يعد الوضع الاجتماعي بالمغرب -كما لا يخفى- الأسوأ على مستوى العالم العربي، وهو الأزمة الأخطر لارتباطها باستقرار البلاد وأمنها، فمعدلات البطالة في ارتفاع، والأمية في اتساع، والفجوة بين الأغنياء والفقراء في تنام مستمر، ناهيك عن سرطان الفساد الإداري و السياسي الخبيث الذي يهدد (إلى جانب معضلات أخرى) أركان البلاد، مالم تتوفر الإرادة السياسية الصادقة للتغيير وبسرعة وحزم.

لقد أدى الوضع الاجتماعي المأزوم إلى تحويل جزء من المغاربة إلى قرابين للحيتان الجائعة في عرض البحر، و قنابل موقوتة مستعدة للتفجير، و”لحوم” رخيصة تباع من أجل الظفر بلقمة العيش عن طريق الدعارة التي أزكمت رائحتها الأنوف، وعقول مخذرة أصبح شبابنا العزيز “يبدع” في أشكالها وألوانها، وأطر عليا يمارَس عليها العنف والقمع والإرهاب في أبشع صوره، وسرقة وجريمة وقتل في واضحة النهار مما ينذر بما لا يعلمه إلا الله تعالى، زد على ذلك الارتفاعات الصاروخية المتتالية في المواد الغذائية، حتى أن مديرة الاتصالات ببرنامج الأمم المتحدة للأغذية والزراعة حذرت من أن يؤدي الجوع إلى حدوث اضطرابات اجتماعية ببوركينافاصو والكاميرون والسينغال والمغرب طبعا، يؤكد ذلك ما حدث قبل أشهر من انتفاضة اجتماعية بمدينة صفرو، وما حصل من وقفات احتجاجية بمدن أخرى وما يُنتظر ويُترقب إن استمر الوضع على ماهو عليه، فاللهم سلم.

لقد سكت الشعب المغربي طويلا حتى صرخ فيه الصمت يوم السابع من شتنبر، ذلك اليوم التاريخي المشهود في تاريخ المغرب والذي لا يجب أن ينسى أبدا، فهو استفتاء شعبي رافض للأوضاع مستنكر لما يجري ويحصل بالبلاد.

لقد قاطع الشعب برمته ملهاة ما أسموه كذبا وزورا “بالانتخابات”، لأنه أدرك أنها مسرحية فقط من مسرحيات المخزن الفاشلة التي يبدع في إنتاجها وإخراجها دقا للطبول وضحكا على الذقون .. لأنه أدرك أنها عملية يراد منها التمويه والإلهاء ونسج الأحلام وتسويق الوهم وتزيين الواجهة وامتصاص الغضب وتسكين الآلام .. لأنه أدرك أنها لا تفرز سوى مؤسسات صورية لا صلاحية لها ولا تملك اتخاذ أي قرار.. لأنه أدرك أن السلطة الحقيقية والمحرك الفعلي للمشهد السياسي يقع خارج اللعبة السياسية والمنافسة الانتخابية ولا يخضع للمسائلة والمحاسبة.. لأنه أدرك أنها تفتقد للشروط اللازمة لعقد انتخابات ذات مصداقية فلا فصل للسلط ولا سيادة للشعب ولا حرية للرأي والتعبير والتنظيم…، لأنه أدرك أن القصد منها تلميع الصورة أمام الخارج وإقناعه بأن المغرب دولة ديمقراطية تتوفر على مؤسسات منتخبة.. لأنه أدرك أنها غير ذات جدوى ولا يرجى منها أي نفع  له- لا من قريب ولا من بعيد.

لأن الشعب أدرك كل هذا فهو لم يشارك في الملهاة/الانتخابات كاحتجاج صارخ على الإفلاس الذي تعيشه البلاد بما كسبت أيدي طبقتنا السياسية الآثمة التي يجب أن ترحل حتى يبدأ التغيير الحقيقي.

السابع من شتنبر حدث تاريخي “مفصلي” كان بإمكانه أن يكون فاصلا بين عهدين وزمنين لو أحسنا التقاط الإشارة، فلو حصل ما حصل في أي دولة أخرى تحترم نفسها ومواطنيها ومواقفهم لاستقال كل الذين تسببوا في المهزلة أو أُقيلوا، ولقامت الدنيا ولم تقعد. لكننا في المغرب.

