تقديم:في خطوة غير غريبة ولا طارئة على عقلية السلطة المخزنية المغربية، أقدمت الأجهزة “الأمنية” خلال الأسبوعين الماضيين في عدد كبير من المدن على منع وقمع وقفات التضامن مع غزة العزة. قمع سجل أصحابه من خلاله موقفهم الواضح إزاء قضية الأمة الأولى، ووقفات جددت من خلالها العدل والإحسان وبعض قوى المجتمع بيعتها للقدس الشريف وغزة الأبية وكل فلسطين الغالية.

ما شدني في سلوك السلطة القمعي هذا ليس جدة آلته العنفية الراغبة في تخويف وترهيب الطلائع القيادية المجاهدة، ولا خلفيته السياسية الطامحة إلى الزحف على “المكتسبات النضالية” لقوى المجتمع، ما شدني هو شدة الغباء وحجم البلادة التي حكمت أصحاب القرار.

فالخطوة غير مدروسة ولا حكيمة بالمرة ولا يلمس فيها المتتبع أي ربح للنظام السياسي المغربي ولا أجهزته “الأمنية”، بل على العكس من ذلك تُجلي تخبطا وتيهانا وغيابا للقدرة على التقدير السياسي السليم وفقدانا للفهم البسيط للأحداث والمواقف والتصرف السياسي الذكي. بخلاصة إن ما حدث يبرز جهلا خطيرا بأبجديات السياسة وخرقا سافرا لنصوص القانون.

1- السلطة المغربية ومنع الوقفات.. في الحدث والدلالةكان طبيعي جدا أن يهب المومنون والمومنات في مختلف المدن للتداعي سهرا وحمى لشكوى غزة الجريحة. وبطواعية وتلقائية، وبوعي وإدراك أيضا، استجاب الأحرار والغيورون لنداء الوقفات الكثيرة التي نظمتها جماعة العدل والإحسان، وبعضا من قوى المجتمع، للخروج على “الإجماع السكوتي” الذي اتخذته الأنظمة المتخاذلة إزاء “محرقة” الصهاينة.

لكن كان للسلطة كلام آخر ورأي مغاير، فقد استبقت وزارة الداخلية التحركات وأصدرت توصياتها عبر مذكرة داخلية طالبت فيها أجهزتها بالتدخل بعنف لمنع الوقفات وأشكال التضامن مع غزة الأبية، وإخفاء كل مظاهر التنديد بـ”الأم إسرائيل” و”العم سام أمريكا”.

فعاشت مدن الرباط والعيون وفاس والقنيطرة والدار البيضاء ومكناس والناظور وجرسيف… حدثين في حدث واحد، إذ في الوقت الذي عبر الشعب المغربي عن تضامنه مع فلسطين أكد النظام السياسي انحيازه الفاضح للدويلة اللقيطة المحتلة، وفي اللحظة التي صاح فيها المواطنون بلسان واحد “كلنا فدا فدا ** لغزة الصامدة” ارتفع صوت السلطة مدويا “لا للتضامن مع غزة”!!.

في الشارع كما في الجامعة، وعند باب المسجد كما قرب مقر الأمم المتحدة، وفي الأحياء الشعبية كما عند السفارة الأمريكية، لا لغة إلا للقمع ولا خطاب إلا للمنع فالقرار متخذ والتعليمات صارمة.

الكل معرض لأن تهوي العصا على رأسه، لا فرق بين الرجل والمرأة والشيخ والصغير والمحتج والصحفي والبائع والمار، فالوقفة والاحتجاج والتظاهر محرمات وممنوعات ومحظورات.

إن ما حدث له دلالة واضحة وخطيرة وهي خروج نظام الحكم من الصمت المريب إلى الدفاع الفاضح الصراح عن حق بني صهيون في قتل أطفال ونساء وشيوخ ورجال العزة في غزة، وهو ما يستدعي وقفة جدية من قبل كل القوى التي تساند قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها قضيتنا الفلسطينية المركزية. 2- السلطة وفلسطين والموقف السياسي.. أبجديات السياسةماذا أصاب الحُكم المغربي؟

سؤال طبيعي جدا أن يطرحه كل عاقل، بل وأقول حتى كل متعاطف مع الحاكمين، لأن فعلهم المشين هذا يشكك في أن لأصحابه عقل يحتكمون إليه أو حتى ذكاء وحيل تميز أصحاب السلط. ربما عليهم إعادة قراءة كتاب الأمير لميكيافلي.

