(وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ)بطولة وفداء، استبسال وتحدٍ، مقاومة شرسة، تنظيم وتخطيط، تطوير العمل المقاوم، الضرب من خلف خطوط العدو، إطلاق الصواريخ من بين أنياب الصهاينة، تجاهل تصريحات المرجفين والخونة …!

تلك هي المفردات التي سادت في منطقة جباليا وعلى حدودها الشرقية في فترة زمنية أقصر من “حرب الأيام الستة”، لكنها كانت أعظم قدراً ونصراً وعزة وكرامة، وسيسجل التاريخ هذه المعركة بمداد من ذهب على صفحات من نور ..

إن الحديث عن المعارك التي دارت شرق “بلدة ومخيم جباليا” حديث ذو شجون، فهل سنتحدث عن تسابق المجاهدين على الشهادة، أم عن تحدي وحدة الصواريخ القسامية لعشرات طائرات الاستطلاع والأباتشي والنفاثات، أم عن احتضان البيوت المهددة للمجاهدين ودعمهم بالغالي والنفيس، أم عن كرامات الله – تعالى- للمجاهدين الأبطال …

لقد كانت المعركة التي دارت هناك معركة تحدٍّ بكل ما تعني الكلمة من معنى، ولأول مرة في تاريخ الصراع يواجه العدو الصهيوني مواجهة شرسة، واستبسالاً منقطع النظير، وتحدياً كبيراً لم يخطر على بال الصهاينة يوماً ما، فكانت تهديدات المجاهدين للعدو من قبل ليست للردع الإعلامي والإرهاب للعدو الصهيوني فحسب، بل كانت جدية وصادقة حيث لقي العدو وقواته الخاصة كمائن الموت من جهتي البلدة والمخيم ووقعوا في مصيدة القسام وتمكن المجاهدون الأشاوس من تكبيدهم خسائر بشرية كبيرة حسب روايات الأهالي والسكان والمجاهدين في المنطقة، وحسب اعتراف العدو .

لقد تجلت في هذه المعركة صوراً مشرقة كثيرة سطرها شعبنا الفلسطيني المحاصر المكلوم، فرغم تهديدات العدو بقصف البيوت التي تأوي المجاهدين، إلا أن الناس كانوا يفتحون بيوتهم لهم، ويمدونهم بكل ما يحتاجون، ولقد وجدنا من أبناء حركة فتح، بل من الذين يتقاضون رواتبهم من سلطة رام الله يفتحون بيوتهم للمجاهدين ويحتضنوهم ويعتزون بهم ويتبرؤون من المنافقين المرجفين في الأرض، ولقد رأينا إحدى البيوت المتاخمة لمكان الاجتياح يأوي إليها المجاهدون ويحتمون من طائرات الاستطلاع، وحينما اشتد القصف على كل متحرك وبدأ العدو يتخبط بعد أن شرب الموت الزؤام على يد أبطال القسام، خرج أهل البيت تاركين المجال لمجاهدي القسام كي ينطلقوا منه ويقاوموا لكن إحدى العجائز رفضت الخروج، وقالت سأظل أخدم المجاهدين وأحميهم بدعواتي وصلواتي، وسأظل أعد لهم الطعام والشراب، فكيف أترك أبنائي الذين لا أساوي شعرة في رأس أحدهم، ورغم الإلحاح إلا أنها غادرت قليلاً ثم لم تستطع التخلي عن المجاهدين  من وجهة نظرها- فرجعت وقالت ضميري لا يسمح لي بأن أترككم لوحدكم..! وحدث ولا حرج عن عشرات المواقف المضيئة في هذا المضمار، والتي تدل على أصالة شعبنا ووقوفه الكامل بجانب المجاهدين الأبطال، وأنه لن يتخلى عنهم في اللحظات العصيبة مهما حاول “المطبلون” غسل أفكاره بأفكار دخيلة ..

أما عن جهاد المجاهدين واستبسالهم وتسابقهم على النيل من العدو، والشهادة في سبيل الله، فحدث عن بطولات حمزة وخالد، وعن فداء بدر واليرموك وحطين، حيث الإقدام والتضحية وضرب العدو من أمامه ومن خلفه ومن بين يديه، فقد روى أحد المجاهدين عملية صيد القوات الخاصة شرق “جبل الكاشف” حيث كان رباطهم متقدماً جدّاً وكانوا بمثابة استشهاديين، إلا أن الله عز وجل مكنهم من قتل جنود القوات الخاصة بالعبوات الموجهة والمواجهة المباشرة بالرصاص والقنابل والانسحاب بسلام بأعجوبة من مكان المواجهة، والمتطلع لمكان العملية يدرك معنى نصرة الله عز وجل وكرامته لعباده المجاهدين، فبالمعنى المادي: الانسحاب من هذه المنطقة في وجود طائرات استطلاع بشكل كثيف جدّاً هو ضرب من الخيال أو المستحيل، لكن المجاهدين الأبطال نفذوا العملية بكاملها وأفرغوا كل ما لديهم من عتاد وانسحبوا بأمان عدا أحدهم فلقد اصطفاه الله بصاروخ من طائرة استطلاع رغم كونه إسناداً للمجاهدين في الخلف وليس من ضمن الذين نفذوا العملية البطولية التي اعترف العدو الصهيوني بها، لكنه لم يفصح عن العدد الحقيقي للقتلى المستهدفين الذين أكدت مصادر كتائب القسام أنهم يزيدون عن 15 جندياً صهيونياً من جنود النخبة، وأما عن التفاصيل فاسألوا كتائب القسام، واسمعوا روايات الجنود الصهاينة، يصلكم الخبر اليقين …

وأما عن تسابق المجاهدين القساميين لنيل الشهادة في الصفوف الأولى، فلقد رأينا أمراً عجاباً، حيث النفوس الطاهرة، والأرواح السامية، والقلوب البيضاء التقيّة… نفوس توّاقة لنيل إحدى الحسنيين، متلهفة على الشهادة في سبيل الله، أحدهم يقف على أعتاب الاجتياح قبيل انسحاب العدو ينتظر دوره ليستلم بعد إخوانه على شوق ونار، لكن الأخبار أفادته بانسحاب العدو، فأخذ يبكي بكاءً شديداً أن لم يكن مع الشهداء، ولم يكن من الذين قتلوا وأثخنوا في العدو المجرم .

إنها مدرسة العطاء، جامعة الإباء، مخرجة الشهداء.. إنهم أبطال القسام، حماة الحمى، أسود الوغى… فأي شكر يوفي حقهم، وأي ثناء يجلي قدرهم، وأي كلمات تسعفنا كي ننشر خيرهم.. فطوبى لهم … طوبى لهم.. طوبى لهم.