عالج دعاة “تحرير المرأة” وبغاة تدميرها أوضاعا للمسلمات مزرية بئيسة. كلمات حق أريد بها باطل هي كلماتهم عن إنصافها. لو كانوا حاكموا مظلومية المرأة ولو يحاكمها معاصرونا من صنفهم إلى الكتاب والسنة لقلنا مرحى. لو ردوا الاجتهاد إلى المؤهلين له أو لو اكتسبوا هم المؤهلات الاجتهادية وفي مقدمتها التقوى والعلم لقلنا نعِما فعلوا. لكنهم يحاكمون الإسلام والفقهاء إلى الحريات الغربية، ويدعون إلى الانسلاخ عن الإسلام، و”يجتهدون” رائدهم التطور ومراجعة الدين لإخراج الدين وإخراج المرأة المسلمة من “دياجير” الإيمان بالغيب والطاعة لله ورسوله.

نعم، المرأة المسلمة كانت مظلومة ولا تزال، هي زميلة الرجل المسلم في ما تعانيه أمس وهي سجينة أمية، واليوم وهي بين نار الدعوة التغريبية ورمضاء المخلفات الانحطاطية. ما من شكوى يبثها حال المرأة المسلمة ويلغط بها دعاة “تحريرها” أمس واليوم إلا ولها نصيب كبير من الصحة: استعباد المدنية، والمعاملة المهينة للبدوية، والأمية الأبجدية، والجهل، والأجور البئيسة، واستغلال الصبيات في معامل تأكل من عرقهن البطون الحرامية، والتعدد الاعتسافي، والطلاق الجائر، وإكراه الفتيات على الزواج، والتحايل على نصيب المسلمات من الإرث. والقائمة طويلة.

لكن ما بالنا نطوي هذه المآسي في كُم النسيان ونسكت عنها ليشتد عويلنا فقط على مآسيها الطارئة: التبرج، والخلاعة، والدعارة، والجرأة على الدين، وزندقة الزنديقات، والتمثل بالأوربيات؟

ما طرأت هذه المآسي إلا لأن تلك القديمة المقيمة لم تجد حلا من صميم الفقه الإسلامي وعمل الحاكم الإسلامي. عاث إفسادا في الأرض مصطفى كمال وبورقيبة، وفجر قاسم والحداد، واستجابت طائفة من النساء وتطلعن لمنقذ يكذب عليهن باسم الإسلام فيصدقن لجهلهن، ويسوقهن بعصا الطغيان، ويمنيهن بوعود، ويقنن لهن أن من حقهن أن لا يطلقن ذات ليلة فيُخرجن من بيوتهن مع سرب من الأطفال والرجل في دفء بيته.

ظُلامات المرأة المسلمة يجب أن يفحصها الإسلاميون جميعا مع مآخذ الإسلاميين على إصابات التمييع والتغريب، لا منفصلة عنها. يجب أن يرسموا منهاج الحل العملي لما وقع على المرأة المسلمة من غبن التقاليد وما يقع عليها من مسخ التغريب والتعصير. هذا المسخ ما تمكن إلا لمكان ذلك الغبن.

إن لا نفعل فإن الظلم المتفاحش اللابس ثوب الاجتهاد زورا، المقلد لفقه واقعي متشدد مهمل للمرأة، فإن المرأة المسلمة تتجنس بالجنسية العالمية، وتنخرط في حزب المرأة العالمي بعيدا عن كل دين.

وأنت يا أخت الإيمان لو قرأت في فتوى الفقه المنحبس ما يخالف صريح السنة وصحيحها ماذا كنت تتبعين؟

يدور نضال المدافعين عن حقوق المرأة من جانب التغرب والإباحية حول مطلب محوري هو المساواة بين الرجل والمرأة. ومن ثَم شطب كل الأحكام الخاصة التي أفردت بها الشريعة المسلمات بَدْءاً بإنكار أن للرجال على النساء درجة.