عندما تتبعت كغيري إقدام الأجهزة “الأمنية” على فعلتها، خال لي أن النظام السياسي في المغرب لا يجيد أبجديات السياسة، وغير عارف بـ”ألف باء” التدبير العام، ولا الحكمة في التصرف السياسي إزاء قضايا تتناقض فيها “حسن السيرة والسلوك” أمام المنتظم الدولي المنحاز للكيان المحتل ومواقف المغاربة المدافعة عن شعب فلسطين وحقه التاريخي والشرعي في الاستقلال.

وبدا لي أن نظام اليوم يفتقد لبعض من دهاء الحسن الثاني الذي حافظ على رمزية معينة ودور عربي مقبول، سواء بتفعيله الشكلي للجنة القدس، وهذا بخلاف العهد الجديد الذي وأدها تماما، أو بسماح أجهزته بهامش للتحرك الشعبي فيما يخص القضية الفلسطينية وذلك في الوقت الذي ينسجم موقفه الرسمي مع عموم الموقف العربي والذي يتراوح بين التنديد والشجب والدعوة لقمة عربية طارئة، أما النظام الحالي فيقمع في واضحة النهار التضامن مع فلسطين لتنقل الفضائيات والمواقع الإلكترونية واليوتوب فضائحه للعالم.

لا أعلم إن كان النظام يدرك أن القضية الفلسطينية إحدى أهم القضايا التي بإمكانها أن تحرك أكبر الحشود وتؤطر أكبر المظاهرات، ولا أدري إن كانت السلطة مطلعة على حجم التعلق القلبي والارتباط العقدي والمصيري بين المغاربة والقدس، فنبضها يخفق هنا كلما سقط هناك شهيد واعتقل أسير وصاحت أم ونادت زوجة.

إن كان لا يدرك ذلك فهو قصور في أجهزته الاستخبارية والأمنية وجهل في معرفة أعماق هذا الشعب المسلم الأبي، وإن كان يدري فلعله الخبل الذي يدفع المجنون إلى إحراق كل المراكب والخذلان الذي أخبرنا عنه المولى جل وعلا “يخربون بيوتهم بأديهم”.

3- مشروعية منع الاحتجاجات.. سؤال القانونعندما تطرق القانون المغربي للاحتجاجات في الشارع العام والأماكن العمومية استعمل مفهومين محددين، هما: المظاهرات (وهي ما ترادف لدى الأوساط السياسية المسيرات التي تتخذ مسارا في الشارع يسلكه المتظاهرون)، والتجمهر (والذي يقصد به الوقفة التي لا تبرح أنشطتها نفس المكان).

ويمكننا أن نسجل بداية، عند مطالعتنا للكتاب الثاني (الخاص بالمظاهرات في الطرق العامة) والكتاب الثالث (الخاص بالتجمهر) من ظهير 15 نوفمبر 1958، أن المشرع يشدد على مسألة الحصول على التصريح في المظاهرات (الفصل 11) وذلك بخلاف التجمهر الذي لم يلزم أصحابه بذلك (الفصل 17).

كما يمكننا أن نلاحظ أن المشرع ترك مساحة معقولة للتحركات الشعبية والسياسية سواء اتخذت شكل تظاهرة/مسيرة أو تجمهر/وقفة (الفصلين 11 و17)، كما ربط منع مختلف الأشكال الاحتجاجية بضرورة إخلالها بالأمن العمومي (ف 15) والنظام العام (ف 22)، وهو ما لا نجده بتاتا في أشكال احتجاجية مسؤولة ومنضبطة لا تتخذ التخريب والفوضى مسلكا لها كما هو الشأن في الوقفات والمسيرات الأخيرة.

وليتضح أكثر أن الأشكال التضامنية أو الاحتجاجية التي تنظمها العديد من القوى السياسية خاصة فيما يرتبط بالقضية الفلسطينية، لا تخالف القانون المغربي بل إن السلطات هي التي تخرقه متعسفة على هذا الحق القانوني والدستوري والسياسي، لننظر في مضمون النصوص القانونية.

ففيما يخص المظاهرات، يقول المشرع في الفصل 11 في فقرته الثالثة “بيد أنه يعفى من هذا التصريح الخروج إلى الشوارع العمومية طبقا للعوائد المحلية”، ولا أظن أن اثنان يختلفان اليوم بأن مسيرات ومظاهرات التضامن مع فلسطين -كلما ازداد ألم الحصار وغطرسة الاستعمار- لم تصبح من العوائد المحلية، ليس فقط لدى التنظيمات الدعوية والسياسية والنقابية والمدنية، بل عند التلاميذ والطلبة الذين يخرجون في مسيرات تلقائية بل ولدى عموم المغاربة.