هناك شبه إجماع عند كل “شريف” سواء كان شخصا أو هيئة، بأن المغرب يعيش في قاع الإفلاس، وأن الأزمة عمت وطمت وتفشت كالسرطان سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا وعلميا … ولا يكتوي بتلك النار إلا الشعب المقهور.

وبالنظر إلى هذا الوضع الكارثي الصعب لا يعدو أن يكون تغيير البرلمان (حتى لو كان عبر انتخابات نزيهة) أو الحكومة وحتى تعديل الدستور إلا تهوية للجو السياسي وإضفاء للحيوية على مؤسسات جامدة، كما أنه لا يكفل حل الأزمات العرضية بله المزمنة.

إذن وأمام هذا «الخراب» الذي تعيشه البلاد ويعاني منه العباد فنحن في حاجة إلى تغيير عميق مداخله الأساسية  في رأيي-كالتالي:

أولا: على الطبقة السياسية العجوز، المزهوة بنفسها وتاريخها، المتناسية أن الشرعية يعطيها الشعب لا التاريخ مع احترامه.. على هؤلاء “السادة” المسترخون على أرائكهم، المستسلمون لصفعات السنين، المسؤولون عن النزيف الذي يمتص دماء الشعب، الثابتون على كراسيهم ثبات الأوتاد ولا يريدون أن يغادروا مغادرة طوعية.. على هؤلاء جميعا أن يرحلوا وينصرفوا ويعتزلوا الحياة السياسية  نهائيا- لكي يتغير المجتمع، فالتغيير لا يمكن أن يقوم على يد نفس الأشخاص الذين أوصلونا هذا الدرك.

ثانيا: بعد أن يرحل هؤلاء (إذ بقاؤهم يشكل عائقا في وجه التغيير) لا بد أن تباشَر إصلاحات عميقة وجذرية على مستوى بنية الأحزاب والتنظيمات تنتهي بإنشاء تحالفات قوية يمكنها أن تؤسس لمنافسة جادة ومسؤولة حتى يصبح للحياة السياسية معنى.

ثالثا: المدخل الثالث للتغيير والذي هو تتويج للإصلاحات المذكورة سابقا، هو بناء حركة مجتمعية قوية تتكون قاعدتها من مختلف الهيئات السياسية والعلمية والحقوقية والنقابية… مهما اختلفت مشاربها وتصوراتها وبدون إقصاء لصياغة مشروع مجتمعي واضح الخطة، ولتكون هذه الحركة قائدة المسير التغييري بالبلاد وقاطرة النهضة والتعبئة والبناء، على أن تنطلق -هذه الحركة- من أرضية متفق عليها تكون عاصما من القواصم بعد نقاش طويل وحوار هادئ ورصين يُغَلِّب المصالح العليا للبلاد والعباد على المصالح الشخصية والتنظيمية .

ثلاث مداخل إذن أراها أساسية لأي تغيير عميق، بها يمكن أن نقطع مع المخزن وجلاديه، وعليها يمكن أن تتأسس دولة الحق والقانون والحرية، إذ لا مخرج من الإفلاس الشامل إلا بالمقاربة الشاملة، ولا مخرج من النفق المظلم إلا بالتغيير العميق، كما أن بناء المستقبل في بلد كالمغرب ومن خلال تجارب عديدة لا يقوم على وعود انتخابية أو برامج حكومية مهما كان بريقهما، بل على فعل تاريخي مؤسِس هو الوحدة والشراكة بين مكوناته عن طريق بناء حركة مجتمعية قوية ذات إرادة حرة.

دون هذا سيستمر المخزن، وستستمر دولة التعليمات، وسيستمر معهما جور الظالمين وفساد المفسدين المستأثرين بالسلطة والمال، المستفيدين من خيرات البلاد دون رقيب ولاحسيب، وستستمر معهما  طبعا- المرارة والبؤس والأسى والأحزان والمعاناة والحرمان لشعبنا الكريم.