أمـا قبل:

الأنبياء صفوة الخلق وخيرة البشر، التصديق بهم ركن ركين لا يستقيم إيمان إلا به، يقول عـز سلطانه في خواتم سورة “البقرة”: {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون، كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله}، ويقول سبحانه في سورة “النساء”: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف نؤتيهم أجورهم، وكان الله غفورا رحيما}؛ ابتعثهم الله تعالى لهداية من شاء من عباده وإقامة الحجة على من جحد وعاند، مصداقا لقوله جل وعلا: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، وكان الله عزيزا حكيما} 1

تـأطـيـر:

إن المتتبع لسير الأنبياء وأخبارهم عليهم السلام يقف على أن لكل نبي أو رسول خاصية أو أكثر تميزه، لله تعالى فيها حكم وأسرار كانتفاضة سيدنا إبراهيم عليه السلام ضد عبادة الأصنام التي تفنن أبوه آزر في صناعتها، يقول عز من قائل: {وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر أتتخذ أصناما آلهة، إني أراك وقومك في ضلال مبين} 2 ، وإلقاء سيدنا يوسف عليه السلام ـ وهو طفل ـ في البئر ليبدأ من قاعه مسيرة تحقق نبوة الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر، يقول تعالى:{فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابات الجب، وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} 3 ، ونشأة سيدنا موسى عليه السلام في قصر فرعون، يقول جل جلاله على لسان فرعون في معرض سجاله مع سيدنا موسى عليه السلام:{قال: ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين} 4 ؛ والعنوان الأبرز لحياة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو اليتم، يقول تعالى في سياق تعداد نعمه على نبيه: {ألم يجدك يتيما فآوى} 5 ، ويتمه صلى الله عليه وسلم خاصية بارزة جديرة بالتأمل استنباطـا لأسرار إلهية وحكم ربانية يستهدي بها المسلمون عامة ومن انبرى لمشروع انبعاث الأمة استشرافـا لموعود الله ورسوله أن بعد قرون الوهن والانكسار التاريخي للمسلمين سيبزغ فجر العزة ويشع نور الحق والإيمان ليعم العالم بأسره، وفي الحديث: “ليبلغن هذا الأمر -يعني الإسلام- ما بلغ الليل والنهار، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين، بعز عزيز، أو بذل ذليل، عـزًا يعز الله به الإسلام وذلاً يذل الله به الكفر” 6 .

يتم مركب:

لقد كان يتمه صلى الله عليه وسلم مركبا، فقد ولد صلى الله عليه وسلم يتيما، إذ مات أبوه عبد الله وأمه حامل به لشهرين، وبعد ولادته انتقل ليعيش في بني سعد مع مرضعته حليمة وفي ذلك يتم آخر إذ حرم من حضن الأمومة خمس سنوات، ولم يكد يهنأ بدفء أمه حتى توفيت وهو في السادسة من عمره ليكفله جده عبد المطلب سنتين قبل أن توافيه المنية هو الآخر لينتقل صلى الله عليه وسلم إلى كفالة عمه أبي طالب الذي سيتوفى هو وخديجة ـ رضي الله عنها ـ زوج النبي صلى الله عليه وسلم في العام العاشر من البعثة.

دروس وعبر:

1. لقد اختار الله عز وجل لنبيه هذه النشأة لحكم باهرة، لعل من أهمها أن لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب أو إيهام الناس بأن محمدا صلى الله عليه وسلم إنما رضع لبان دعوته ورسالته التي نادى بها منذ صباه، بإرشاد وتوجيه من أبيه وجده. هكذا أرادت حكمة الله أن ينشأ رسوله يتيما، تتولاه عناية الله وحدها) 7 . لقد اقتضت العناية الإلهية أن ينشأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيما ينتقل من كفالة لأخرى حتى إذا بعث وخاض غمار الدعوة يواجه طوفان الشرك توفي عمه وزوجه خديجة رضي الله عنها في نفس السنة ليفقد صلى الله عليه وسلم كل سند اجتماعي، فقد كانت خديجة رضي الله عنها ـ كما قال ابن هشام ـ وزير صدق عن الإسلام، يشكو الرسول إليها ويجد عندها أنسه وسلواه. أما أبو طالب، فقد كان عضدا وحرزا في أمره… فلما هلك أبو طالب نالت قريش من رسول صلى الله عليه وسلم من الأذى ما لم تكن تطمع له في حياة أبي طالب، حتى اعترضه سفيه من سفهاء قريش فنثر على رأسه ترابا. ودخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيته والتراب على رأسه، فقامت إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها: لا تبك يا بنية فإن الله مانع أباك.) 8 .

