للمرأة في أدب الرافعي مكانة كبرى وهذه المكانة ترتبط ارتباطا وثيقا بحياة الرافعي، وتمت بحبل وثيق إلى شخصيته النابغة التي تعاورت على تكوينها أسباب عديدة، منها أنه كاتب إسلامي أصيل ضرب بسهم وافر من الثقافة العربية الإسلامية الزاهرة التي ما فتئت تعتبر المرأة والرجل وجهين لعملة واحدة، أو هما سيان لقوس متقنة صناعتها، لكل منهما وظيفته التي خلقه الله لها كل فيما رسم له، فلا غنى لأحدهما عن صاحبه، ولا مناص لهما من السير على طريق دقيقة غاية في الدقة، وكيف لا تكون كذلك وواضعها هو خالق الكون وبارئه؟! ومنها أن الرافعي قد أوتي نفسا مرهفة شاعرة، وإحساسا رقيقا مبدعا بما حوله، هذه الخاصة التي أوتيها كثير من عباقرة الفن ومبدعيه تجعل الإنسان ذا حس مضاعف وفهم ثاقب يستشف الأشياء وما وراءها، فينقل لنا ما يراه بصورة أكثر عمقا وإشراقا.

كما هو الأمر عند كل مسلم حقيقي ينظر الرافعي إلى المرأة بمنظار إنساني قبل كل شيء، فكما أن الإنسان مكرم بالفطرة، ذو مكانة سامية تترجمها كثير من النصوص الإسلامية التي بين أيدينا، فإنه لا يخرج في أدبه عن إعطاء هذه الصورة الواضحة دائما، فيرى أن المرأة هي الإنسانية في نصف الإنسان، وهذه الصورة في صورة المثل الأعلى للإنسانية، وقد رآها الرافعي متمثلة بدقة في زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، يقول في (فلسفة المال): “ثم قال الإمام: وأنا دخلت على أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيتهن في دورهن يقاسين الحياة، ويعانين من الرزق ما شح درّه، فلا يجيء إلا كالقطرة بعد القطرة، وهن على ذلك، ما واحدة منهن إلى هي ملكة من ملكات الآدمية كلها، وما فقرهن إلا كبرياء الجنة نظرت إلى الأرض فقالت: لا…! يجاهدن مجاهدة كل شريف عظيم النفس، همه أن يكون الشرف أو لا يكون شيء”(1)

وهو يريد بهذا المثال أن يعطي صورة للمرأة الفضلى المسلمة التي تسامت بأنوثتها، فجعلتها نبراسا لبنات جنسها، تحضّهنّ على تمكين صفات الخير في نفوسهن، وتربية الأخلاق الفاضلة التي ستكون عدة لهن في حياتهن مع الرجال قبل أن تكون لهن ذخرا يوم القيامة، فيقول: “كانت أنوثتهن أبدا صاعدة متسامية فوق( موضعها بهذه القناعة وبهذه التقوى، ولا تزال متسامية صاعدة، على حين تنزل المطامع بأنوثة المرأة دون موضعها، ولا تزال أنوثتها تنحدر ما بقيت المرأة تطمع، ورب ملكة جعلتها مطامع الحياة في الدرك الأسفل، وهي باسمها في الوهم الأعلى…!”(2).

وبما عهده عنده من أسلوب الإقناع بالحجة والبرهان والتحليل يستشهد الرافعي بالحديث النبوي الشريف، ويتابع الشرح والتفسير بدقة متناهية وأسلوب لا يملك المرء أمامه إلا التسليم والقبول، فهو يستشهد على الفكرة التي يؤمن بها، كقضية التبرج التي يجعلها مخالفة لطبيعة المرأة التي فطرت على كونها تميل إلى رجل واحد هو زوجها، فاهتمام المرأة بإظهار زينتها بإسراف، ولمن حرم الله عليها التزين أمامهم هبوط بمستواها إلى الفساد والضعة، ثم إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللواتي هن المثل الأعلى الذي يجب على كل مسلمة اتخاذه أسوة حسنة كن في الحشمة والوقار بالغات الغاية، فيقول: “وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: اطلعت في الجنة فإذا أقل أهلها النساء، فقلت: أين النساء؟ قال: شغلهن الأحمران! الذهب والزعفران. أي الطمع في الغنى، والعمل له، والميل إلى التبرج والحرص عليه. ونفس الأنثى ليست أنثى، ولكن شغلها بذلك التبرج وذلك الحرص وذلك الطمع، هو يخصصها بخصائص الجسد ويعطيها من حكمه وينزلها على إرادته، وهذه هي المزلّة، فتهبط المرأة أكثر مما تعلو، وتضعف أكثر مما تقوى، وتفسد أكثر مما تصلح، إن نفس الأنثى لرجل واحد، لزوجها وحده. رأيت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم فقيرات مقتورا عليهن في الرزق غير أن كلا منهن تعيش بمعاني قلبها المؤمن القوي في دار صغيرة فَرَشَتْها الأرض”(3).

