تعتبر القضية الفلسطينية قضية مركزية لدى كل المسلمين، باعتبار أرض فلسطين تضم أولى القبلتين وثالث الحرمين، أرض الإسراء والمعراج، التي حرم المؤمنون من شد الرحال إليها، بسبب الظالم المحتل الجاثم عليها، والعاتي فسادا فيها. وبمناسبة اليوم التضامني مع الشعب الفلسطيني نقف وقفة إجلال وإكبار لهذا الشعب المجاهد الصامد الأبي. وحري بنا أن نوجه تحية خاصة للمرأة الفلسطينية صانعة الرجال، نحيي زوجة الأسير وأم الشهيد ومواسية الثكالى وراعية الأيتام. نترحم على الشهيدة ونتضامن مع الأسيرة، نفتح سجل أمجاد نساء أرض الرباط رمز الصمود والإباء.

إذا كان الحديث عن المرأة في العالم العربي أمر شائك يتداخل فيه الفقهي والسياسي والثقافي والتاريخي، فإن الأمور تزداد تعقيدا عندما نتحدث عن المرأة الفلسطينية، حيث تضيف المرأة الفلسطينية إلى معاناة النساء في العالم العربي جبروت الاحتلال الصهيوني واستكباره، وصمت الأنظمة العربية، وانشغال الشعوب المستضعفة بلقمة العيش.

على مدار نحو 57 عاماً، واجهت المرأة الفلسطينية ما واجهه أبناء الشعب الفلسطيني كافة من تشريد وتهجير واستيلاء على الأملاك. وكانت المرأة الفلسطينية دوماً شريك الرجل، تقف إلى جانبه وتسانده وتقوم بالدور الملقى على عاتقها لخدمة وطنها وقضيته العادلة.

تاريخ معانات المرأة الفلسطينية هو تاريخ الأسرة التي شتت شملها، أو هجرت ونفيت من أرضها، هو تاريخ الأم التي حملت جنينها كرها على كره، و غمرته بحبها وحنانها، وآثرته على نفسها، حتى إذا صار شابا يافعا، دفعت به إلى ساح الجهاد، وأقسمت عليه ألا يعود إلا محمولا على الأكتاف، مضرجا في دمائه.

هو تاريخ الفتاة التي تزينت بحزام ناسف، وخرجت ترقب لحظة الشهادة كما ترقب العروس لحظة الزفاف، هو تاريخ الزهور التي ألقيت غدرا في ظلمات السجون تشكو إلى الله ضعف قوتها وقلة حيلتها وهوانها على أمتها.

المرأة الفلسطينية في الشتاتتختلف مقاومة المرأة الفلسطينية داخل فلسطين عنها في الشتات، كما تختلف في الشتات من بلد إلى آخر تبعا لقوانين البلد الخاصة بالنازحين الفلسطينيين، ومدى احترامها للحريات العامة وحقوق الإنسان.

يشكل النازحون الفلسطينيون ثلثي الشعب الفلسطيني (أزيد من أربعة ملايين نازح) يعيش معظمهم في ما يسمى دول الطوق (لبنان، الأردن وسوريا) وفي دول أبعد جغرافيا كمصر والخليج. تشير إحصائيات وكالة غوث اللاجئين أن المرأة تشكل %49 من مجموع النازحين بدول الطوق.

في سنة 1965 تأسس الإتحاد العام للمرأة الفلسطينية، وبسبب ظروف الاحتلال تعطلت برامج الإتحاد داخل فلسطين لكنها كانت في ذروة النشاط في مناطق الشتات، وبذلك حظيت المرأة الفلسطينية بمرجعية سياسية تمثلها خارج الوطن، ونشطت في الجانب التربوي والاجتماعي مما ساهم في تحسين معيشة النازحين وتقديم بعض الخدمات الحياتية المطلوبة.

