الفصل الثاني: في تصور التغيير

مقاصد التغييرأنظر في هذه المقاصد مقارنا إياها مع الفكر الماركسي الذي زعم العلمية والشمولية في قراءة التاريخ والمستقبل، وأنه يملك مفتاح السعادة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الدين فهو أفيون. لكنه عند الامتحان هان وكان عاقبة أمره خسرا.

الوحدة

ترى الماركسية في تغيير البنية الاقتصادية، الأساس الأول في التغيير الشامل والجذري. ترى أن التغيير السياسي، الذي لا يغير هذه البنية، هو تغيير سطحي، يبقي على قاعدة الحرمان والاستلاب. وهو إنما استبدال طبقة مهيمنة جديدة، بطبقة مهيمنة قديمة. إنه إعادة توزيع الأدوار، لا تحويل في ذات الأدوار.

ويقول الله عز وجل: “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (سورة الرعد آية11)

هكذا يبدأ التغيير، من تجديد الإيمان في القلوب. فتحول وجهتها، من جعل الدنيا أكبر الهم، إلى تولية الوجه إلى الله عز وجل، وطلب قربه ورضاه. وتغيير السياسة والاقتصاد تابع لهذا الأصل.

ترمي الماركسية إلى التغيير الجذري والشامل. وترى ما سبق من ثورات جزئية؛ لأنها لم تقض على الطبقية، وصراع الطبقات، والفرقة داخل المجتمع.

التغيير الشامل في واقع المسلمين، يقتضي القضاء على الفتنة، والجمع بين كل طوائف المسلمين.

حيث تسعى الماركسية إلى القضاء على جميع الطبقات والإبقاء فقط على الطبقة البروليتارية، وتسعى إلى ذلك بالعنف وعنف الدولة ودكتاتورية الدولة؛ يسعى الإسلام للجمع ببين فرق المسلمين وطوائفهم بالرفق والتؤدة.

يكون التغيير في دين الماركسية، إذا كان العامل فيه لا انتماء له طبقيا وهو يمثل جميع المجتمع. فليست له مصلحة خاصة، يحرص على جلبها وحفظها ورعايتها. هذا العامل لايكون إلا البروليتاريا: طبقة محرومة من كل الحقوق. وهي بذلك نفي كل المجتمع. ثم هي الكثرة الكاثرة، وهي تسعى إلى تغيير المجتمع كله؛ حتى لا مجال للطبقية فيه. لا يكون ذلك إلا بتغيير البنية الاقتصادية والقضاء على الملكية الخاصة.

تكون الثورة شاملة واجتماعية؛ لما تكون غالبية المجتمع، على وعي بها وبضرورتها وما تقتضيه، وعلى ذكر بسر الاستلاب والحرمان. ثم يتولاها كل المجتمع، لا طبقة ذات مصالح خاصة. وهي وراء ذلك، تسعى إلى القضاء على الطبقية، وإحلال المجتمع الشيوعي.

القومة الإسلامية شاملة، حيث الفاعل فيها لا يتعصب لمذهب حربا على مذاهب. وهو الساعي للتأليف بين جميع المذاهب، حتى تخرج الأمة من ظلمات الفتنة والأمر الفرط، إلى نور الهدى والأمر الجميع. إنها ليست مذهبا يدفع مذهبا أو مذاهب, ولا تسعى تنصر مذهبا على مذهب. إنما رجاؤها وحدة الأمة، على النموذج النبوي الجامع؛ متخطية انحراف التاريخ، وصراع التاريخ، وما فرق التاريخ. ثم هي القومة الإسلامية الشاملة، تسعى لوحدة الأمة، ورفع قواعد مجتمع العمران الأخوي. سبقت قومات وكانت مذهبية؛ مذهب سني أو شيعي، معتزلي أو حنبلي، فيكون الغالب، ويستضعف من خالفه. وهكذا كانت جزئية، ولم ترق للتجديد الكامل الشامل.

لاشك أن الحكم، وسيلة التغيير الأساسية وأداته القوية. وهكذا كانت أول خطوة عملية في التغيير، في كل حركة تغييرية. وبهذا قال ماركس وغيره.

وأخبر الإسلام أن أول ما ينقضه هو الحكم. وأخبر أن صلاح الأمة بصلاح القيادة دولة ودعوة.

قومة الإسلام الشاملة، تسعى لإقامة الدين كله. تراه نقض كله، فلا ترضى إلا ببنائه كله. ليس لديها ما تحفظ، وما تحافظ عليه؛ فهي تطالب بالدين، كل الدين. كان لدى من قام ممن سبق، ما يراه جديرا بالحفظ. فكان لا يطالب إلا بالإبقاء على بقي، وإن طغى السيف، وعم الاستبداد، وفشا الظلم.

ميزة البروليتاريا أنها لا تملك شيئا؛ فهي تطالب بكل شئ. وهذا ما يؤهلها لقيادة ثورة شاملة. ولو ملكت شيئا، لاجتمعت عليه، ولصارت طبقة خاصة، بجنب طبقات؛ فإذا، لا سبيل للقضاء على الطبقية، فلا وحدة ولا شيوعية.

الساعي للتوحيد، لا يدعو إلى عصبية في مجتمع الفرقة. لا يبغي علوا على الفرق الأخرى. جماعة التغيير في الإسلام، تتجاوز جور التاريخ، وصراعات التاريخ؛ لتؤسس نموذجا إنسانيا، ينفتح على كل إنسان، يدله على الله والدار الآخرة.

ثم هي تسعى إلى تغيير جذري. لا يقتصر فيه، على معالجة أعراض المرض، في الحياة الاجتماعية والسياسية. وإنما تنفذ إلى جذور المرض، في النفس البشرية، تزكيها، تجدد الإيمان، ساعية لتحرير المجتمع طرا.

ترى الماركسية في الاستبداد السياسي، وهو استبداد طبقة، صورة للصراع داخل المجتمع. وهو بدوره تعبير عن صراع اقتصادي، بين المالكين والعمال. ولا يرون علاجا للدولة، إلا في علاج المجتمع، والقضاء على داء الطبقية والصراع. وأنى يكون هذا، إن لم يستأصل الداء الأصل، وهو صراع الملكية. فحل مشكل الملكية هو البداية. القضاء على الملكية الخاصة، من هنا يبدأ البناء. لا عدالة سياسية، إلا بعدالة اجتماعية. وهذه لا تكون، إلا بعدالة اقتصادية. وهذه مناطها وملاك أمرها، القضاء على الملكية الخاصة، فلا ملكية إلا جماعية.

العدل في الإسلام مطلب أساسي. والتسوية بين الناس في القسم، وحفظ الكرامة، ضرورة للجمع بين المصالح. لكن هذا لا يكفي. الجمع بين المصالح لا يحقق الوحدة داخل المجتمع. لا بد من تربية إيمانية إحسانية، تجعل أفراد المجتمع يتحابون في الله. وتجتمع قلوبهم على الله. وقد قال الله عز وجل:

“لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ”. (سورة الأنفال آية 63)

الوحدة في الإسلام تكون بالعدل يجمع بين المصالح، والإحسان يجمع بين القلوب. ثم تأتي الشورى لتكون صلاحا للدولة. الشورى هي عقل الأمة المدبر هي صورة وحدة العقول.

وهكذا تنبني وحدة الأمة على قواعد ثلاث: هي العدل والإحسان والشورى. وهذا هو الدين وهذه مقاصده.