وللرافعي قدرة فائقة على تحليل طبيعة المرأة ووظيفتها، فهو يصور دخيلتها تصويرا دقيقا هو دائما أو غالبا يصيب الحقيقة، ثم يستخدم الفلسفة في بسط فكرته مما يعطي كتاباته إعجابا كبيرا مدهشا، من ذلك حديثه عن ضعف المرأة، وما يرسمه من تصرفها مع الرجل وعلاقة ذلك بالأخلاق والفصيلة والفكرة الإسلامية الصائبة التي تأخذ بعين الاعتبار هذه الطبيعة الرقيقة المرهفة للمرأة بما يتناسب مع الحياة الأسرية في مملكتها البيتية وما يتعلق بذلك من حجاب وغيره، فمن هذا مقالته (زوجة إمام) التي يقول فيها: “والمرأة ضعيفة بفطرتها، وهي على ذلك تأبى أن تكون ضعيفة أو تقر بالضعف إلا إذا وجدت رجلها الكامل، رجلها الذي يكون معها بقوته وعقله وفتنته لها وحبها إياه … فإذا لم تصب المرأة رجلها القوي لم تستطع أن تكون معه في حقيقة ضعفها الجميل، وعملت على أن يكون هو الضعيف، وبهذا تخرج من حيِّزها، وما أول خروج النساء إلى الطرقات إلا هذا المعنى، فإن كَثُر خروجهن في الطريق، وتسكعهن ها هنا وها هنا فإنما تلك صورة من فساد الطبيعة فيهن ومن إملاقها…”(4).

المرأة .. أمّاًلعل تلك النظرة الإنسانية الرقيقة التي نظر بها الرافعي إلى المرأة، واتخاذه من أمهات المؤمنين مثلا أعلى ونبراسا للبشرية قد وطَّد القدسية التي أحاط بها هالة الأم التي جعلها عنوانا للمرأة ومكانة لا تنازعها فيها مكانة على الإطلاق وكما يُستشف من قوله(5):اجثُ خُضوعا واحتراماً لمن *** أمُّك في حواء من أمـها

ألا تــرى الجنة فيما رَوَوْا *** مطلوبة من تحت أقدامهاوهي قصيدته (الشرق المريض) جاءت الدعوة الإنسانية مع الدعوة الإسلامية إنصافا للمرأة ورفعا لمكانتها الاجتماعية إلى الأمومة الراعية، فتربية المرأة وإعداد الأم هو المنطلق الذي يبدأ الحياة في الشرق المسلم عندما يقول(6):ربُّوا لذا الشرق يا قومي ممرضة *** تحنو عليه بإحســاس ووجـدان

ربوا له الأم يا قومي فلو وُجـدت *** في الشرق ما طاح في ذل وإهوان

تلك التي ترفعُ الدنيا وتحفضُــها *** بطفلها فهو والدُّنــيا بميــزانوالرافعي الذي أوتي من القدرة على الوصف فنا، ومن تصوير خوالج النفوس روعة استطاع أن يسكب في مقالته (موت أم) من إبداعه، فأخذ يصور طفلا قد فقد أمه وهو في عالمه الطفولي البريء يشعر بضخامة الرزء الذي ابتلي به، فهو يظهر ما للأم من رباط وثيق بولدها، ومدى حاجته إليها فيقول “تبارك الذي جعل في قلب الأم دنيا من خلقه هو، ودنيا من خلق أولادها! تبارك الذي أثاب الأم ثواب ما تعاني، فجعل فرحها صورة كبيرة من فرح صغارها!… انتهت  أيها الطفل المسكين- أيامك من الأم؛ هذه الأيام السعيدة التي كنت تعرف الغد فيها قبل أن يأتي معرفتك أمس الذي مضى … الأم…؟ يا إلهي، أي صغير على الأرض يجد كفايته من الروح إلا في الأم؟!”(7).