إن الإيمان بدرجة الرجال على النساء إيمان بالقرآن، والكفر بها كفر بالقرآن. فهذا فيصل ما بيننا وبين أعداء الدين. الدرجة للرجال على النساء مزية ثابتة بالكتاب والسنة. قال الله تعالى: )ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف. وللرجال عليهن درجة. والله عزيز حكيم(.(سورة البقرة، الآية: 226) جاءت الآية في سياق أحكام الطلاق. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما يقول الفقهاء. فتثبت الدرجة للرجال في الشأن الخاص في الحياة الزوجية، وفي الشأن العام في الحياة السياسية الاجتماعية.

لكن ما مضمون هذه الدرجة؟ أهي براءة تمنح للرجل وتفويض لكي يدوس المرأة تحت قدميه أم هي مسؤولية رعاية أمينة و قيادة رحيمة؟

القرآن حمال أوجُهٍ كما قال الإمام علي كرم الله وجهه. والسنة القولية والفعلية هي الضابط والتفسير والنموذج التطبيقي.

السنة تقول: “ألا كلكم راع و كلكم مسؤول عن رعيته. فالإمام الأعظم الذي على الناس راع، وهو مسؤول عن رعيته. والرجل راع على أهل بيته وهو مسؤول عن رعيته. والمرأة راعية على أهل بيت زوجها وولده، وهي مسؤولة عنهم”. الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه.

يفسر الفقيه الواقعي الذي ينزل الفتوى على ما هو كائن في عصره وما هو ممكن مفهوم الدرجة والرعاية والمسؤولية تفسيرا واقعيا. فالدرجة في تفسير الحافظ ابن كثير هي درجة “في الفضيلة والخَلْق والخُلُق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة”.

بعبارة موجزة فهي “مواطنة” من الدرجة الثانية في الدنيا والآخرة. وهذا ما يصادم صدر الآية الذي جعل )لهن مثل الذي عليهن بالمعروف(.(سورة البقرة، الآية: 226) ويصادم في ما يرجع لفضل الآخرة قوله تعالى مخبرا عن السعداء أولي الألباب: )فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى(.(سورة آل عمران، الآية: 195)

في بعض روايات حديث الرعية والمسؤولية: “والرجل راع في أهل بيته”. “في” بدل “على”. والفرق شاسع بين “على” الاستعلائية التسلطية التي كان بها الحاكم العاض أميرا على المؤمنين، وبين “على” المسؤولة القائمة بالقسط. الفرق شاسع بين “على” التي يخضع بها الرجل رقبة المرأة ويغمطها حقها وبين “على” مسؤولية القيادة الرفيقة.

ورواية “في” تكسير من غلواء “على” التسلطية. الرجل في أهل بيته نجد نموذجه في رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان في خدمة أهله إذا دخل البيت، وكن ينازعنه ويراجعنه في حلم ولا يغضب، ويتلطف ويداري.

الراعي “على” كان في مجال الحكم، بعد سقوط الحكم من مرتبة الكمال، مستبدا فيه دَخن، ثم شريرا، ثم داعيا “مجتهدا” على أبواب جهنم. ومع هبوط الرعاية السياسية انعكس الانحطاط على ما كان ينبغي أن يكون رعاية مسؤولة للرجال على النساء فإذا بالضعيفة المرأة في أسفل الاضطهاد.

هبطت رعاية الرجال للنساء مع الهبوط العام فأصبحت الزوجة والأم والأخت عضوا منكمشا محبوسا لا يكاد يظهر له أثر في مجمل النظام الاجتماعي الاقتصادي.

وساد فقه السجن الذي يريد للمرأة أن لا تخرج من البيت إلا مرتين: مرة من بيت أبيها إلى بيت زوجها، ومرة من بيت زوجها إلى القبر.