ثم إن الفصل 13 قيَّد السلطة الإدارية عند منعها لتظاهرة ما بشرط راجح وهو تهديدها للأمن العام -ولا أظننا في سديروت أو عسقلان حتى يتهدد الأمن المغربي بشعارات تندد بالإرهاب الصهيوني-، وإجراء مُلزم وهو توقيعها قرار مكتوب يبلغ إلى المعنيين، وهذا ما لا نرى له أثرا في أداء السلطة وتعاملها مع هذه المسيرات والتظاهرات.

وفيما يخص التجمهر والوقفات، جاء في الفصل 17 “يمنع كل تجمهر مسلح في الطريق العمومية، ويمنع كذلك في هذه الطريق كل تجمهر غير مسلح قد يخل بالأمن العمومي”.

فإذا تجاوزنا التجمهر المسلح لأنه لم نسمع بأن كتائب القسام أو ألوية الناصر حظرت هي وأسلحتها الشريفة في إحدى التجمهرات بالدار البيضاء أو مكناس أو الناظور…، فإن منع التجمهر غير المسلح مشروط بالإخلال بالأمن العام. وقد أثبتت سنون طوال من هذه الوقفات التي تنظم أمام المساجد والقنصليات وعدد من الساحات العامة أنها لم ترتكب ما من شأنه أن يوقعها في هذا المحظور.

وزيادة في توكيد خرق السلطة المغربية لنصوص ظهير 1958 الخاصة بالتجمهر، نشير إلى أن النصوص اللاحقة للفصل 17 خصصت للحديث عن تفاصيل التجمهر المسلح (ف 18: تعريف التجمهر المسلح، ف19: إجراءات فض التجمهر، ف20: العقوبات)، باستثناء الفصل 21 الذي يحيل إلى الفصل 19 فيما يخص كيفية فض التجمهر غير المسلح ويحدد العقوبات القانونية، وهو ما يبرز أن التجمهر غير المسلح  الوقفات- ليس منها كثير تخوف ولا تستدعي كبير تشدد من قبل السلطة.

كل ذلك يبين أن المشكلة ليست في القانون- على علاته- بل في العقلية السلطوية المستبدة التي تطبقه وتؤوله على هواها القمعي.

بخلاصة إن المساءلة القانونية لسلوك السلطة القمعي إزاء وقفات ومسيرات التضامن مع غزة، تبرز أن سلوك السلطة غير شرعي وتصرفها غير قانوني. ولا أقل لكل متتبع من أن يرصد جملة من الخروقات، منها:

1- تتلافى السلطة الإدارية تسليم المعنيين وصل مختوم بإيداع تصريح المظاهرات (ربما باستثناء المسيرات المركزية الوطنية التي تشترك فيها أكثر من جهة)، وذلك ضدا على الفصل 12.

2- عندما تتخذ الجهات المعنية قرارها بالمنع فإنها تكون ملزمة بتسليمه كتابة للموقعين على طلب التصريح بالمظاهرة. (ف 13)، وهذا ما تتجنبه السلطة بشدة خوفا من التوظيف الإعلامي له.

3- تتدخل القوة العمومية مباشر لفض التجمهرات بالضرب والتعنيف وذلك خلافا للكيفية التي وضحها الفصل 19 وأحال لها الفصل 21، وهي:

أولا: على ممثل القوة العمومية والسلطة التنفيذية الذي يحمل شارات وظيفته أن يعلن بواسطة مكبر الصوت عن وصوله مكان التجمهر.

ثانيا: يوجه الأمر للمحتجين بفض التجمهر والانصراف، ويتلو العقوبات المنصوص عليها في الفصل 20.

ثالثا: يجب على ممثل القوة العمومية أن يوجه إنذارا ثانيا وثالثا بنفس الكيفية إذا لم يقع الاستجابة لإنذاره الأول.

رابعا: يختم إنذاره الأخير بعبارة “إننا سنعمل على تفريق التجمهر بالقوة”.

خامسا: بعد كل هذه الإجراءات وعدم استجابة المتجمهرين لها يقع تفريقهم بالقوة.

وننوه هنا إلى أن كل هذه الإجراءات تخص فض التجمهر غير المسلح المقرون بالإخلال بالأمن العام، وهو غير المتوفر في وقفات التضامن مع غزة.

4- بخلاف المظاهرة التي افتتح المشرع الحديث عنها بضرورة الحصول على تصريح (باستثناء ما أشرنا إليه: العوائد المحلية) فإن القانون لم يلزم المتجمهرين بالحصول على إذن أو تصريح أو ترخيص، وعليه فإن حديث السلطة وأجهزة الأمن بأن هذه الوقفة وذلك التجمهر غير مصرح به كلام ليس دقيقا وغير قانوني، ومن تم فالسلوك القمعي المبني عليه سلطوي ولا يستند على أساس سليم.