المرأة … حبيبةإن ذروة أدب الرافعي وعقدة حياته الفكرية والأدبية شيء واحد هو الحب، وقد قاده هذا إلى ابتداع لون جديد من فلسفة الحب والجمال في الأدب العربي كان فيه “مخلصا لأمانته وفنه، فقد كان يسكب روحه على الورق، ويصدر عن نفس مؤمنة عميقة الإيمان والاقتناع”(8).

وهذا الحب البنّاء يشير إليه الرافعي في مقدمة (أوراق الورد) فيقول:

“وتاريخ الحب عند صاحب هذه الرسائل كان كله نظرة أخذت تنمو وبقيت تنمو، … وهو حب قد كان من نمائه وجماله وطهره كأنما أزهرت به روضة من الرياض لا امرأة من النساء…”(9) فأنت لا تجد في هذه الرسائل معاني النساء متمثلة في امرأة تتصبى رجلا، ولكن معاني الحب والجمال متألهة في إنسانية تستوحي من إنسانية أو توحي لها”(10).

لذلك يؤكد الرافعي هذا السمو في الحب عند المسلم عندما يقارن ما هو فيه من طهر مع ما عليه الشهوانيون الخلَّص الذين يفهمون الحب ممارسة لا شعورا من كتاب أوربا الذين تسترقهم أهواؤهم فيذلون لها خانعين، فيقول: “وصاحب هذه الرسائل يرى نفسه في الحب كأنما وضع على هامش الناس، منطلقا غير مقيد، عزيزا غير ذليل، فهو كالسطر الذي يكتب على هامش الصفحة يستعرض ما ملأها بين أعلاها وأسفلها .. يتجافى بها عن ألفاظ الشهوات ومعانيها مما يتعمده بعض فحول الكتاب في أوربا، ولا طلاوة لرسائلهم وقصصهم بغيره، إذ هو يشبه أن يكون روح اللحم والدم في اللغة، ويتوخَّون التأثير من أقرب الطرق إليه، فيمسون شهوات القراء بالحادثة والوصف والعبارة كما يدر لعاب الجائع على ألفاظ الطعام وأوصافه ورائحته..”(11).

والرافعي، وهو دائم الإشارة إلى الطهارة في الحب في أدبه شهرا ونثرا، كقوله(12):قلبي هو الذهبُ الكريــ *** ــم فلا يفارقه رنينهْ

قلبي يحــب وإنـــما *** أخــلاقه فيـه ودينهْ

الحب أفــق طـــاهر *** ما إن يدنسـه خؤونهْوقوله: “الحب إحدى كلمتين هما ميراث الإنسانية، وهدية التاريخ، والطرفان اللذان تلتقي عندهما السماء بالأرض…”(13).

وقد كانت صورة المرأة الحبيبة عند الرافعي تجسيدا لمفهوم الحب الإنساني العفيف عنده، وهذا يظهر جليا في تحليله لشخصية هذه المرأة أو لجمالها الحسي، أو في خطابه لها، أو في رسائله إليها.

والحبيبة عنده ليست تمثالا جميلا  وهو ذواقة الجمال الأول- ولا هي منظر رائع يُتمتع بفتنته وسحره  ومَنِ الشارع المرهف إلا يَكُنْهُ الرافعي؟!- وإنما هي عون على أعباء الحياة، وشقيقة الروح، ورفيقة النضال، وإنما الجمال والسحر عندها في تصوره كونها قوة له وسندا وسببا من أسباب الحياة السديدة القويمة؛ لذلك يقول: “إذا رأيت رجلا موفقا فيما يحاوله، مسدد الخطا إلى الهدف الذي يرمي إليه فاعلم أن وراءه امرأة يحبها وتحبه”(14).

المرأة … زوجةًتمثل الزوجة عند الرافعي المرأة في أنوثتها وفنونها النسائية الفردية، ولكنها تفوق المرأة العادية في ثبات وجودها في حياته، وبقائها فيها وحدها دون غيرها.