2. مما سبق يتضح وبجلاء أن النبي صلى الله عليه وسلم شأن جميع الأنبياء والرسل عليهم السلام اصطفاء رباني وصناعة إلهية خالصة مصداقا لقوله تعالى في حق سيدنا موسى عليه السلام:{وألقيت عليك محبة مني، ولتصنع على عيني} وقوله جل جلاله:{واصطنعتك لنفسي} 9 ، تدبير إلهي خاص لمهمة خاصة جدا، التبليغ عن الله، والدلالة عن الله بالحال قبل المقال.

3. من جهة أخرى، لو أن أبا طالب بقي إلى جانب ابن أخيه يكلؤه ويحميه إلى أن تقوم الدولة الإسلامية في المدينة وريثما ينجو الرسول (صلى الله عليه وسم) من أذى المشركين وقبضتهم، لكان في ذلك ما قد يوهم أن أبا طالب كان وراء هذه الدعوة، وأنه هو الذي كان يدفعها إلى الأمام ويحميها بمكانته وسلطانه بين قومه..) 10 ، واتخذت الدعوة طابعا عشائريا يؤصل لتوريث الحكم الذي ابتلي به المسلمون منذ العهد الأموي.

4. عبرة بليغة من نشأته صلى الله عليه وسلم وحرمانه من أي سند اجتماعي تتمثل في تجنب أبناء الدعوة اليوم العلاقات المشبوهة مع القوى الأجنبية حفاظا على نقاء العمل الإسلامي وتفاديا للخطاب التخويني التآمري الذي يجيده خصوم الإسلام ويتفننون في تخريج رواياته، وكيف يربطون أي ظهور أو نصر للإسلام بقوى أو مؤسسات استكبارية حتى لا تتقد شعلة الثقة والأمل في قلوب الشباب المتعطش لدينه، وأبرز مثال ما راج من تفسيرات لانتصار الجهاد الإسلامي ضد الدب الروسي بأفغانستان الجريحة اليوم.

5. إن نشأة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتمه وحرمانه من أي سند اجتماعي مثال حي ودرس تطبيقي لما يجب أن تكون عليه الدعوة الإسلامية في كل زمان من اعتمـاد كلي على الله تعالى ويقين راسخ لا يتزعزع في أنه سبحانه هو الحافظ الناصر المسدد المؤيد متى كان المنهاج التربوي لصف الدعوة نبويا، واستحق المنبرون لها وسام “عبـاد الله” واستوفـوا مقتضيات العبودية الحقة أفرادا وجماعة، وفي الحديث القدسي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله تعالى قال: “من عادى لي وليا فقد آذنته بالحـرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعـاذني لأعيذنّه.” 11 .

خـلاصـة:

لقد كانت بعثة الرسل والأنبياء عليهم السلام عموما وبعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة أخـص -باعتبارها الرسالة الإلهية الأخيرة للإنسان- محور التاريخ البشري، تمثل منعطفا حاسما لتصحيح مسار الإنسانية وتذكيرها برسالتها وغاية وجودها المتمثلة في إقامة مجتمع العمران الأخوي. واليوم ونحن في زمن انبعاث الأمة لتعانق موعـود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبشارته العظيمة للمسلمين بالنصر والتمكين أحوج ما يحتاجه أبناء الدعوة هو الارتواء من المنبع النبوي تأسيا كاملا في التربية كما في التخطيط كما في الإعداد والتحرك الميداني تأهلا لنصر الله وتأييده، يقول تبارك وتعالى:{وعـد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني لا يشركون بي شيئا} 12 صدق الله العظيم. والحمد لله رب العالمين.


[1] سورة النساء، الآيتان: 151 و 164.\
[2] سورة الأنعام، الآية: 75.\
[3] سورة يوسف، الآية: 15.\
[4] سورة الشعراء، الآية: 17.\
[5] سورة الضحى، الآية: 6.\
[6] رواه ابن حبان في صحيحه\
[7] فقه السيرة النبوية لمحمد رمضان البوطي، ص: 46،45.\
[8] نفس المرجع، ص: 97.\
[9] سورة طه، الآيتان: 41،39.\
[10] فقه السيرة النبوية لمحمد رمضان البوطي، ص: 97.\
[11] رواه البخاري.\
[12] سورة النور، الآية: 53.\