وكل ما أورده القانون في هذا الشأن، هو حق القوة العمومية اللاحق في التدخل إذا ظهر لها أن التجمهر قد يهدد الأمن العام، وحتى لا يكون هذا التقدير-الإخلال بالأمن العام- خاضع لأهواء السلطة ورجالها فإن الشواهد الميدانية والواقعية هي لصالح الوقفات التي تنظم للتضامن مع فلسطين وليست عليها.

ومن تم فإن تدخلات السلطات “الأمنية” المغربية لمنع وقمع وقفات ومسيرات التضامن مع شعبنا الفلسطيني المحاصر في غزة غير مبررة قانونا ولا مُوفَّقة سياسة.

4- قوى المجتمع والسقف السياسي.. الحق ينتزعتدرك القوى الإسلامية والوطنية وكل المدافعين عن قضايا الأمة العادلة أنها لن تغير أطراف المعادلة اليوم، وأنها لن تُسيِّر مسيرات من أقطارها المسجونة في حدودها المصطنعة في اتجاه الأقصى الشريف، وتعلم أن أنشطتها التضامنية والاحتجاجية ليس من شأنها أن تحرر فلسطين أو تدفع الغزو الأمريكي خارج المنطقة في اللحظة الراهنة. لكنها تدرك تماما أن واجب النصرة لا يقبل المزايدات ولا يخضع لحسابات الربح الآنية، وتعلم أن حراكها الاجتماعي والسياسي من شأنه أن يشكل ضغطا حقيقيا على الصمت العالمي والعربي الرسمي ويضمن خلفية رمزية ومادية داعمة لصمود أهلنا الأشاوس في صفوف المواجهة، كما لا يخفى عليها أن من شأن هذا الحراك تربية الكوادر والشعب معا على التظاهر والاحتجاج والنزول إلى الشارع وكل ذلك يفتل في مشاريع التغيير الحقيقية داخل الوطن.

نعم يُسلِّم الجميع بأن للوقفات التضامنية مع فلسطين سقفا معروفا وأرباحا واضحة من الصعب تجاوزها وإلا ستتغير هوية العنوان الذي تتحرك تحت يافطته هذه الوقفة وتلك المسيرة، ولكن في المقابل لا ينبغي لمختلف هذه القوى أن تسمح لإرادة متسلطة بمسح كل مظاهر التضامن والعنفوان والاحتجاج والتنديد بداعي القانون والترخيص والتصريح. ولا شك أن السقف السياسي-بعد الأرضية القانونية- يسعفنا في ذلك.

فحجم الحدث وطبيعته ترتفع أحيانا بالسقف السياسي من المحظور إلى المباح، وهو ما يستلزم حسن توظيفه وعدم التفريط بالأوضاع الإنسانية والاجتماعية والسياسية التي ينشؤها والاستسلام لنظام حكم فاقد للرشد السياسي، لا يجيد قراءة الوقائع كغيره من بعض أنظمة الحكم التي تجاوزت مرحلة الطفولة وأدركت أبجديات السياسة.

إزاء خبل السلطة هذا وتعسفها يسجل الجميع بارتياح تشبث بعض القوى، وعلى رأسها جماعة العدل والإحسان، بحقها في الاحتجاج والتظاهر والتجمهر للإعلان عن موقف الاستنكار والتنديد بأبشع احتلال عرفه التاريخ ولأفضح تواطئ دولي وإقليمي ضد حق شعب أعزل في العيش الكريم.

فما يطمئن له القلب هو صورة تلك السيدة في مسجد السنة بعين الشق بالدار البيضاء غير الآبهة بأفراد الشرطة المحيطين بها والمعنفين عليها لإخراس صوتها، لكنها تصيح وترفع الشعار والحسبلة مؤكدة تضامنها مع أطفال ونساء غزة رغم التعنيف والضرب والوعيد، وما ترتاح له العين هي الصفوف المتراصة للمحتجين والمتظاهرين رغم التدخلات الوحشية للأجهزة القمعية في عدد من المدن.

حقا إن الحق ينتزع ولا يعطى، وإن الشتم أو الضرب أو الرضوض أو الكسور، أو المتابعات القضائية حتى، ليس من شأنها أن تثني إرادات نساء ورجال هذا البلد عن انتصارهم للحق ولقضيتهم العادلة في فلسطين.