مد ألفونس لملوك الطوائف حبلا شنقوا به أنفسهم كما عبر المؤرخ. وأخضعهم بقوته العسكرية، وأخذ منهم الإتاوات، وضرب بعضهم ببعض.

وهذا كيد بدائي إذا قورن بالكيد الاستعماري المعاصر. في ذلك العصر كان للمسلمين تفوق حضاري كبير، فلم تكن الهزيمة إلا عسكرية وانحسارا عن الأرض، وهي خسارة فادحة. أفدح منها الانحسار والاندحار الشاملان في عصرنا أمام الغزو الثقافي العسكري الاقتصادي.

زاد من فداحته أنه أصاب فينا مقتلا هو قابليتنا للاستعمار على حد تعبير مالك بن نبي رحمه الله، ثم تفوق الغزاة علينا تفوقا ساحقا في ميادين العلوم والصناعة والتنظيم والاقتصاد والقوة العسكرية.

نقرأ في هذه الفقرة كيف وصلت دعوة “تحرير المرأة”، وكيف وصل صوت الحريات الإباحية إلى ديارنا. في الفصل المقبل إن شاء الله نقرأ كيف يراد لنسائنا أن يكنَّ دُمى معبودة، ومعنى الدمية ومعنى العبادة. في فصل لاحق بإذن الله نرى كيف هي مكدودة متعبة موزعة الخاطر ممتهنة في الغرب امتهانا جذابا خداعا.

أين كانت المرأة المسلمة حين أخذ ذاك المأفون المهزوم أُسطرلابه يستشير النجوم في طليطلة؟ أين كانت حين قاتل ذلك الخائن الجائر أباه وعمه وأخاه وسلّم بلاد المسلمين في الأندلس لعدو المسلمين؟

كانت في الحريم مع مئات الجواري والأربع الحرائر التي يستبدل بقديمهن الجديد كما تستبدل الأحذية.

يَقِفُني هنا المعجب بالحضارة الإسلامية. وهي حضارة راقية بكل المعايير عدا نظام الحكم. ليسألني فيم هذا التحامل على تاريخ المسلمين والنقمة؟

أجيب أن هناك سببا رئيسيا وجيها حيويا هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمَّى النظام التسلطي غير الشوري ملكا عاضا. وبذلك جرَّحهُ بلغته العفيفة المُنيفة ليزيل عن أعيننا غشاوة التضليل والتزوير الذي سماه خلافة. فمن أصر على نعْت الحكم الأموي والعباسي إلى سائر ملوك العض باسم مزور فإنما يصر على أن تبقى على أعيننا غماضة وضعتها علينا الدعايات الملكية، وسكت عنها المسلمون هذه القرون محافظة وخوفا على وحدة الأمة.

فإن نحن تمادينا في إغماض أعيننا فهي مغالطة ودين انقياد وانجراف مع تيار الانحطاط لن نستطيع معه أبدا أن نبصر النور النبوي من خلال غيوم تاريخنا. ومن ثم فلن نستطيع أن نتبين طريقنا إلى مستقبل الخلافة الثانية الموعودة، تجاوزا “لنحلة الغالب” وتعتيم الغزو الثقافي.

ما قبحه رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغته العفيفة الرؤوفة لم أكن لأُحَسِّنه. فإنما أنا متبع لإشارته صلى الله عليه وسلم، أتتبع مواطن النهش والخدش والتزوير والخيانة في تاريخنا، غير مستهين بشيء من جهاد المسلمين وإنجازاتهم الرائعة وعلومهم العظيمة وصداهم الفخم الكريم بين مآثر الأمم.

إن انصياعنا مع الممجدين للخلافة المزعومة ومكابرتنا في الدفاع عنها، متترسين بالأحاديث النبوية الواردة بالسمع والطاعة لأولياء الأمور، إنما هو مغالطة وتبرير ورثاء للنفس.

من يخاصم دعاة التغريب والإباحية واللاييكية والإلحاد وظهره مستند إلى ركن الانحطاط في تاريخنا ومنبعه، فإنما يريد العودة بالمرأة المسلمة إلى عصر الحريم والجواري، ويريد بالمسلمين الخلود تحت وطأة حاملي الأسطرلاب. في عصرنا يتخذ الحاكم العاض مستشارا له في رصد الطوالع واستشارة النجوم في باريز ولندن. ترقينا!

إن اتكأنا على “دين الانقياد” -وهو الخضوع المذهبي والعلمي لتاريخ الحكم العاض ومخلفاته وحاضره- فإنما نستند إلى باطل. معنا سلطان الإدانة النبوية. فمقاومة “نحلة الغالب” الإباحية من جانب الباطل غلط ومغالطة، واسرد ما شئت من القاموس الخلدوني الفَطِنِ.

تاريخنا جزء من كياننا لا ننكره. بل نعتز بصمود المسلمين أمام موجات حاملي السيف، وبما حققه المسلمون رغم فساد القمة. رغم!

أستغفر الله العظيم. هو سبحانه حفظ دينه بعنايته، عبر الفتنة المقدرة بحكمته. الخلق خلقه، والبلاء بلاؤه.

إذا تقرر هذا في أذهاننا، فإن ما فعله فينا الاستعمار يأخذ مكانته وحجم مسؤوليته عن حالنا. ويكون فقه ذلك وترابطه وتداخل أمراضه بأمراضنا الموروثة عن الانحطاط مفتاحا للمستقبل على منهاج النبوة وجِلاء عَين وتحرير عقل.