كما شاركت المرأة الفلسطينية في العمل العسكري، حيث كان من المألوف رؤية النساء يتدربن في القواعد العسكرية لحركات التحرير الفلسطينية بالأردن ولبنان، وبرزت من بينهن على سبيل المثال ليلى خالد التي قامت سنة 1969 باختطاف طائرة كانت متوجهة إلى تل أبيب، وإرغامها على الهبوط بمطار دمشق وتفجيرها بعد إخلائها من الركاب. والشهيدة دلال المغربي التي قامت في 11 مارس سنة 1978 بقيادة مجموعة مكونة من عشرة فدائيين من لبنان إلى الساحل الفلسطيني والاستيلاء على حافلة محملة بالجنود تم تفجيرها فيما بعد ليصل بذلك عدد القتلى الصهاينة إلى 50 إسرائيليا مقابل استشهاد دلال ومجموعتها، وفاطمة البرناوي التي قامت بعملية عسكرية في 8 أكتوبر 1968 اعتقلت على إثرها وحكم عليها بالسجن لمدة عشر سنوات وغيرهن كثير.

ثم انحسرت مشاركة المرأة في الشتات في العمل العسكري مع حل القواعد الفلسطينية في الأردن ولبنان (طرد الفلسطينيين من الأردن إثر ما عرف بأحداث أيلول الأسود سنة 1970 واحتلال العدو للجزء الجنوبي من لبنان حتى حدود بيروت سنة 1982)، ومع ظهور حركات المقاومة الإسلامية التي حددت مبدأ انحصار القتال مع العدو داخل فلسطين.

وإلى جانب الفدائيات ظهرت أديبات فلسطينيات قاتلن بأقلامهن دفاعا عن الأرض المباركة وتعبيرا عن مأساة الشعب الفلسطيني منهن الشاعرة فدوى طوقان والأديبة جهاد الرجبي الحائزتان على العديد من الجوائز وفنانة الكاريكاتير أمية جحا.

إضافة إلى العمل المؤسساتي التنظيمي والعطاء الأدبي، اضطلعت المرأة الفلسطينية بأعباء مهمة شاقة وخطيرة، فقد قامت الأم الفلسطينية بدور كبير في تربية أبنائها وبناتها على ضرورة الدفاع عن حقهم في العودة إلى وطنهم السليب، وتقديم الأموال والأنفس في سبيل ذلك.

المرأة الفلسطينية داخل فلسطينلم تأل المرأة الفلسطينية، داخل فلسطين، جهدا في مقاومة الاحتلال. حيث شاركت في العمل الاجتماعي والإغاثة، ودفعت بأبنائها إلى ساح الجهاد، وحملت السلاح في وجه العدو، فنالت نصيبها من الأسر والإعاقة والإبعاد والشهادة.

لقد ساهمت المرأة بشكل كبير في تلبية الكثير من احتياجات النضال، كتأمين الملجأ والمأكل للمقاومين، وتوفير المؤن الضرورية للمدن والمخيمات المحاصرة، وتهريب المال إلى داخل فلسطين، ومقاطعة منتجات العدو، وممارسة أعمال إنتاجية تمكن من مقاومة الحصار الاقتصادي، والقيام بأعمال الإسعاف والتمريض، وإيصال الجرحى إلى أطباء موثوقين، ودعم عائلات ضحايا العدوان الصهيوني، وتخليص من يحاول الصهاينة اعتقاله.

كما ساهمت في تقديم المعونة للفدائيين بنقل السلاح والذخيرة لهم أو نقلهم إلى مكان تنفيذ العملية.

