يتابع الصهاينة تنفيذ الحلقات الجهنمية في مسلسل المحرقة الرهيبة، التي يكتوي بلهيبها كل الشعب الفلسطيني، تحت سمع العالم وبصره، بل بدعم وتشجيع وتفهم العالم الإنساني الحر(؟؟؟؟). هكذا تحصد الآلة الحربية الصهيونية الغاصبة أرواح العشرات من الأطفال والشيوخ والنساء وتحدث من الدمار ما لا يقدر على فعله إلا من انسلخ من كل ذرة من ضمير أو قيمة إنسانية إيجابية، وهو حال اليهود أعداء الإنسانية. وإذا كان الدعم والتحريض الأمريكي والتواطؤ الغربي عموما قابلا للتفسير، إذ أن مبرره الحقيقي القائم يتلخص في الرغبة في استئصال شأفة الإسلام المقاوم، لكونه يقوم عائقا أمام استكمال مشاريع هيمنتهم على مقدرات الأمة وإخضاعها كليا لإرادتهم، فإن ما لم يتمكن جمهور الناس من استساغته هو هذا الصمت الرهيب للحكام العرب وخذلانهم المعيب لإخوة الدم والعقيدة في فلسطين. ولعل هذا أكبر ما نددت به التظاهرات والفعاليات الشعبية المناصرة للقضية. غير أن المحللين ذهبوا أبعد من مجرد إدانة الصمت الرسمي إذ اعتبر الكثير منهم أن معظم الحكام العرب شركاء ومتواطئون مع النظام الصهيوني إما بشكل مادي مباشر أو من خلال توفير الغطاء السياسي والمبرر الأخلاقي لهذه الجرائم، فضلا عن ممارسات أخرى تبرز عمق هذه الشراكة.

وإذا كانت التقارير الإسرائيلية والغربية عموما تبرز استقرار وتنامي وثيرة التعاون والتنسيق السري والعلني المتواصل منذ سنوات طويلة بين معظم الأنظمة العربية والنظام الصهيوني اللقيط، خاصة في الشق المخابراتي والاقتصادي، فإن المعركة الأخيرة كشفت عن تماهيها التام مع المشروع الصهيوني. فقد أبرزت بعض التقارير أن هذه الهجمة الشرسة تمت بتشجيع بعض أنظمة الطوق التي اعتبرت حماس عدوا مشتركا يفوق خطره تهديد النظام الصهيوني لأمنهم القومي. وقد رصد كثير من المراقبين بعض أشكال التواطؤ الرسمي العربي مع جرائم الحرب الصهيونية، ولعل أبرزها قمع الحركات الممانِعة للتسرب الصهيوني وخاصة الحركة الإسلامية. يضاف إلى ذلك قمع الشعوب والحؤول دون تعبيرها عن مشاعر التنديد والاستنكار ضد تلك الجرائم سواء من خلال منع الفعاليات التضامنية أو الاعتداء المباشر على الناس في الشارع العام كما حصل في المغرب ومصر وبعض الدول الأخرى. ولا ينفك هذا عن التعمية الإعلامية الصريحة وحجب التغطية النزيهة والكاملة لوقائع المحرقة الصهيونية، بل تهميش الحدث وتوجيه الرأي العام إلى قضايا محلية أو خارجية تافهة. وثالثة الأثافي عدم إصدار موقف رسمي مناسب لحجم تطلعات الشعوب وفي مستوى حجم الكارثة. بل أخطر من ذلك إيجاد العذر وتوفير المبرر الأخلاقي للعدوان الصهيوني كما ورد في بعض البيانات الرسمية وتصريحات بعض المسؤولين العرب الذين سوّوا بين الضحية والجلاد. كل هذه التصرفات وغيرها دفعت المراقبين إلى تصنيف الموقف العربي الرسمي في نفس خانة الموقف الصهيوني الإجرامي. وقد صرح أحد القيادات المدنية الإسلامية في بريطانيا بأن مسؤولين في وزارة الخارجية البريطانية واجهوا وفد الفعاليات الإسلامية التي طالبتهم بالتدخل لوقف المجازر الصهيونية في غزة بالموقف العربي المشارك في الجريمة.

إن الغباء العربي الحاكم والمتمكن من رقاب الأمة لا يعتبر ولا يتعظ. الحكام العرب يعلمون أنهم ملفوظون ومنبوذون وأن الشرعية سحبت منهم. غير أنهم لا يدركون أن ارتهانهم بأعداء الأمة وتعويلهم عليهم لإطالة بقائهم في السلطة يدفعهم لارتكاب الكثير من الحماقات التي تسرع وثيرة رحيلهم. ويبدو حال هؤلاء الحكام كحال مريض يائس من برئه يرتقب في كل لحظة فناءه، وبالرغم من ذلك يصر على تجريب أي وصفة يمكن أن تديم حياته ولو للحظات. وهو في خضم هذا اللهث لا يدري أين مصلحته بل قد يأتي من الرعونات ما يعجل بمصرعه.

لقد بدأ يترسخ ويتنامى وعي رصين لدى النخب الوطنية الصادقة، وفي صفوف شريحة واسعة من الجماهير، أن تحرير إرادة الأمة وإيقاف النزيف الذي تعاني جراءه من كل المصائب، وإخراجها من الدائرة الجهنمية لأعدائها والطامعين في خيراتها تبدأ بخطوة لامناص منها ولا تتحقق تلك الأهداف دون الإقدام عليها، وهي التحرر من أنظمة الجبر والاستبداد وإنقاذ البلدان من تبعات فسادها وعمالتها واستقوائها بالأعداء.

بيد أن هذه الخطوة الحاسمة تحتاج إلى أن تقف على أرضية صلبة ويتجنّد لها كل الصادقين والغيورين، وتتعبأ حولها الجماهير وتحدد بوصلة اتجاهها. هذه الأرضية الصلبة لايمكن إلا أن تكون ميثاقا وطنيا جامعا للإرادات وموجها للعزائم ومتحديا كل التحالفات أو محاولات الإجهاض.