إن الحكام المعاصرين على رقاب المسلمين صورة لملوك الطوائف الانهزاميين، والتجزئات القطرية المعاصرة ما هي إلا فتل في الحبل الذي يمده لنا الاستعمار المعاصر لنشنق به أنفسنا. أجيلي النظر وارجعي البصر هل ترين من الحكام العاضين على رقاب المسلمين من وصل إلى الحكم بغير القوة العسكرية مباشرة أو وراثة عن جدود. يورث الشعوب الإسلامية والد لولده؟ لا يوجد.

صبرا يا أخت الإيمان، فنحن مع قضية المرأة ومع التغيير الشامل، لا سبيل إلى إنصاف المرأة وتغيير ما بالأمة إن لم نغير ما بأنفسنا. والخطوة الأولى إلى الشفاء معرفة الداء. وأخت الإيمان معنية بالعملية أول من يُعْنَوْن.

قال رائد الصحوة الإسلامية الأستاذ حسن البنا رحمه الله في رسالته “بين الأمس واليوم” يصف ما فعله فينا الاستعمار: “و قد عمل الأوربيون جاهدين على أن تغمر موجة هذه الحياة المادية بمظاهرها الفاسدة وجراثيمها القتالة جميع البلاد الإسلامية.(…). وقد أحكموا خطة هذا الغزو الاجتماعي إحكاما شديدا، واستعانوا بدهائهم السياسي، وسلطانهم العسكري، حتى تم لهم ما أرادوا.(…). وتمكنوا بعد ذلك من أن يغيروا قواعد الحكم والقضاء والتعليم. وأن يَصبغوا النظم السياسية والتشريعية والثقافية بصبغتهم الخالصة في أقوى بلاد المسلمين (يعني تركيا وما فعله مصطفى كمال). وجلبوا إلى هذه الديار نساءهم الكاسيات العاريات، وخمورهم، ومسارحهم، ومراقصهم، وملاهيهم، وقصصهم، وجرائدهم، ورواياتهم، وخيالتهم (لعله يعني السينما)، وعبثهم، ومجونهم. وأباحوا فيها من الجرائم ما لا يبيحونه في ديارهم.

“وزينوا هذه الدنيا الصاخبة العابثة التي تعج بالإثم وتطْفَحُ بالفجور في أعين البسطاء الأغرار من المسلمين الأغنياء وذوي الرأي فيهم، وأهل المكانة والسلطان”.

“ولم يكفهم هذا حتى أنشأوا المدارس والمعاهد العلمية والثقافية في عُقر ديار الإسلام، تقذف في نفوس أبنائه الشك والإلحاد، وتعلمهم كيف ينتقصون أنفسهم، ويحتقرون دينهم ووطنهم، وينسلخون من تقاليدهم وعقائدهم، ويقدسون كل ما هو غربي، ويؤمنون بأن ما يصدر عن الأوربيين وحده هو المثل الأعلى في هذه الحياة”.

قلت: تأملي أخت الإسلام هذا الوصف المركز “لنحلة الغالب” من رجل عانى وكابد وجاهد. الحرقة على دين الله تكاد تخرق الطروس. والإدراك العميق لعملية الامتساخ النفسي للمستَعْمَر المستحمر. والوسائل المكونة لحبل الشنق الممدود.

قال رحمه الله: “واحتوت هذه المدارس على أبناء الطبقة العليا وحدها، وصارت وقفا عليها. وأبناء هذه الطبقة هم العظماء والحكام ومن سيكون بيدهم بعد قليل مقاليد الأمور في هذه الأمم والشعوب. ومن لم يتِمَّ نضجه في هذه المعاهد الموضعية، فإن في البعثات المتلاحقة ما يكفل لهم بالتمام”.

قلت: ما فعله فينا الاستعمار من تخريب الديار وقتل الأنفس ونهب الثروات أمر هين وإصابة في الحواشي. لكن النكاية العظمى والمكر الماكر والداهية القاصمة هي إصابة الأجيال التي فتحت أعينها على النموذج المتفوق، ودربتها المدارس، وعلمتها الكتب، وتمثلت أمامها الحضارة الغازية في النساء الكاسيات العاريات، والمراقص والسنمات. وتمثلتها الثقافة الواردة، وابتلعتها، وشوهت فيها الفطرة، ومحت العقيدة، ودمرت الشخصية.

قال رحمه الله: “ونجح هذا الغزو الاجتماعي المنظم العنيف أعظم النجاح. فهو غزو محبب إلى النفوس، لاصق بالقلوب، طويل العمر، قوي الأثر، وهو لهذا أخطر من الغزو السياسي والعسكري أضعاف الأضعاف”.

قلت: رحم الله رواد اليقظة الإسلامية ما كان أدق نظرهم، وأبعد مرمى بصرهم. ونحن نرى بعد خمسين سنة ويزيد على كتابة هذا الإنذار بالوباء “الطويل العمر القوي الأثر” كيف تربع خريجو مدارس التغريب على كراسي الحكم ومنصات الجامعات ومواطن اتخاذ القرارات والتوجيهات. فمن الفقه العميق لما حل بنا من انحطاط أمس البعيد والقريب يبدأ التغيير. والله العلي القدير.