وأدى كفاح المرأة الفلسطينية إلى اعتقالها، فحسب تقرير لنادي الأسير الفلسطيني، شهدت الفترة من 1968 إلى 1976 أكبر حملة لاعتقال النساء اللاتي تعرضن لشتى أنواع التعذيب المادي والنفسي. يقول رئيس نادي الأسير عيسى قراقع أن عدد النساء اللاتي دخلن سجون العدو منذ سنة 1967 بلغ أزيد من عشرة آلاف امرأة ما بين توقيف أو احتجاز لعدة ساعات أو اعتقال دام أكثر من عشر سنوات. وشملت حملات الاعتقال الطفلات والمتزوجات والأمهات. وتقبع الأسيرات في ظروف مأساوية في سجون الاحتلال، ويتعرضن لاستفزازات يومية واعتداءات من قبل جنود العدو.

وكأختها في الشتات، حملت المرأة في الداخل البندقية وانطلقت لتدافع عن عزة الأمة وكرامتها، فكانت شادية أبو غزالة التي قادت مجموعة عسكرية في نابلس، واستشهدت في آخر يوم من رمضان سنة 1968 أثناء إعدادها عبوة ناسفة، و”لمياء معروف” و”زهرة سعيد حسن” اللتان قامتا في نوفمبر سنة 1984 مع رجلين آخرين باختطاف وقتل جندي الاحتياط الإسرائيلي دافيد مانوس أثناء محاولته ركوب السيارة، وحكم على زهرة حسن بالسجن لمدة 12 سنة وعلى لمياء بالسجن المؤبد ثم أفرج عنها بعد اتفاق أوسلو ونفيت إلى البرازيل، والمجاهدة عطاف عليان التي خططت لتنفيذ عملية استشهادية بسيارة ملغومة لكنها اعتقلت قبل العملية بقليل في الثاني من يوليوز سنة 1980 وحكم عليها بالسجن 15 سنة…

وجاءت انتفاضة الأقصى فتزايدت معاناة الشعب الفلسطيني رجاله ونسائه. وسطرت الأم الفلسطينية دعمها لانتفاضة شعبها بتقديم روحها فداء لوطنها وقضيتها. أرواح زكية هي أرواح وفاء إدريس، ودارين أبو عيشة، وآيات الأخرس، وإلهام الدسوقي وعندليب طقاطقة و.. شهيدات بلغ عددهن منذ اندلاع انتفاضة الأقصى 169 شهيدة بينهن 65 طفلة، لتشكل بذلك النساء الشهيدات ما نسبته 5بالمائة من إجمالي شهداء انتفاضة الأقصى. إضافة لـ24 إمرأة فلسطينية توفين جراء عرقلة مرورهن على الحواجز وعبر المعابر الحدودية رغم ظروف مرضهن. فيما بلغ عدد الأسيرات المعتقلات في سجون الاحتلال 126 أسيرة يعانين من ظروف صعبة وسيئة للغاية. وعلى وجه الخصوص، عانت المرأة الفلسطينية من تبني سلطات الاحتلال لسياسة هدم المنازل وتشريد سكانها على نطاق واسع وعدم استثنائها طيلة سنوات الاحتلالها النساء والأطفال من ممارسات القمع والبطش المنفذة ضد الفلسطينيين والهادفة لإذلالهم والتنكيل بهم والتنغيص عليهم.

ورغم كل المعاناة تتجلى المرأة الفلسطينية في أجمل صورها فهي الصبورة، الصامدة، المناضلة، هي التي لم تضعف عزيمتها أو تفتر، رغم كل ممارسات التنكيل بها.

إن معاناة المرأة الفلسطينية تعكس معاناة شعب بأكمله، قدمه البعض قربانا لسيده، وأدار له البعض ظهره وصم أذنيه، وراهن آخرون على تضحياته، ونضاله بينما علقت عليه الشعوب العربية أملها في أن يرفع رأسها عاليا.

وسيظل أهل فلسطين قلب هذه الأمة النابض ورمز عزتها وكرامتها، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لعدوهم قاهرين، لا يضرهم من جانبهم، إلا ما أصابهم من لأواء (أي أذى) حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، قالوا: وأين هم يا رسول الله؟ قال: ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس”. رواه عبد الله بن أحمد والطبراني ورجاله ثقات.