كانت “على” الاستعلائية هي الأداة التي نقَّصَتِ المرأة في كل الميادين، لأن الفقه الواقعي سحب على المرأة من حيث هي امرأة الحكم القرآني الجزئي، وعمم على كل أحوالها الدونية الموهومة في كون شهادة الرجل تساوي شهادة امرأتين، وكون نصيب الابنة بين إخوتها من الميراث نصف نصيب الذكر.

وما الحكم القرآني يقضي بالدونية ولا بأن المرأة نصف إنسان. لها نصف ميراث الذكر لأن الذكر مسؤول عن النفقة أبا وزوجا. وتذكرها صاحبتها عند الشهادة لما في النساء من غفلة وغياب عن مواطن النزاع والخصومة.

الدرجة والرعاية ثابتة للرجل ليقود السفينة ويجنب القافلة الفوضى. ولئن استحالت الطاعة المفروضة شرعا إلى إكراه القوي الرجل الضعيفة المرأة كما أكره الحاكم الغاصب الرجل المقهور، فإن طاعة الزوجة لزوجها وطاعة الذين آمنوا لأميرهم المنتخب على شورى ورضى لا تشم منها رائحة المهانة. بل هي طاعة لله وشرف و قربة.

نرتفع بحذاء النموذج النبوي الذي يصور لنا المرأة شخصا محترما مكرما مستقلا شجاعا عالما متعلما مشاركا في الحياة لا كما مهملا. شخصا تحترم حقوقه العامة ويدلل في البيت ويُتلطف به. ويصور الراعي ذا الدرجة رحيما رقيقا لا جبارا عنيدا.

روى البخاري عن أبي بُردة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “ثلاثة لهم أجران: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، والعبد المملوك إذا أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها، وعلمها فأحسن تعليمها، ثم أعتقها فتزوجها، فله أجران”.

يوصي صلى الله عليه وسلم بالمرأة، أضعف ما تكون المرأة، أن يحسن إليها و تُؤدب وتُعلم وتعتق. هذه الوصية. والفعل تقرأه عند البخاري من حديث أنس رضي الله عنه قال: “كانت الأمة من إماء المدينة لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنطلق به حيث شاءت”. أمة هي رمز لتواضع المرتبة. وتأخذ بيد صاحب الدرجة والرعاية. وتنطلق به. حقها من القداسة بحيث يسعى الإمام الأعظم بنفسه يده في يدها ليرفع عنها الظلم. هذا هو الفقه، مباشرة. وهذا هو الراعي في ممارسة مسؤوليته العامة. فكيف كان في خصوصية البيت ودرجته ورعايته؟

كتب ابن قيم الجوزية رحمه الله في “زاد المعاد”: “كانت سيرته مع أزواجه حسن المعاشرة، وحسن الخلق. وكان يُسرِّب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. وكان إذا هَوِيَتْ شيئا لا محذور فيه تابعها عليه. وكانت إذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه في موضع فمها وشرِب. وكانت إذا تعرقت عَرْقا وهو العظم الذي عليه لحم أخذه فوضع فمه على موضع فمها. وكان يتكئ في حجرها ويقرأ القرآن ورأسه في حجرها وربما كانت حائضا. وكان يأمرها وهي حائض فتتزر ثم يباشرها. وكان يقبلها وهو صائم. وكان من لطفه وحسن خلقه مع أهله أنه يمكنها من اللعب، ويريها الحبشة وهم يلعبون في مسجده وهي متكِئة على منكبيْه تنظر. وسابقها على الأقدام مرتين، وتدافعا في خروجهما من المنزل مرة”.

سبحان الله كيف سد المسلمون على أنفسهم نوافذ النور. سبحان الله كيف السبيل إلى خرق سدود التقليد الواقعي ليخرج المسلمون والمسلمات من أزِقَّة، ويتحرروا من رِبقة. )لقد كان لكم في رسول الله إسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا(.(سورة الأحزاب، الآية: 21)