بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه

الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، والصلاة والسلام على نبينا المصطفى، وعلى آله وصحبه أولي الصدق والوفا، وعلى كل من سار على دربه وسنته اقتفى.

أمي الحبيبة:

السلام على روحك الطاهرة ورحمة الله وبركاته

رسالتي إليك ليست ككل الرسائل، إنها رسالة من ابن محب في الدنيا لأم محبوبة في الدنيا والآخرة بفضل الله تعالى ومنه وكرمه، رسالة من دار الفناء إلى دار البقاء، رسالة من دار النصب والغرور إلى دار النعيم والخلود، رسالة من قلب يتفطر ألما إلى قلب آثر أن يرحل في صمت.

لم أكن أتوقع أن يخطفك مني الموت بتلك السرعة: جئناك بالطبيب والدواء، وأنت لا تقولين لي إلا: “لنذهب إلى بيتنا” عبثا حاولت أن أقنعك أنك في بيتك ومع ابنك، كنت ترين حينها بيتا لم نكن نحن نراه، كنت تحدقين في السماء برهة وتبتسمين، ولم أكن أعلم أنها لغيري وليست لي، وسألتني إن كنت مشتاقا إليك؟ فأجبتك أنني دائم الشوق إليك ولو كنت دائما بجنبي.

حبيبتي:

ما أقسى قلبي وأنا أواريك الثرى ! أواري الثرى أعز إنسان في الوجود. جاع لأشبع، وظمئ لأروى، وتألم لأستريح، إذا غبت دعا لي بالخير، وإن حضرت غمرني بالحب والحنان، وما أصابني قط مكروه إلا وجدت صدرا رحيما أسكن إليه وحضنا دافئا آوي إليه. هكذا إذن وبكل سهولة تركتك في ذلك المكان الموحش، ومضيت لحال سبيلي. ما أقسى قلبي ! إنه ليس في الوجود قلب أجمل من قلب الأم، ومكان الأم لا يستطيع أحد أن يملأه أبدا كائنا من كان. ولقد قرأت أبياتا عن قلب الأم أحببت أن أضمنها رسالتي هذه حتى يفهما لبيب لا تزال أمه على قيد الحياة، تقول الأبيات:

“أغرى امرؤ يوما غـلاما جاهـلا *** بنقوده كيما ينــال به الوطــر

قال: ائتني بفؤاد أمــك يا فــتى *** ولك الجواهر والدراهم والـدرر

فمضى وأغرز خنجرا في صدرها *** والقلب أخرجه وعاد على الأثـر

لكنه من فرط سرعتــه هــوى *** فتدحرج القلب المقطع إذ عثــر

ناداه قـلب الأم وهــو معـفر: *** ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر؟

فكأن هذا الصوت رغـــم حنوه *** غضب السماء على الغلام قد انهمر

فدرى فظيـع جنايــة لم يجنـها *** ولد ســواه منذ تـاريخ البشـر

فارتد نحـو القلب يغسلــه بمـا *** فــاضت به عيناه من سيل العبر

ويقول: يــا قلب انتقـم مني ولا *** تغفـر فإن جريــمتي لا تغتفـر

واستــل خنجره ليطعــن قلبه *** طعنــا فيبقى عبرة لمـن اعتبـر

نــاداه قلب الأم: كف يـدا ولا *** تطعن فـؤادي مرتين على الأثـر”

حبيبتي:

في يوم عاشوراء، طلبت سيارة إسعاف، وحملتك إلى المستشفى، وطلبوا مني أن أحملك إلى مراكش رغم إمكانية إسعافك بعين المكان، وهم كانوا يعلمون أنك ربما لن تصلي إلى هناك.. ذهبنا، وجلست إلى جنبك بالسيارة، وأنت ممدة أمامي، أناديك فتحركين رأسك. سألتك إذا كنت تعرفينني، وإن كنت راضية عني، فأومأت برأسك أن نعم. وضعت على جبهتك المنيرة يدي اليمنى، وبقوة ضممت بالأخرى يدك، وقرأت بتبتل سورة يس، وسورة الملك، ثم قرأت الشهادة عدة مرات في أذنك، في ذلك الوقت كانت ملائكة الرحمن حولك، وأنا لا أرى شيئا، بللت فمك الذي طالما لهج بذكر الله والصلاة على حبيب الله بشيء من الماء، وبعدها أسلمت الروح باريها.

