أبيات نظمها الأستاذ منير الركراكي “وفاء بعهد الود، واستجابة لطلب منها عز أن يتحقق في حياتها، وجاء البريد الغيبي بتأكيد الطلب، فلم يكن إلا أن تستجيب القريحة، ولو أن الروح كليمة جريحة”. بمناسبة وفاة زوجته السيدة كريمة صليان إثر حادثة سير ليلة الإثنين 18 يوليوز2005.

أعيـني سِحَّـا بدمع الوفـاء *** فإن الدمــوع لمثلي عـزاء

كريمة مــاتت ولا من أنيس *** سوى مــا يمدد في البـرحاء

ففي كل مــا خلفتـه معين *** على الحـزن مهما ادعيت الهناء

وقـول الحبيب يُسَلِّي الفؤاد *** ألا ليس في الدمـع والحزن لاء

إذا كـان قلبك دون اعتراض *** وهـل لِلْمُسَلِّمِ إلا الرضــاء

وكيف يَحِلُّ لعيني الجفــاف *** وقـرتها أَصْبَحَتْ في اختفـاء

وكيف يحـل لقلبي السكـون *** وملْءُ الشغاف أجاب النـداء

يقول ابنهـا هل أنـا في منـام *** ألا طمئنــوني برب السماء

ومن ذا يصدق هذي الوفــاة *** ومن فُقِــدَتْ هي رمز النماء

أتت من رباط1 حوى مؤمنـات *** لذكر الإلـــه وَرَصِّ البناء

أتت كـلها أمـل ورجــاء *** أتت كلـها فرحـة وبهــاء

أتت كـلها طيبة وبـــراء *** من الحــول في ذلة وامِّحَـاء

تقــص علينا بريد السمـاء *** وما قد حبــاها به في سخـاء

وتحكي لنـا عن رضى واحتفاء *** من المومنــات وطيب ثنـاء

كــأن كريمتنــا بينهـن *** عــروس تزف بأغـلى هِدَاء2

تقـص رؤى عن حبيب الإله *** عن المصطفى كيف حف اللقـاء

برحمته منذ رَفْـعِ الستــار *** إلى أن خَتَمْــنَ اللِّقَا بالدعـاء

وَكُنَّ يعــانقنها بانتشــاء *** وَكُنَّ يُقَبِّــلْنَهــا بحبــاء

فقد أخبر الزوج عنـها وقـال *** حبـاني إلهـي بخير النســاء

ببنت الأصـول سليل الفحول *** جميـل الخــلال عديم الكفاء

حباني بمن إن أمرت استجـابت *** ومن إن نظـرت رأيت الرُّواء3

ومن إن نأيت وطــال انتظار *** فخــير وِكاء لخيـر وعـاء

هـي العون عند البـلاء تجده *** ومـن مثلهـا سُلوة في البـلاء

وبيت الكـريمة نعـم المـلاذ *** لطـالب علــم وراجي العلاء

ينـام النـزيل قرير الفـؤاد *** ومضجعــها يشتكي من جفـاء

لها في النصيـحة4 سبق اقتحام *** وفي شُعبـة5 الحي حسن البـلاء

وجــار الكريمة ليس يُضام *** وكيف يضــام وفيها إبـــاء

ويحـــظى منير بخير الثناء *** ويَنسى المُكــرَّم جُند الخفــاء

هي الأم والأخت والمستشـار *** وحكمتهـــا حِمية ووِجـاء

لهـا نظر ثـاقب في الأمـور *** فأبشــر إذا كـان منها ارتياء6

وإن كُلِّفت سهـرت لا تبالي *** ولم تغمض العين حتى الضّحــاء7

وكـم من رؤى بشرتها بموت *** على سَنَنِ الصّفــوة الشهداء؟

وأين شهادة هدم الجُســوم *** بكُبرى هي البـذل حتى الفناء؟!

بسبقٍ وصِـدقٍ وعمْق ورِفْقٍ *** وذوق وحذق بـدون ريـــاء

وعلــم الرواة وحلم الثقاة *** وعــزم الأباة وذل الإمــاء

وفي بيتهــا راحة واكتفـاء *** لشيء جميــل بلا غُلَــواء8

نظيـف عفيف لطيف ظريف *** أصيـل قليـل خفيـف الأداء

فمَــن هذه مِن مُنير تجلَّت *** بأحـلى صفـات وأغلى كِساء؟!

بلَبس التُّقى والنقا والصـفاء *** ولَبْس الهـدى والرضى والحياء

ولكن رُؤْيتَــكَ البَدْر تُغْنِي *** عن الخبــر الصدق كلَّ الغَناء

أتينـا بها من عَروس الشمال *** رجعنــا إلى دُرَّةِ الأوليــاء

كما وُدِّعت بالرضى والبكاء *** كذا استقبلت بالرضى والبكـاء

روت ما روت في طريق الرجوع *** لأغلى مُقيم بـأحلى ثَـواء9

وقالت وصـال بعيد الزوال *** بعطف مـلاك ولطـف زُقـاء10

متى نقتـني مسبحـا للصغار *** بذا قـد وَعَدْتَ فأيـن الوفاء؟

من الظهر حتى قُبَيْل الغروب *** ونحـن نداري وصـال البـراء

إلى أن أجبنا نـداء الوصـال *** مضينا لمرجـان11 قبل العِشـاء

ولم نـدر كيف رمتنا الطريق *** إلى حـافة حـل فيهـا البـلاء

كـريمة فاضت دماها الغزار *** ولم يبق إلا حَسـيس ذَمــاء12

أتى الناس من كل حدب وصوب *** وقد هالهم ما رأوا في الخلاء

صيـاح تعالى ولا من مجيب *** كريمــة في خطـر وعنــاء

واسعـاف مغربنا في غياب *** إلى أن أجـابت لداعي القضـاء

تمنيت لو في الحيـاة رجـاء *** تمنيت لو في العيــون عمـاء

ووالدة الحب تـدعو الإله *** ألا فـلأكنْ يـا رحيـم الفداء

وقيـل تواروا، ألا من غطاء *** وغـطى مُحَيَّى الحبيب الرداء

ألا دثـروني ألا زمــلوني *** فدمعي وحزني إلى الشرع فـاء

ولكن قولي بـريد الرضـاء *** ويفعل ربـــي بنا ما يشـاء

أيا بنت “رحَّال” قطب الصلاح *** عهدنـاك راحلة في المضاء13

رحيلُك عنّا يُــرَى كانتهاء *** وللمؤمـن الموت محضُ ابتداء

فَدُنْيَاكَ طيف وعمركَ ضيـف *** سحـابة صيف رُغىً وغُثَـاء

رجعنا إلى الدار لا من قـرار *** وجـاءت إلينا ضيوف العَـزاء

مضوا والدجى في جنانا رهيب *** وأقوى الهموم هموم المسـاء!!

متى ينجلي الليل بعد انتظار *** وصبـحي يخبِّئُ أَدْهـى خَبـاء

أعينيّ سحّـا بدمع الوفـاء *** فإن الدمــوع لمثلي عــزاء

توالتْ وفُود العـزاء عليها *** وكم من مُعَزٍّ بمثل الصِّــلاء14

مـددت إليها يَداً في حيـاء *** أَمطْتُ اللِّثام كشفت الغِطـاء

إذا بي أمـام جميل المُحَيَّـى *** محيـىًّ جميـلا بأبهى سَنــاء

تذكَّرت يا ليتني مـا ذَكَرت *** نُهــىً كلها عزمَةٌ ومضـاء

مَهًا كــلها خفَّة ووَحاء15 *** يــدا كلها رقة وعطـــاء

فلم أتمالك دمـوعي ففاضت *** ولم أتمـاسك وكيف استواء؟

إلى أن أتى عصْـر دفن بما لم *** يكن في حساب ولا في البَدَاء16

أُلوف أتت من قريـب وبعد *** تُحَيي، تُعَزي، وتُزْجِي الدعـاء

وفي القبر حفـت حشود بأيد *** تواري الفقيدة بيت الجــزاء

وفي اللحد فك العقـال بأيدي *** وعاينت وجها لعيني أضــاء

تلونا من الذكر آيـات وعظ *** وموعظة المــوت آي سـواء

فوعظ بنطـق ووعظ بصمت *** عسى أن تلـين ذوات الجفـاء

ومسك الختـام كــلام وليٍّ *** من الشـرق جاء بأغلى عزاء17

تــلاه دعاء من القلب تهفو *** له النفــس ترجو تمام الشفاء

وقد ظلل القـبر بعض الغمام *** ورطبـت الجو بنت السمــاء

وكـان لهم في الأخير التماس *** بــأن أشكر الناس قبل الجلاء

شكرت بكيـت وأَثْنَيت خيرا *** لنــا موعد في مقام البقــاء

وآخر في ثلث ليــل الهجود *** دعاء لربــط القِرى بالضيـاء

وثالثــها موعد كلَّ يــوم *** تجدده الأم صبــح مســاء

يجــدده نجلـها والبنــات *** حبيبــاتها في العُرَا والثَّلاء18

رجعـت الى الدار دون لباس *** دمـوعي كَسَيْلٍ وصبري جُفاء

ولا سَكَنٌ فالسكينة غــابت *** وهل بعــد أم وزوج رخاء؟!

