الحمد لله رب العالمين الرحمان الرحيم مالك يوم الدين إياك نعبد وإياك نستعين اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الظالين. آمين.

بنيتي مريم. أوصيك وإخوتك وأخواتك وكل مومن ومومنة وقف على كلماتي هذه بتقوى الله زاداً للآخرة، فإن خير الزاد التقوى.

أوصيك وإخوتك وأخواتك بما أوصى الله به عباده حين أمر رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم أن يُنادىَ الناس ليسمعوا وصية الله. قال تعالى: “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا. وبالوالدين إحسانا. ولا تقتلوا أولادكم من إملاق. نحن نرزقكم وإياهم. ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن. ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق. ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. وأوفوا الكيل والميزان بالقسط. لا نكلف نفسا إلا وسعها. وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى. وبعهد الله أوفوا. ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون. وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه. ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله. ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون”.

وصية الله عز وجل نداء للسامعين المطيعين العاقلين المذّكرين المتقين. فلينظر أحدنا ما يفعل بوصية ربه عز وجل ونداء رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقدم لآخرته توحيد الله سبحانه بالعبودية، وتخصيص الوالدين بالإحسان قبل تعميمه على سائر الخلق، وصِيانة الولد ورِزقه لكيلا يموت من مسغبة الحاجة وخواء الروح، والبعد عن الفواحش ما ظهر منها وما بطن واحترام النفس التي حرم الله إلا بالحق. إلى آخر سياق الآيات من سورة الأنعام، هذه السورة العظيمة الشاملة الهادية التي أجملت وفصلت. فاجعلوها مما تعكفون عليه من كتاب الله عز وجل، حفظا للمتن وتحقيقا للأمر واجتنابا للنهي.

أوصيكم بطلب العلم النافع، العلم بما أنزل الله وبما علم الوالد المعلم الرسول الرؤوف الرحيم صلى الله عليه وسلم.

أوصيكم وصية إبراهيم أبينا الخليل عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأزكى السلام وعلى سائر أنبياء الله ورسل الله. وصية الخليل عليه السلام أن الله اصطفى لنا الدين فوجب أن نرعى منة الله عز وجل عليها بالدين ونتمسك بعروته الوثقى سائلين الله تعالى أن يقوي إيماننا ويختم لنا بالحسنى.

أوصيكم وصية يعقوب عليه الصلاة والسلام لبنيه وتقريره إياهم ليتمسكوا بدين آبائهم المصطفين الأخيار.

أوصيكم بما أوصى ربنا عز وجل عبده وروحه عيسى عليه الصلاة والسلام: أوصاه بالصلاة والزكاة مادام حيا وبرا بوالدته عليها السلام.

تتكرر التوصية بالوالدين في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. فكرِّروها على الناشئة وعلى المسلمين أجمعين. فالإحسان يبدأ بالإحسان للوالدين. ولا فلاح في الدنيا ولا في الآخرة للعاقين. نعوذ بالله. وأوصوا الناشئة بتعهد الوالدين بالهدية اليومية من دعاء وصدقة وتلاوَة.

وعليكم بإقامة الدين بالاجتماع والتعاون على البر والتقوى. الصحبة والجماعة مفتاح باب فضل الله عز وجل. والذكر زاد السير إلى الله عز وجل والصدق رأس مال السالك إلى الله عز وجل، مع الإخلاص والصواب. وذلك يقتضي علما وعملا وبذلا. ونحن بحول الله تعالى على جادة الخصال العشر وشعب الإيمان.

ووصية الله تعالى الأولاد والورثة لا تتعدوها. فإن أكل مال الناس بالباطل سحت ونار تَوَقَّدُ، فما بالكم بأكل أموال اليتامى وغصب حقوق العباد.

ثم التواصي مع المومنين والمومنات بالحق والصبر والمرحمة.

واذكروا رحمكم الله آناء الليل وأطراف النهار وقوفكم عند ربكم يوم الحساب. فالغافلون عن الله عز وجل لا تراهم يذكرون الآخرة.

اتلوا القرآن الكريم واحفظوه حرفاً وعملاً يحفظكم ويذكركم ربكم وآخرتكم.

اذكروا أن العبد في الموقف المحتوم موقف الآخرة لا يبرح حتى يسأل عن النعيم، وما فعل بكرامة الله له أن أوجده ورزقه وجعله مسلما. لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن عمله فيما عمل به، وعن ماله أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسده فيما أبلاه”. حديث حسن صحيح عند الترمذي رحمه الله.

واتلوا قول الله عز وجل: “إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا”. فصونوا رحمكم الله أسماعكم وأبصاركم عما يحرم شرعا، وعما يقبح مروأة.

ومظالم العباد اتقوها، وحقوقهم أدوها. فقد تعلمون ما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمامان مسلم والترمذي من أن المفلس يوم القيامة من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا. فيعطي هذا من حسناته وهذا من حسناته. فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم يطرح في النار. نعوذ بالله من النار وما قرب إليها.

فردوا المظالم إلى أهلها وتحللوهم واستسمحوهم قبل أن لات حين سماح. وأصلحوا ذات بينكم، وأصلحوا بين الناس. فذاك من لب الإحسان.

وألقوا السمع، سمع الأذن العالمة وسمع القلب التقي، لما أمر الله به ورسوله، ولما نهى عنه الله ورسوله. فقفوا عند حدود الله لا يتخطفكم طير الفتنة. وإن في كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التحذير والنذارة والبشراة. فكونوا رحمكم الله الحذرين الشحيحين بدينهم، السباقين إلى الخيرات.

ألا، وإن قبل هذا وبعده الوصية بأن جماعة العدل والإحسان طائفة من المومنين المومنات ترمي إلى دلالة الناس على الله تعالى، وإلى إقامة العدل بين عباد الله تعالى، لكي يتأتى لكل عبد لله وأمة لله العيش الآمن في كنف الأخوة والأمن والعدل ليتفرغ جهده لطلب وجه الله تعالى والعمل لآخرته.

فتمسكوا رحمكم الله بصحبتكم، كتاب الله عز وجل دليلكم، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم هاديكم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

من محبكم عبد السلام.

سلا، ليلة الأربعاء 8 شعبان 1420.