الأستاذ مصطفى الرميد.