ولم يبـق إلا عــزاء الحبيب *** بسلهــامه كُفِّنَتْ والرُّوَاء19

يقــول هو الله خير وأبـقى *** فصبر الفتى هو عين الرِّبـاء20

أليست كريمة بنـت البتـول *** أليسـت كريمـة أخت وفاء؟!

أليست بـأم وصال ويسرى *** “محمدُ” “هـاجر” يــا للرِّفَاء21

وخــالتها أمها لا جـدال *** خــديجة من ثبتت باعتنــاء

ويــاسين والـدها لا مراء *** فنعم الأبــوة نعـم الـولاء

وفي حفــل تأبينها في المساء *** تحــدث فتح22 وبالفتح جاء

وأنشد مــدحا غُلامُ الإخاء *** وقـــابوش أثنى فعم الصفاء

ومســؤولنا بالشهادة وفى *** وقـدم محمدنــا مـا أفــاء

به قلب عشّــابنا من أقاح *** فسحت عطــورٌ وفاح كِبَاء23

ومن “نَـدْيَةٍ” كلْمة من جَنان *** غـزتنا بمـا يُعْجِبُ الفصحـاء

ولم يبـق إلا رجــاء منـير *** بأن يستعيـن على الحلفــاء

هـوى النفس إبليس والقرناء *** بدعوة إخوانــه الشفعــاء

بــرابطة الأشْعري سداهـا *** وداد غطـــارفة رحمــاء

وكــان الختام وأي ختـام *** كـلام الشريف24، زكي الإتاء

فاثنى وثنى بأرقى دعـــاء *** وصلى وسلم بعد الدعـــاء

عـلى حِبِّ قلبي إليه اشتياقي *** وموت الحبيب لجـرحي دواء25

صــلاتي عليه تسكن قلبي *** ومَن مثلهــا للقـلوب رَواء؟

صلاتي على الآل والصحب طُرًّا *** ومن هم لبئـر الأسـاة دلاء

فأنزل إلهــي شآبيب فضل *** على من فقــدنا وحقِّق رجـاء

ذ. منير ركراكي

16 من جمادى الاخرة 1426هـ الموافق لـ 21 يوليوز 2005م.

الهوامش:

1- للتذكير والذكرى : كانت كريمة رحمها الله قد حضرت رباط ذكر وبناء في طنجة ثلاثة أيام قبل رحيلها رحمها الله.

2- الهداء : ما تزف به العروس من هدايا إلى بعلها.

3- الرواء، النضارة والجمال.

4- النصيحة : المقصود بها مجلس من مجالس النصيحة كانت مشرفة عليه بقوة وأمانة تامتين، ومجلس النصيحة من أهم وسائل جماعة العدل والإحسان التربوية.

5- الشعبة : من الأجهزة التربوية التنظيمية المسؤولة داخل جماعة العدل والإحسان.

6- ارتياء : نظر وتفكر.

7- الضحاء : قرب انتصاف النهار.

8- غُلَواء : المغالاة والمبالغة.

9- الثواء : الإقامة.

10- زُقاء : صوت الطيور.

11- مرجان : سوق تجاري كبير.

12- ذماء : بقية الروح.

13- رحَّال : الشريف النسيب الحسيب سيدي رحال من اقطاب أولياء المغرب واليه انتساب للا كريمة رحمها الله .

14- الصّلاء : الالقاء على النار.

15- الوحاء : السرعة.

16- البداء : مصدر بدا له في الأمر بدوا وبداء : نشأ له فيه رأي.

17- كانت الكلمة التأبينية لسيدي محمد عبادي عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والاحسان.

18- الثلاء : الذمة والجوار.

19- الرواء : بئر زمزم .

20- الرِّباء : التربية.

21- الرفاء : البركة والنماء.

22- المقصود به سيدي فتح الله ارسلان الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والاحسان.

23- كباء: عود البخور.

24- المقصود به سيدي عبد الكريم العلمي عضو مجلس الإرشاد بجماعة العدل والإحسان.

25- كان صحابة رسول الله صلى الله عليهم وسلم يعزون أنفسهم في مصابهم بموت الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم.