روح لائيكية.. ليس إلافي كثير من أنماط الحياة الاجتماعية وقوالب السياسة والإعلام والاقتصاد تتحكم الروح اللائيكية ويهيمن النفس اللاديني، فتغيب شخصية المسلم وثقافته وقيمه بداعي الأعراف والضوابط والقوانين المنظمة للعمل والقواعد الأكاديمية التي تواضع عليها العلم. مع أن سؤالا بسيطا من قبيل “ما المانع؟” أو “أين التعارض؟” أو “من الأَوْلى؟” يزحزح تلك “القوالب الجامدة” ويفسح المجال واسعا للجمع بين القيم الأصيلة والقواعد العلمية.

هذه الروح التي تهيمن في كثير من صور الحياة والعمل والإبداع، تبرز بوضوح عند ذكر الاسم الشريف للحبيب محمد صلى الله عليه وسلم واستنكاف البعض عن إتباعه بأعطر الصلوات الواجبات أو اكتفائه بكتابة “ص” الصماء أو “صلعم” البخيلة، في المقالات والأخبار والدراسات والكتب والتغطيات الصحفية… وما شابه تلكم الأنماط الإعلامية والثقافية والفكرية في عالمنا العربي والإسلامي.

إذ نشاهد جميعا في عدد من أنماط العمل الفكري والثقافي والإعلامي بخلا غير مبرر ولا مفهوم من قبل العديد من الكتاب والمثقفين والإعلاميين في الصلاة على النبي الخاتم في كتاباتهم وأعمالهم، وهو الأمر الذي يحتمل أكثر من معنى لكن خلفيته المعلنة أو المضمرة -سواء أدركتها هذه النخب أم لا- هي الروح اللائيكية.

وإذا كان البعض مهووسا بصراع الإيديولوجيا والفكر ومتخوفا من هيمنة الخطاب الإسلامي الذي تجدد مع هؤلاء الإسلاميين، ومن تم فيكفيه أن يورد اسم النبي “محمد” هكذا دون صلاة أو يعقبه بـ”ص” الصماء أو “صلعم” البخيلة في أحسن الأحوال، انتصارا لإيديولوجيته وترويجا لخطابه النقدي السياسي التاريخي، فإنه واهم لا يجيد الحسابات إذ رسول الله صلى الله عليه وسلم فوق ذلك بكثير.

وربما قد يكون هذا التجلي أحد تعبيرات النظرة القاصرة التي ترى في رسول الله قائدا تاريخيا عظيما، وحكيما سياسيا فذا، وعبقرية إنسانية خالدة، وإنسان سلام إلى العالم، وهو بأبي وأمي كذلك عليه الصلاة والسلام وأجلَّ، لكن روح ذلك وجوهره أنه رسول الله وحبيبه وخاتم أنبيائه وحامل الرحمة والرسالة الخاتمة إلى العالمين، وهذا ما يرفع علاقتنا به صلى الله عليه وسلم لتبرز حبا واتباعا وانتصارا وصلاة في الكتابة والقول والفعل.

الصلاة والقاعدة العلمية.. مساءلةشخصيا لا أفهم الصحفي المسلم الذي، وفي سياق إعداده خبرً ما، يورد الاسم الشريف “محمد” أو “النبي” أو “الرسول” لكنه يتحرج في الصلاة والتسليم عليه بداعي الانضباط لقواعد العمل الصحفي. وأتساءل معه ببراءة، كيف يمكن لهذه الكلمات الطيبات- صلى الله عليه وسلم- أن تؤثر سلبا على الصياغة المهنية للتقرير الخبري أو البناء العلمي للمقابلة الصحفية؟ وما يضر الإجابة على الأسئلة التأسيسية الستة للخبر الصحفي (من؟ ماذا؟ متى؟ أين؟ كيف؟ ولماذا؟) إن زيَّنت صيغتها النهائية بالصلاة الطيبة على الشخص الكريم الطاهر صلوات الله وسلامه عليه؟.

