الفصل الثاني: في تصور التغيير

مقاصد التغييرانظر في هذه المقاصد مقارنا إياها مع الفكر الماركسي الذي زعم العلمية والشمولية في قراءة التاريخ والمستقبل، وأنه يملك مفتاح السعادة الإنسانية والعدالة الاجتماعية بعيدا عن الدين فهو أفيون. لكنه عند الامتحان هان وكان عاقبة أمره خسرا.

– العدل

رأت الماركسية في الدين، زهده في الدنيا، وممالأته للظلم والحاكم به. الدين، بما هو زهد في الدنيا ونبذ لها، يحول دون الإنسان وحظه في الطبيعة. وبما هو سند للاستبداد، يبرر حرمان الإنسان من حقه في الطبيعة. فهو بهذين استلاب لحق الإنسان في الطبيعة.

الإسلام أثبت حق الإنسان في الدنيا. وهو لا يرضى الظلم. ويرى في كل ذلك عبادة إن خلصت النية. تصور الإسلام أنه زهادة محضة غلط. كما هو انحراف في الفهم، تصوره وليا للاستبداد. لقد انحرف الفهم فكان هذا؛ حيث بعض الصوفية انزووا، وديدان القراء سندوا حكم العض والجبر.

ترى الماركسية في الدين أفيونا للشعوب، صارفا لهم عن حقهم في الطبيعة. فوجب القضاء عليه جذريا. لا يكفي فصله عن الدولة؛ بل ينبغي فصله عن الإنسان.

الدين عند الله الإسلام، والإسلام حق الإنسان في ربه ومعرفته ورضاه. وهو يطلبه في كل شيء. يطلبه في الدنيا، كما يطلبه في الآخرة. من أجل ذلك، فلا يجوز فصل الدين عن الدولة أو حياة الإنسان.

لا يقبل ماركس، أن يحال بين الإنسان وبين الطبيعة، في جميع الأحوال. من أجل ذلك ينبذ الدين في السياسة والمجتمع.

فيما هو الإسلام لا يقبل أن يحال بين الإنسان وبين ربه. لذلك يرفض أن يفصل الدين عن السياسة والمجتمع.

يرى ماركس أن تحرير السياسة من الدين، لا يعني تحرير الإنسان منه. وأن هذا يؤثر في السياسة. فلا كلام إلا بنبذ الدين كلية.

لكنه الإسلام يرى هذه الرابطة قائمة. وهو يطلب أن يكون الدين حاضرا في المجالين؛ في تدبير الأشياء وتربية الإنسان. تصور الإسلام دينا دون دولة خطأ. وتصوره دولة دون دين خطأ أيضا. التربية في الإسلام تنصب على تربية الأفراد، وتنشئة الجماعة، دولة ودعوة.

ترى الماركسية في الدين، تعبيرا عن التناقض الحاصل بين الإنسان والطبيعة؛ حيث يحال بينه وبينها، بعضها أو كلها. فهو يملك شيئا من الطبيعة، أو لا يملك. وحيث لا يملك كل شيء فيها؛ فهو شقي يبحث في الدين عن كليته المقدسة، ويرى في الدولة ذاته الإنسانية. وهكذا تكون الدولة والدين بُلْغَة، تسد رمق حرمان الإنسان من الطبيعة.

يرى المسلم العامي في الدولة استبدادا وجب الخضوع له، أو يرى في الدنيا والطبيعة قعودا عن الآخرة. فتفوته عبادة الله في إقامة العدل في الحكم، وقسمة الأرزاق. حل مكان العبادة التامة، خضوع للظلم، ونبذ للدنيا. وهكذا انتزعت الدولة الظالمة، كما انتزعت الزهادة، من الإنسان، حقا ثم حقا في العبادة.