حبيبتي أمي:

لقد كانت جنازتك مشهودة، لم تشهد قريتنا لها نظيرا، إذ صلى عليك جمع غفير، وعزى فيك الآلاف، ورأوك يا حبيبتي في المنام عروسا في أبهى حلة، ورأوك تركبين سفينة تسير في البحر لا تخشى الغرق.

لقد قطع نياط قلبي أنني لم أكن أعرف أي معدن نفيس كنت إلا بعدما رحلت عني ! كنت أعرف أنك قوامة، صوامة، ذاكرة لله، زاهدة في متاع الدنيا، لكن لم أكن أعرف أن لك أفضالا أخرى لم يكشفها سوى موتك … وأتذكر الآن وبغصة في الحلق بضع مرات كنت أمازحك فيها فتقولين لي: “أنت شبعت مني الآن، لكن أمهلك حتى تشتهي أن تنظر إلى وجهي فلا تجده.”.

حبيبتي أمي:

سررت كثيرا، لأنني في هذا العام، -وفي زمن قياسي أخذتك إلى كل مكان أحببت الذهاب إليه، لم أقل لك قط “لا”، وكنت دائما تمطرينني بدعواتك الصالحة ذهبنا إلى “تاكونيت”، وناديت كل صديقاتك التي كنت تجالسين وتحبين، ولم تكوني رأيتهن منذ ثمان سنين، ثم ذهبنا إلى “مراكش” حيث ضممت حفيدك للمرة الثانية والأخيرة، ثم إلى “أيت هاني” ولم تزوريها منذ عشر سنوات ونيف، و ….. وفي عيد الأضحى زرنا معا كل العائلة دون استثناء، وكنت بعد كل زيارة تقولين لهم: “ربما لا ألقاكم بعد اليوم أبدا”، لم يكن أحد يلقي بالا لما كنت تقولينه، طلبت مني أن أدعك أسبوعا آخر ثم أرجع لأصطحبك معي، كنت تحسين بدنو الأجل، ولم نفهم نحن شيئا.

أمي حبيبتي:

الناس كلهم قاطبة يشهدون لي أنني كنت برا بك ومرضيا، لكني لا أدري إن كنت حقا كذلك. أندم الآن على كل اللحظات التي عكرت فيها صفوك  على قلتها  لكني أفرح عندما أذكر دعواتك لي بالخير، وبشاشتك وكل لحظات الصفو التي عشناها معا في هذه الدنيا.

حبيبتي:

والله لقد كنت زاهدة في الدنيا، ولم تكن تساوي عندك شيئا، لم تتركي ذهبا ولا فضة، لم تلبسي أفخر الثياب، ولم تعرف أذناك قط قرطا، ولا عنقك عقدا، كنت تعرفين أنك لم تخلقي لهذه الأشياء، بل لما هو أجل وأعظم. أحببت المومنين والمومنات، وآويتهم وزرتهم، وكنت معهم في السراء والضراء، وكلهم ينادونك :”أمي كلتومة”، كنت لهم أما ولست لي وحدي.

ها أنت قد رحلت عن دنيانا هذه، رحلت عن ضوضائها وصخبها ونصبها وتعبها وضنكها وآلامها وأسقامها، وأهلها المتعلقين بها، رحلت عن أهلها الذين أحبوك وأكرموك وحملوك في رموش أعينهم، وعن أهلها الذين آذوك وآلموك. رحلت إلى جنات عرضها السموات والأرض بإذن الله، إلى رب كريم رحيم يقبل التوب ويغفر الذنب.

أمي:

كان لي إزار كنت أعددته ليكون لي كفنا، ولقد آثرتك به على نفسي. إزار كنـتِ تصدقتِ به يوما ولم تعلمي كم يساوي ثمنه عندي، فاسترددته وقدمت بدلا عنه جديدا أجمل منه، وهبتك إياه ليصير لك كفنا وهو أغلى شيء أملكه. وفي لحظة الوداع، كشفت عن وجهك فوجدتك تبتسمين ابتسامة عريضة كبيرة، قبلت جبينك الوضاء، وأنا أعلم أنها آخر قبلة أطبعها على جبينك، وأنني لن أراك بعدها إلى يوم القيامة، وكنت تبتسمين، وكان وجهك يتلألأ نورا. كيف لا وأنت خرجت من دار النصب ومضيت لدار الراحة والخلود.

هنيئا لك الميتة التي متها ! في اليوم المبارك عاشوراء، وهنيئا لك أن أرحت واسترحت، وشهد لك الناس قاطبة بالخير والصلاح، ورأوك في رؤاهم بأجمل وأحلى هيئة وصورة. وهنيئا لي أن كنت برا بك، وشرفني الله سبحانه – وله الحمد والمنة  أن حظيت بشرف وجودي بين أحضانك كل هذه السنين الطويلة، لم تحبي أن تستقري إلا معي وعندي، ولم ينازعني فيك أحد، بل أنا الذي استقررت عندك وفي بيتك فأنت الأصل وما أنا إلا فرع من دوحتك العظيمة. هنيئا لي أن حظيت بشرف حملك على ظهري وإطعامي لك بيدي، ونومي تحت سريرك في لحظات الوداع الحزينة. وهنيئا لي أن فاضت روحك الطاهرة وأنت بين يدي وأنا أودعك بكلام الله أتلوه بكل خشوع حتى سلمت الروح لخالقها. وهنيئا لي أن كنت أول من قبل جبينك بعد وفاتك وآخر من رآك قبل دفنك.

حبيتي أمي:

وددت لو طال حديثي إليك، لكني أدعك الآن تستريحين، وعلى أمل اللقاء بك في الفردوس إن شاء الله وعلى حوض رسول الله عليه صلاة الله وسلام الله، أستودعك الله الذي لا تضيع عنده الودائع.

أسأل الله أن يرحمك والدتي رحمة واسعة، وأن يكرم نزلك ومثواك، ويجلعلك مع السعداء، وأن يغسلك بالماء والثلج والبرد ، ويسعدك بلقائه، ويجعلك في أعلى عليين مع النبيئين والصديقن والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

وأختم رسالتي هذه إليك بأبيات من الشعر قلتها في رثائك.

يا مــن يحن إليك فؤادي *** كلتومـتي بدر هذي البــلاد

يـا زهرة قد قلاني شذاها *** فـاحت زمانا بتلك البــوادي

يـا بسمة من جمال نضير *** ها قد رحلت ولا لن تعـودي

بعاشوراء أتتك وفـــود *** أهلا وسهلا بتلك الوفـــود

ملائك من إلهي كـــرام *** مرحى بحب أتي في ميعـاد

طرت إلى الخلد يا أحلى أم *** فالدمع مني جرى في خدودي

ما في الدنى مثل قلبك أمي *** يا أحلى قلب بهذا الوجــود

ها قد رحلت سريعا وسرت *** ألبستني اليوم ثوب الحــداد

والناس قد ودعوك جميعـا *** قد أسلموك لتلك اللـــحود

واروا تـرابا جميل السجايا *** عذب اللسان وأحنى الفـؤاد

كلتومـــتي فلتنامي فإني *** أمي حفظت عــهود الوداد

ابنك المحب

الحسن شعيب