نفس السؤال أطرحه على كاتب المقالة ومعد الدراسة وطارح البحث الأكاديمي، ما المانع في “الإمعان” بالصلاة الواجبة عند ذكر اسمه أو فعله أو قوله صلى الله عليه وسلم وأنت تعد عملك العلمي البحثي؟ ومتى تعارض ذلك مع جدية الفكرة التي تناقشها وقيمة الحجة التي تقدمها وتناسق الأطروحة التي تعرضها؟ ومن الذي صاغ وقرر وقال بأن مناهج البحث الأكاديمي تستوجب البخل عند ذكر اسمه الشريف؟.

كم يحترم الإنسان هذه الصحيفة وتلك المؤسسة الإعلامية، عندما تعرض إنتاجها البالغ في الإتقان والمهنية ولا تجد غضاضة في أن تصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسلاسة ودون حرج، لأن ذلك من بديهيات سلوكيات المسلم التي رضعها مع لبن أمه ولم يجد أدنى تعارض بينها وبين عمله ومهنته.

وفي المقابل كم يستغرب المرء اتساع المساحات داخل هذه الجريدة وذاك البرنامج للحديث المرسل المنطلق، لكنها  المساحات- تصير ضيقة والكلمات تصبح محسوبة والأحرف معدودة لأن المقطع المخصص لا يستوعب كلمات لا تضيف قيمة إعلامية أو خبرية، وتكفينا “ص” أو “صلعم”!!

أيها الكاتب.. في ميزان العقائدرغم أننا خلصنا في نقاش الشق المهني والعلمي إلى عدم تعارضه، بل انسجامه، مع جميل الصلاة على النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم، وأبرزنا صورة واضحة وكافية من أجل استبعاد روح لائيكية تتقمص شخصية علمية للإجهاز على قيمنا ومعتقداتنا، رغم ذلك فإنني أستدعي نقطة أخرى محورية علها تزيد الأمر إيضاحا واقتناعا.

إن الإنسان لا يمكنه أن يعيش بلا هوية وبلا ذات وبلا معنى وبلا قيم وبلا عقائد، وإلا كان أداة في يد غيره وآلة تحركها الأحداث والأشخاص والأفكار كيفما تشاء. وإن النقاش الفلسفي العميق حول العلاقة بين القلب والعقل وأيهما القائد، وخلوص الكثيرين إلى تبعية الفكر المستقر في العقل للعقيدة المستقرة في القلب، يؤكد أن الإنسان في النهاية يخضع لمُوَجٌِهات تؤطر قناعاته وسلوكاته في الحياة تَرتفع فوق القواعد المعرفية بل وتُوجهها لصالح قناعاته ومعتقداته.

المقصود في موضوعنا هنا أن الكاتب المسلم له عقيدة راسخة تجمعه برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلاقة بنوة وأخوة وتلمذة واتباع وانتساب وشفاعة، وعليه فإن هذه العلاقة هي فوق كل الاعتبارات الصغيرة والقوالب “الأكاديمية” اللائيكية، بل إنه يُخضع قواعده العملية والمهنية إلى هذه العقيدة الراسخة ويوجه ضوابطه العلمية والبحثية لتخدم انتسابه الشريف هذا. بخلاصة إنه يوظف كفاءاته في الدنيا ليحظى بالقرب من الحبيب في الآخرة.

إن الحرص الشديد على إبراز هذه العلاقة واستثمار الكتابة والبحث لتأكيدها وتمتينها كان واضحا عند الأوائل من أمتنا ومن سبقنا تأليفا وكتابة ورواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا سفيان بن عيينة يروي: “كان لي أخ مُؤاخ في الحديث فمات فرأيته في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ قال:غفر لي، قلت: بماذا؟ قال:كنت أكتب الحديث فإذا جاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم كَتبتُ (صلى الله عليه) أبتغي بذلك الثواب فغفر الله لي بذلك”. (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع 1-421)

والخطيب البغدادي بدوره قال: “ينبغي إذا كَتَبَ اسم النبي صلى الله عليه وسلم أن يَكْتُب معه الصلاة عليه”. (الجامع 1-419 ).

وروي من طريق جعفر الزعفراني قال: سمعت خالي الحسن بن محمد يقول: (رأيتُ أحمد بن حنبل في النوم فقال لي: “يا أبا علي لو رأيت صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم في الكُتب، كيف تُزهر بين أيدينا”. (جلاء الأفهام لابن القيم ص 222)

وحذروا رضي الله عنهم من اختصار الصلاة على النبي في أحرف أو كلمات لا تتناسب والمقام الشريف للحبيب صلى الله عليه وسلم، فقال الحسين بن منصور اليمني: “ولا يختصر الصلاة في الكتابة، ولو وقعت في السطر مراراً كما يفعل البعض، فيكتب (صلع)، أو(صلم)، أو(صلعم)، وكل ذلك غير لائق بحقه صلى الله عليه وعلى آله وسلم”.

كما رُوي عن حمزة الكناني قال: “كنت أكتب الحديث، وكنت أكتب عند ذكر النبي (صلى الله عليه)، ولا أكتب (وسلم)، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام، فقال لي: مالَك لا تتم الصلاة علي؟ قال: فما كتبت بعد ذلك (صلى الله عليه) إلا كتبت (وسلم)”. (علوم الحديث لابن الصلاح ص189)

ثم يكفيك أيها الكاتب والصحفي والباحث أن تتذكر ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجلك في جميع مراحل الحياة، ومدى حبه الشريف لك، لتنحني اعتذارا وحبا وليسرع قلمك ولسانك صلاة وثناءً.

ففي الحياة الأولى استشفع به أبوك آدم عليه السلام إلى ربك، وفي الحياة الدنيا بذل حياته لتصلك رسالة الرحمة والكرامة والعزة والحرية، وفي الحياة البرزخية تبلغه أعمالك فيحمد الله على حسنها ويستغفره لك في سيٌِئها، وفي الحياة السرمدية يشفع لك بين يدي رب العباد ويقف إلى جانبك حينما لا ينفعك قلم ولا مكانة ولا منظرو “المناهج العلمية” البخلاء.

إن استحضار كل ذلك يعطي للحديث النبوي الشريف “البخيل من ذكرت عنده ولم يصل علي” (انظر صحيح الترمذي حديث 2811) معنى واضحا وجليا، فهل تبخل صلاة وذكرا لمن بذل كل ذلك من أجلك-صلوات ربي وسلامه عليه- أيها الكاتب؟!.

فهلا عطرت مقالتككم تضيق المساحات عند جميل العبارات، وكم تكثر الحسابات عند أعطر الكلمات، وكم يبخل القلم على صاحبه بل الصاحب على نفسه وقلمه وورقته وجهازه الآلي ويحرم كل ذلك من أفضل الصلوات وأزكى التسليمات على خير البشر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

عن أبى بردة بن نيار رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من صلى علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات، ورفعه بها عشر درجات، وكتب له بها عشر حسنات، ومحا عنه بها عشر سيئات”. (رواه النسائي والطبراني والبزار).

يا له من فضل عظيم، مقابل كل صلاة على الحبيب الشفيع عشر صلوات من رب العالمين، وعشر درجات تُرفع، وعشر حسنات تُكتب، وعشر سيئات تُمحى.

ومع هذا الفضل أهديك أخي الكاتب المسلم هذا الحديث الجميل، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من صلى عليّ في كتاب لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي اسمي في ذلك الكتاب”. وفي رواية أخرى عن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “من صلى علي في كتاب لم تزل الصلاة جارية له ما دام اسمي في ذلك الكتاب” (أورده ابن القيم في كتاب جلاء الأفهام).

فهلا عطٌَرت مقالتك بالصلاة على النبي الخاتم أيها الكاتب.

فاللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم، وبارك على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد.