لا بد من التذكير أولا أن التناوب السياسي في معناه الدستوري الأصلي له عدة شروط، فهو من جهة أولى لا يكون إلا في مناخ ديمقراطي يعرف أغلبية واضحة، ومعارضة واضحة، ونظام برلماني، وتنافس حقيقي حول السلطة. ومن جهة ثانية يتطلب تحقيقه وجود ثنائية حزبية، أو على الأقل ثنائية قطبية متمايزة الاختيارات الفكرية والسياسية. ومن جهة ثالثة فهو لا يمكن أن يتم إلا انطلاقا من قواعد دستورية محددة.

      وكل هذه الشروط كانت غائبة سنة 1997، وهنا تكمن المفارقات الأولى، التي طبعت ما سمي بالتناوب التوافقي في المغرب ، فهذه التجربة التي تم الترويج لها كثيرا جرت دون أي تمهيد دستوري أو سياسي يؤشر لنجاحها، فهي تمت في ظل ملكية تنفيذية لا وجود معها لشيء اسمه فصل السلط، أو شيء اسمه التنافس على الحكم، وما سمي بالتناوب التوافقي بالمغرب لم ينطلق من أساس دستوري، فدستور 1996 ظل بعيدا عن تحقيق منطلق دستوري لتناوب سياسي حقيقي، لذلك فالتصويت الإيجابي عليه من قبل أحزاب المعارضة لم يكن إلا تصويتا سياسيا، وليس انطلاقا من اقتناع دستوري، بل إن ذلك التصويت حكمته الإرهاصات الأولى للتناوب، فسياق التناوب هو الذي أملى دستور 1996 وليس العكس.

      كما أنه لم يكن موجودا في الواقع ثنائية حزبية أو قطبية واضحة المعالم، وكل ما كان يغلب على الواقع السياسي، ولا يزال وللأسف الشديد، هو تعددية حزبية لا تتجاوز المظهر التنظيمي، أما الجوهر فهو أحادية أو شبه أحادية سياسية.

      وبعد هذا الأساس الدستوري، تبقى البوابة الطبيعية لكل تناوب سياسي هي الانتخابات الحرة والنزيهة، لكن الذي يلاحظ على أحزاب المعارضة ليس فقط مشاركتها في حكومة منبثقة عن انتخابات ليس لها من حقيقة الانتخابات إلا الاسم، ولكن أيضا قبولها بالمشاركة على أساس انتخابات مزورة. ومن المفارقات العجيبة أن من أسباب فشل المحاولات الأولى لتحقيق “التناوب” الذي دعا إليه الملك الراحل ابتداء من سنة 1993، كما صرح بذلك رموز المعارضة مرارا، هو عدم استجابة الملك لطلب المعارضة بإيجاد حل لانتخابات الثلث غير المباشر التي كانت في تلك السنة، والتي عرفت تزويرا فاضحا، بحيث كان جواب الملك آنذاك أن الدستور لا يخوله سلطة إلغاء نتائج الانتخابات، وإن كان يخوله صلاحية حل البرلمان وليس ثلثه فقط، فليس لأسباب انتخابية، وإنما لأسباب سياسية.

      أحزاب المعارضة التي كثيرا ما نددت بتزوير الانتخابات ستشارك في حكومة 1997 على أساس برلمان مزور، بشهادة كل أحزاب المعارضة دون استثناء، وسميت تلك الحكومة زورا بأنها حكومة تناوب وانتقال ديمقراطي! رغم غياب أبسط الضمانات الديمقراطية والدستورية، وسيتم الترويج للكثير من المغالطات التي لم يؤدي ثمنها في الأخير إلا أحزاب المعارضة نفسها، والسؤال المهم هو ماذا حدث؟ ولماذا تغيرت أحزاب المعارضة السابقة كل هذا التغيير؟

      يحاول المشاركون في تلك التجربة إقناع أنفسهم قبل غيرهم أن المشاركة كانت من أجل إنقاذ البلاد من السكتة القلبية التي تحدث عنها تقرير البنك الدولي سنة 1995، والتي اعترف بها الملك وأعلنها، لكن المعارضة كان لها من التجربة السياسية ما يجعلها مقتنعة كل الاقتناع بل ومتأكدة أن أي محاولة للإصلاح الاقتصادي أو الاجتماعي تبقى قاصرة دون المدخل السياسي والدستوري، فهي كثيرا ما عبرت عن هذا، وكثيرا ما انتقدت غيرها من هذا المنطلق. قد يكون الدافع شريفا بالنسبة لبعض المنخرطين والمدافعين عن التجربة، لكن بكل تأكيد ليس دافع إنقاذ البلاد هو ما حكم الأطراف والشخصيات الأساسية في تلك التجربة، وإذا ما كان فبكل تأكيد ليس هو الدافع الوحيد ولا الأول، وهنا يمكن أن نشير إلى دافعين اثنين، أولهما: شعور بعض الأحزاب آنذاك أنها استهلكت نفسها بما يكفي وأن خطابها القديم مع استمرار نفس الأوضاع أصبح لا يجدي شيئا ولا يستقطب أحدا، وعوض أن تفتش عن الأسباب وتبحث عن الحلول داخل نفس الاتجاه، أي اتجاه المعارضة والدفاع عن حقوق الشعب، اختارت تغيير جلدها بالكامل ضاربة عرض الحائط بأفكارها ومبادئها واستراتيجياتها النضالية، خاصة وقد تزامن ذلك مع المد القوي للإسلاميين، وهذا هو الدافع الثاني، فالإسلاميون ظهروا بقوة فكرية وتنظيمية وجماهيرية وأصبحوا المعبئين الأوائل للشعب، وعوض أن تتعامل تلك الأحزاب مع هذا المعطى بما يدفع في اتجاه تحرير المغاربة من التسلط والاستبداد، وبما ينسجم مع شعاراتها النضالية، التي استشهد من أجلها واعتقل العديد من مناضليها، عوض ذلك اختارت أن تركب سفينة الاستبداد وتجتهد في تزيين وجهه وإطالة عمره، تحت ذريعة أنها إن لم تفعل ذلك سيسحب الإسلاميون البساط من تحت أرجل الجميع.

      وبمثل تلك التصرفات والتحولات السياسوية غير المبدئية تكون التجربة افتقدت إلى مقوم آخر من أهم مقومات التغيير والإصلاح، ألا وهو الرجال الأحرار الثابتون على مبادئهم الناكرون لذواتهم الباحثون عن الصالح العام، أقول هذا الكلام بمرارة مع أني أعلم أنه لا يزال في هذا البلد ولله الحمد الكثير من الشرفاء والفضلاء.

      إذن التجربة انطلقت على غير أساس ، وظهرت منذ السنوات الأولى عراقيل كثيرة، سببها الأول هشاشة الإطار الدستوري، وافتقاد الحكومة لأي سلط حقيقية.

      ثم أتيحت فرصة من أجل الضغط في اتجاه تصحيح الأمور، كان ذلك عند موت الملك الحسن الثاني وتولية الملك الجديد، لكن تلك الأحزاب فضلت الاستمرار، رغم أن الملك الجديد أعلن منذ خطاباته الأولى تشبثه الكامل بالملكية التنفيذية، وكان مبرر الاستمرار مرة أخرى هو أن الإسلاميين يتحينون الفرصة، ولقد رأيتم كيف تجيشوا جميعا للدفاع عن “المقدسات” حينما صدرت “مذكرة إلى من يهمه الأمر” للأستاذ عبد السلام ياسين. ثم إنهم لم يطالبوا بتغيير الدستور قبل انتخابات 2002 مع أن الخطاب الذي ساد بعد دستور 1996 وانتخابات 1997 مفاده أن “نعم” للدستور لم تكن إلا “سياسية” وأن الانتخابات النزيهة وذات المصداقية لابد لها من إطار دستوري جديد.

      وأتيحت فرصة أخرى لإيقاف مسلسل النزيف وذلك حينما انقلب الملك محمد السادس عما سمي “بالمنهجية الديمقراطية”، إلا أن تلك الأحزاب، ورغم الصيحة المدوية لعبد الرحمن اليوسفي في بروكسيل، رأت مرة أخرى في الاستمرار في نفس المسلسل حياة لها.. وكانت الإفرازات الخطيرة ونتائج الذل والهوان التي نتجت عن انتخابات 7 شتنبر 2002 لنرى من جديد كيف أن القوم ما يزالون مصممين على الاستمرار في نفس المسلسل.

      يمكن أن نقول الآن عما سمي بـ”التناوب التوافقي” أنه نجح بشكل كبير بالنسبة للمؤسسة الملكية لأن الهدف كان هو ضمان انتقال الملك في سلاسة، وقد تحقق ذلك. أما الخاسر الأكبر فهي أحزاب المعارضة وفي مقدمتها حزب الاتحاد الاشتراكي، لأن دخول التجربة لم يكن على أساس تعاقدي وإنما كان صفقة بين الحسن الثاني وعبد الرحمن اليوسفي وكان فقط خضوعا وتطبيقا للإرادة الملكية، وفقط للإرادة الملكية، وهنا أذكر ما قاله الملك الحسن الثاني عند فشل المحاولات الأولى “للتناوب”:

      “.. فإما أنني مثل الأستاذ الذي لم يحسن التعبير، وإما لأن أولئك الذين استمعوا لم يستوعبوا جيدا ما قلت لهم..”.

      المسألة إذن، كانت ولا تزال، مسألة أستاذ وتلاميذ، وليست مسألة شراكة وتعاقد وتنافس وتناوب كما هي المعاني الحقيقية لهذه المصطلحات في البلدان الديمقراطية. هذه مصيبتنا وإلى الله المشتكى وإليه المصير.

      وإنني إذ أعبر عن ذلك بكل هذا الأسى لمقتنع تمام الاقتناع أن الأمل في المستقبل أمامنا جميعا، وأن التغيير لا يزال ممكنا ومتاحا شريطة أن تكون الإرادات حرة غير مسلوبة.