بين الجامعة وسوق الشغلأصبحت الجامعات المغربية غير قادرة على مسايرة متطلبات سوق الشغل نتيجة التزايد المهول لأعداد المعطلين وكذا بفعل السياسات التعليمية المرتجلة. ولئن اختار بعض المعطلين ركوب قوارب الموت بحثا عن مستقبل أفضل، فإن أسراب المعطلات أصبحن يدا عاملة رخيصة تتغذى على جهودها المقاولات الصغرى والعديد من المصانع المتناثرة “بالمناطق الصناعية”.

ما كان يخطر ببال هؤلاء العاملات أن قيمة الشواهد الجامعية التي حصلن عليها ستصبح يوما تحت رحمة “إكراهات” تحرير المبادلات التجارية وارتفاع كتلة الأجور وتأرجح المقاولات الصغيرة بين تحرير المبادرات ومخاوف الإفلاس…

ما كان يخطر ببالهن أن يصبحن رقما يراد به توسيع قاعدة الشغيلة التي تخرج كل فاتح ماي من كل سنة لتعبر عن استمرار تدني الأجور أمام ارتفاع ساعات العمل وأمام قساوة ظروف الشغل وشروط السلامة الصحية ومشاكل التأمين والأمراض المهنية…الخ.

ما كان يخطر ببالهن أن تختزل آمالهن في طوابير خلف آلات الخياطة أو التعليب أو التلفيف: يكررن نفس الحركات بما يشبه العهود “التايلورية”: رتابة الحركات والسكنات إلا من التفكير الدائم في عدد الوحدات المنجزة: لغة الكم وهوس الربح هما المعياران اللذان يحكمان الراتب واستمرار عقد العمل أو فسخه في أي حين وبلا مقدمات…

تهب الواحدة منهن كل جهدها ومعظم وقتها لئلا تلحق بقائمة المُسَّرحين: وجبات خفيفة، رخص قليلة، استسلام للاستغلال الذي يتعرضن له تحت ضغط لقمة العيش…وما خفي أعظم!

القدرة على إنتاج الربح المادي… أولاًربما جال بخاطر إحداهن أن مدونة الشغل الحديثة قادرة على ضمان حقوقها، فتتذكر أن هذه الأخيرة قد ألغت حق العمال في الإضراب وكأن هذا الأخير هو الوسيلة الوحيدة لانتزاع العمال حقوقهم، وبالمقابل أقرت نظام التعاقد في التشغيل لمدة ستة أشهر، قد تجدد أو يسرح الأجير لمدة غير محددة، وربما استأنف عمله بناء على عقد جديد لنفس المدة. ضمانات تمنح المشغل امتيازات واسعة وسلطة تقديرية أوسع: إن شاء أعلن إفلاسه وسرح شغيلته وبدأ مشروعا جديدا تحت إسم جديد مبرئٍ من كل تبعات المؤسسة الأولى.

فأي شهادة أبلغ من كون عيد الشغل أضحى بهذه الصفة تقليدا احتفاليا لا يأتي بجديد للفئات المشغَّلة المتطلعة بتلهف لغد أكثر عدالة وإنصافا لحقوقها، بل أكثر حرصا على كرامتها. أليست هذه المشاهد وجها للعملة المتداولة من خلال النهج الاقتصادي المتبع؟ نهج يقصي من حساباته العنصر البشري أيا كانت كفاءاته أو شهاداته أو رصيده التقني أوتشبثه بحقه في العيش الكريم.

إقصاءٌ ممنهج يطال هذه الفئات ما لم تترك وراء ظهرها كل هذه “الأسفار” لتتمكن من ولوج سوق الشغل المتحررة من كل القيود إلا من المحسوبية والمزايدات على يد عاملة وأطر كفئة، كان أسمى أملها، وهي تجد وتكد لنيل الشواهد العليا، أن تسهم في إعادة بناء صرح المجتمع على أسس أقوى وأطهر.

غير أن “دار لقمان” تدير ظهرها لكل تغيير وتأبى إلا أن يصبح معيار الجودة بها القدرة على الربح المادي السريع واللامشروط وإن كانت الفاتورة رصيدها البشري ! فمن يوقف هذا النزيف؟

قبل القانون ومعه وبعده…قبل القوانين ومعها وبعدها، لا بد من رفع العسف عن هؤلاء العاملات اللائي قذفت بهن بوابات الجامعات وذلك بضمان حقوقهن في الأجرة العادلة وتوفير ظروف العمل الأكثر إنسانية: ذلك أن الاقتصار على تسمية الحقوق الفردية للعمال وترك التطبيق للمشغِّلين قد لا يفي بالمطلوب في غياب اليقظة والحرص على تبني سياسة اقتصادية عادلة تحرص على المصلحة الخاصة للعمال مثلما ترعى المصلحة العامة وامتيازات أرباب الشغل.

هذه المعادلة ليست صعبة المنال إذا كان بند الاحتكام بين المشغل والأجير ميثاقا غليظا خُطَّ بمداد من التقوى، وبين سطوره يقرأ كلا الطرفين قول الله عز وجل ” إن الله يامر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون” النحل الآية 90.