لله درك ياغزة الإباء والعزة من صامدة بأهلها، لله درك يا قدس الرباط من شامخة برجالها، لله درك يا فلسطين الجهاد من باقية بصحوة شبابها وتجدد إيمانه وانبعاثه ويقظته.

إن إرهاب العدو الصهيوني ليس وليد اليوم، ولم يبدأ مع حصار غزة، بل هو قائم بتلك الديار المباركة منذ ما يقرب قرنا من الزمن. منذ 1917 بدأت العصابات الصهيونية الإرهابية تتسلل إلى الأراضي الفلسطينية تقتل وتنشر الرعب والإرهاب بين أفراد الشعب الفلسطيني وهي تمهد الطريق لهجمة أشمل وأوسع اكتملت بإعلان قيام الكيان الصهيوني عام 1948 بمباركة أوربية أمريكية واضحة وباعتراف من الاتحاد السوفياتي آنذاك.

خلال عام 1948 وحده استشهد ما لا يقل عن 2500 فلسطيني منهم النساء والأطفال على يد الصهاينة. ومنذ ذالك الحين، والعالم يتفرج على الشعب الفلسطيني الأعزل وهو يُقتَل ويُباد ويُهجَّر وتُغتَصب أرضه ولا يجد من الدعم الدولي الرسمي، وفي أحسن الأحوال، أكثر من الشجب. أما اليوم فلم نعد نسمع حسّا لمن يندد ويشجب إلا ما كان من هذه التحركات الشعبية العفوية التي تقوم هنا وهناك عبر العالم.

اللافتات..!وفي بلدنا الحبيب حتى هذه التحركات والتظاهرات الشعبية السلمية التضامنية مع الشعب الفلسطيني صارت ممنوعة ولا يسمح بها، فقد تم منع أكثر من وقفة وتظاهرة في الأيام القليلة الماضية دعت إليها جماعة العدل والإحسان بمختلف مدن المغرب، بالدار البيضاء والرباط وأكادير والعيون وخريبكة وزايو وشفشاون ومدن وقرى كثيرة، بل تدخلت قوات الأمن لتفريق المتظاهرين بالقوة.

ففي طور آخر وجديد من أطوار الحرب المستمرة المعلنة من قبل المخزن على جماعة العدل والإحسان والتي لم تتوقف في يوم من الأيام، والسياق هذه المرة لا يتعلق بالجماعة فقط كمكون سياسي بالمغرب، بل تعداها الأمر إلى مكونات سياسية ونقابية وجمعوية أخرى ببلدنا، وفي قضية تهم الشعب المغربي عامة وهي القضية الفلسطينية، تأتي أحداث يوم الأحد فاتح ربيع الأنور 1429 الموافق 9 مارس 2008 بالناظور لتبرهن للرأي العام المحلي والوطني بأن سياسة القمع والإرهاب، ومنطق المنع والتضييق على حريات المواطنين وحرمانهم من حقوقهم الفردية والجماعية هو السائد ببلدنا.

وبشكل جنوني وهستيري، صاحبه سب وقذف ونيل من الدين والملة ومس بمقدسات وثوابت الأمة على لسان العميد نائب رئيس المنطقة الإقليمية للأمن وبعض أعوانه بزيهم الرسمي، في بلد تقام فيه الدنيا ولا تقعد إذا انتحلت فيه صفة أمير. أما الدين الإسلامي أولى تلك المقدسات وأبقاها فلا يجد من يدافع عن حرمته رغم أن الدستور يصرح بأن الملك هو حامي حمى الملة والدين!

وهكذا.. وبدون سابق إعلام، تدخلت سلطات القمع المخزني لتفرقة المصلين فور خروجهم من المسجد بالضرب والركل والرفس، لم تسلم منه النساء في يومهن العالمي، كما لم تسلم منه الصحافة أيضا. وتوجهت عناصر الأمن رأسا إلى انتزاع اللافتات التي رفعها أعضاء الجماعة بالمناسبة، وهو للإشارة ما لوحظ في كل تدخلات الأمن بمختلف مدن المغرب، حيث يحاول إخفاء أي أثر لمظاهر الاحتجاج ضد الإرهاب الصهيوني، سواء باللافتات أو الصور أو العبارات المنددة بجرائم بني صهيون.. وكأن ثمة توصية ما استُنفر المخزن لتلبيتها بكل إخلاص وتفانٍ.

يأبى المخزن إذن إلا أن يؤكد استمرار مظاهر القمع والإرهاب ببلدنا، مظاهر العهد الجبروتي المتجدد المتقلب المتلون، ليعلن بذلك حقيقة أكذوبة “العهد الجديد” ومصداقية أحجية “طي صفحة الماضي”، وليتبين لمن غرته بعض مساحيق التجمل وأسمال التنكر التي تزين بها المخزن بداية الألفية الثالثة بأن تلك المساحيق سرعان ما تمحوها دماء الجماجم المهشمة بهروات وعصي المخزن، وبأن تلك الأسمال لا تلبث أن تتمزق بفعل رفس وركل ودك أطراف وأجسام المواطنين تحت أقدام جنوده.

إن هذا المنع والقمع الذي تشهده مختلف المدن المغربية لم يستثنِ في هذه المرة أحدا، ليتأكد بأن المسألة لا تتعلق بجماعة العدل والإحسان بالخصوص، إنما الأمر يتعلق برفض وعدم رغبة المخزن في السماح للشعب المغربي بأن يستنكر ويحتج على ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من إرهاب وتقتيل وحصار على يد الطغمة الصهيونية، وهذا التوجه العام للسلطات في المغرب يشكل فارقا مهما، خاصة وأن المسيرات التضامنية المليونية مع الشعب الفلسطيني نظمت بامتياز بالمغرب. فهل أُخْطِر المغرب بأن تلك التظاهرات الحاشدة التي دأب الشعب المغربي على تنظيمها تضامنا مع الشعب الفلسطيني يسبب حرجا وإزعاجا ل”إسرائيل” ولراعيتها أمريكا؟

وإننا نتساءل لفائدة من يحصل هذا؟ لماذا يمنع الشعب المغربي من التعبير عن رفضه للإرهاب الذي تمارسه “إسرائيل” ضد إخواننا بفلسطين؟

ألم ينخرط المغاربة في رفض الإرهاب مهما كان شكله ومصدره؟ فلما هذا التمييز في التعامل مع الإرهاب؟ “إسرائيل” دولة إرهابية غاصبة بكل المقاييس فمن يملك إنكار ذلك؟

إرهاب الغلاء!إننا في جماعة العدل والإحسان ندين الإرهاب ونرفض العنف وعبرنا بالقول والفعل بأن منهاجنا ومحجتنا لا يتقاطعان مع سبيل العنف إطلاقا. والشعب المغربي تلقى من الإشارات ما يكفي ليتأكد بأن الجماعة بعيدة عن العنف، وأحداث العاشر من دجنبر 2000 مازالت حاضرة في ذاكرة الشعب، وما كان قبلها وبعدها من تضييق ومنع وترهيب لأعضاء الجماعة وانتهاك لحرمات منازلهم وتشميع بعضها ومحاكمات ظالمة من قبل المخزن… كل ذلك لم ينفع في جر الجماعة إلى مستنقع العنف.

فلماذا إذن يصر المخزن على تحجيم صوت الجماعة وضرب حضورها في المشهد السياسي بالمغرب وترهيب الناس منها؟

الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء وتفكير فرسالة المخزن وصلت وفُهِمَت، فهو دائما يختار كأسلوب للرد على تحدي الجماعة لظلمه ولتخبطه بمبادراتها، والتي كان آخرها وثيقة “جميعا من أجل الخلاص”، بمثل هذه الخرجات والجولات الفرعونية الهامانية الغبية.

الإرهاب في عالمنا اليوم تعددت أشكاله لتشمل كل مناحي حياة الإنسان، الإرهاب الذي ترعاه أمريكا وحلفاؤها يلاحق عالمنا المستضعف في قوته اليومي وفي وجوده، في ثقافته وحضارته.

أمريكا تملك الدقيق، تملك رغيف الخبز، تملك الزيوت والدواء، تملك التكنولوجيا، فهي تعطي من كل ذلك لمن تشاء وتمنعه عمن تشاء، وما هذه الزيادات التي لا تنتهي في أسعار النفط والذهب إلا واحدة من أشكال الإرهاب الاقتصادي الذي تمارسه أمريكا ضد شعوب العالم.

إن الإرهاب الحقيقي هو حرمان الشعوب من الاستفادة من ثروات بلدانها، حرمانها من الحرية، حرمانها من التعليم، حرمانها من الاستشفاء ومن السكن والعمل الذي يحفظ لها كرامتها وآدميتها.

وما يمارس اليوم ضد الشعب المغربي، من تضييق للحريات وترويع للآمنين وتضييع للحقوق وإهدار للكرامة.. هو جزء من هذا الإرهاب، ويعد بحق سببا يدفع الشباب إلى خيار العنف كأسلوب للتعبير عن رفضه للحرمان والظلم.

لا يمكن قبول العنف تحت أي مسمى، لكن بالمقابل لابد من إرساء ضمانات تحول دون تكرار ما حدث في المغرب من تفجيرات، والضمانات لا يمكن بالمطلق أن تكون عن طريق الحل الأمني الذي يصر المخزن على اعتماده رغم كل إخفاقاته وانتكاساته، فقد جرب هذا التوجه ولم يأتِ بنتيجة.

الضمانات التي قد تفتح الباب أمام أفق قد نستشرف منه بعض التغيير نحو الأفضل في بلدنا هي توسيع هامش الحريات، وإرساء حقيقي للديمقراطية، وإبداء رغبة وإرادة حقيقيتين في القطع مع الماضي.. لكن هذه المرة بإشراك كل الفاعلين بالمغرب ومن ضمنهم جماعة العدل والإحسان التي ما فتئت تدعو إلى ميثاق ينقذ المغرب من الأزمة التي يتخبط فيها.

“ومن لم يهتم بأمر المسلمين..”من الناس من يكتفي بدور المتفرج على ما يحدث في الداخل والخارج، وحينما يبادر طرف ما في اتجاه قضية وطنية أو تهم الأمة، كالقضية الفلسطينية، تراه ينتقد ويرسم ويحدد لمن يعمل في الميدان -وهو القاعد المتفرج- خطوط وحدود تحركه ويوزع الأدوار ذات اليمين وذات الشمال..!

إن تهممنا بقضايا الأمة نابع أساسا من موقف شرعي يستوجب علينا النصرة في أبسط الأشكال، وإننا لا نزايد بذلك على أحد.. لكن ” قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين”

إن الهم الفلسطيني لا ينسينا همنا المحلي، هم بلدنا وهم مدينتناا الناظور، هم أبنائنا وبناتنا، هم تربيتهم وأخلاقهم، هم سلامتهم الصحية، هم دراستهم ومستقبلهم وهم أمنهم.

الناظور يعيش حالة من الفوضى لم نشهد لها مثيلا، فوضى تعم كل شيء ولا يكاد المتتبع يجد ما يستثنيه.

التعليم تعمه الفوضى، وما الاحتجاجات الأخيرة لرجاله ونسائه إلا دليل على ذلك.

مستوى أبنائنا في تراجع رهيب ونتائج الطور الدراسي الأول تعكس مستوى ضعيفا جدا خاصة في مادة الرياضيات.

أبناؤنا وبناتنا بالثانويات يدخنون ويتعاطون المخدرات وأخلاقهم ساءت ولا من يستنكر.

الأمن مفقود في المدينة، وصارت بناتنا تختطف في واضحة النهار.

فوضى الطرق، فوضى نزع الملكيات الخاصة وتفويت الملك العام وسطوة أباطرة المخدرات على أراضي المدينة، ومد يد الوصوليين في الإدارات والجمعيات التنموية التي تستفيد على ظهر الشعب..

وآخر ما شهدناه هو افتتاح ملاهي ليلية للرقص والمجون، ليكتمل مشهد الناظور الذي يريده لنا المفسدون الذين لايهمهم سوى جني الأرباح ولو على حساب دين أهل المدينة وأخلاقهم، والمسؤولية في ذلك تتحملها السلطات التي ترخص بفتح المراقص الليلية وحانات الخمور. ويتحملها المجلس العلمي والخطباء والوعاظ الذين لا ينبغي أن يكتفوا بإلقاء الخطب المنبرية، مع أهميتها، بل ينبغي التحرك العملي لمنع تخريب دين أبنائنا وبناتنا.

إن ما تمر به بلادنا العربية الإسلامية عصيب جدا، ويعتبر من أشد العصور التي سيشهدها ويتحدث بها التاريخ، لكن ذلك كله لا يطفئ الأمل في قلوبنا، ولا يسدل الستار على ذلك الأفق الذي نتشوف إليه بكل يقين، بأن الموعد غزة، الموعد القدس الموعد فلسطين.. والموعد الإسلام.. وأن “موعدهم الصبح، أليس الصبح بقريب”

والحمد لله رب العالمين.