معرفة أحواله وشمائله صلى الله عليه وسلم واجبة لنحبه على علم، كما أن معرفة أقواله وسنته واجبة لنتخلق ونعمل. حبه عقيدة، والعمل على سنته بِنِيَّةِ الاتباع برهانُ سلامة العقيدة. كلما ازددنا -نحن الآخِرين- معرفة بأحواله وشمائله ازددنا محبة فيه كما تدرج الصحابة رضي الله عنهم في ذلك.

كان معهم رضي الله عنهم من الانجذاب للإيمان ومن محبة الله ورسوله قوة انتزعتهم من الأهل والعشيرة فهاجروا في سبيل الله ورسوله. ثم قويت محبة الله ورسوله في قلوبهم فواجهوا في ميدان القتال الأب والأخ والأعمام والأقارب. يروي الإمام البيهقي أن والد أبي عبيدة كان في صف المشركين يوم بدر، فأخذ ينعَتُ لابنه وهو في صف المومنين آلهة قومه. وأخذ أبو عبيدة يحيد عنه. فلما أكثر الوالد المشرك قصده الابن المومن فقتله. ونزل قوله تعالى: )لا تجد قوما يومنون بالله واليوم الآخر يُوادُّون من حادّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. أولئك كَتَبَ في قلوبهم الإيمان وأيَّدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها. رضي الله عنهم ورضوا عنه. أولئك حزب الله. ألا إن حزب الله هم المفلحون(.(سورة المجادلة، الآية: 21)

تميز حزب الله عن حزب الشيطان: حزب الله رابطته حب الله ورسوله والوَلاية الجامعة بين المومنين، وحزب الشيطان جامِعتهم ورابطتهم العصبية القومية والوَلاء الجامع للأصنام ينعتونها ويزينونها للأبناء المومنين حتى في ساحة القتال. )استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله. أولئك حزب الشيطان. ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون(.(سورة المجادلة، الآية: 19)

أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح كان من أحب الصحابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة. رأيناه يقتل الجراح لما لم يَجِدْ مَحِيداً عنه. أثبت بذلك في أي جهة كانت محبته وولاؤه. غلب حب الله وحب رسوله المكتسَب حب الفطرة والإلْفِ. الحب الفطري حق إن انسجم مع مقتضيات الإيمان، فإن قاومها وعارضها أصبح باطلا يدحضُه الحق.

حب النفس والحفاظ على الحياة فطرة، فإذا غلب حب الله ورسوله في القلب الفطرة الأنانية رأيت في غزوة أحُد أم عمارةَ رضي الله عنها تضرب بسيفها الجبابرة وتعرض نحرها للطعن دفاعا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

مرتبة عالية في الإيمان والإحسان هي هذه الفدائية. لا ندري في أية سنة، وفي أية مرحلة، امتحن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب حين أخذ بيده فقال عمر: والله يا رسول الله لأنْتَ أحبُّ إلي من كل شيء إلا نفسي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا يومن أحدكم حتى أكونَ أحبَّ إليه من نفسه”. فقال عمر: فأنت الآن والله أحب إلي من نفسي! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الآنَ يا عمر!”. رواه الإمام أحمد. وعند البخاري قوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو هريرة: “فوالذي نفسي بيده لا يومن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والدِه وولده”. وعنده أيضا من حديث أنَسٍ قوله صلى الله عليه وسلم: “لا يومن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولَده والناس أجمعين”.

هذه كانت محبة الصحابة رضي الله عنهم تُمتحن في ساحات القتال. لم تكن محبة عُذْرِيّةً لَفظية حالمة. فَلْتنظر فلانة من المومنات أين هي من أمثال أم عِمارة. فإن امتحنت نفسها فوجدت أنها لا تبذل في سبيل الله دعما للدعوة وفداء للحق حتى أبسط وسائل راحتها، فلتراجع الحساب، ولتدبر الحيلة لتفْطم نفسها عن أنانيتها، وَلْتستَعِنْ بأخواتها على ذلك الفطام. أين يباع حب الله ورسوله؟ وما ثمنه؟ وما القنوات القلبية الموصولة به؟

إن حبل المودة والمحبة يريده الله ورسوله رباطا ممتدا بين أجيال المومنين، موصولا من قلب لقلب إلى منبع النور. الآصرة النبوية تضم إليها الأمة من قنوات الحب في الله، تخُصُّ بالوصية قنوات آل البيت وقنوات الصحابة، وتنعَتُهما نَعْتا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبة له بغدير خُم بعد أن حمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ: “أما بعد، ألا أيها الناس! إنما أنا بشر، يوشك أن يأتي رسولُ ربي فأُجيبَ. وإني تارك فيكم ثَقَلين: أولهما كتاب الله، فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله، واستمسكوا به”. قال الراوي: فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: “وأهلُ بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي! أذكركم الله في أهل بيتي!”. الحديث رواه مسلم عن زيد بن أرقَمَ رضي الله عنه. سأل حصين -وهو ممن حضر حديث زيد بن أرقم- ومَن أهله يا زيد؟ أليس نِساؤه من أهل بيته؟ قال زيد: نساؤه من أهل بيته. ولكنَّ أهل بيته مَن حُرِم الصدقَة بعده. قال: ومن هم؟ قال: هم آل علي، وآل عقيل، وآل جعفر، وآل عباس.

هل في تمسكنا بالكتاب والسنة ما يناقض محبة آل البيت عليهم السلام؟

فعلت الفتنةُ فِعلها فشقت الأمة شقين: شيعة ذكرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل بيته فتذكروا، وأجّج حبَّهم لآل البيت مذابحُ آل البيت في كربلاء. وسنة سَلَوْا مقتلَ حسين رضي الله عنه ونسوا مخازي يزيد بن معاوية حين سيق إليه رأس حسين والطاهرات من آل البيت سبايا.

جُرح مؤلم عميق في جسم الأمة. ليس هنا مكان الإفاضة في التذكير به.

الواجب هنا أَنْ نعبر عن كراهيتنا لمن لا يقيم وزنا لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، كراهية يتساوى فيها الروافض الذين يعميهم الحب المتعصب الجاهل الحاقد لآل البيت فيسبون الصحابة، والنواصب الذين أعمتهم الدنيا عن فضيلة آل البيت.

لم يسلَمْ من ثَلْب الصحابة وتنقيصهم والحَطِّ عَليهم إلا أربعة أو ستة. أسقط الروافض شهادة الله وشهادة رسوله للصحابة. فهو خزي وبوار. والعياذ بالله.

وأمر ملوك بني أمية بسب علي كرم الله وجهه على المنابر، فسُبّ خمسين سنة. بوار وخزي. والعياذ بالله.

هل يضمِّد الزمَن ذلك الجرح العميق في جسم الأمة، أم يزيده الزمن تفاقما؟ متى يجلس علماء المسلمين سنة وشيعة ليجتمعوا على الحق، وهو حب الآل والصحب معا، حبا إن انفصم بعضه عن بعض، أو أعمى بعضه عن بعض، فقد انفصمت عُرى دين من فرق بين ما جمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته: الآل والصّحب. الثقلان الكتاب والعترة الطاهرة. الكتاب والسنة الطاهرة التي قاتل عنها وبلغها الصحب الكرام.

بيس ما خلَفْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم إن أصْرَرْنا على مضغ المآسي التاريخية فكرهنا الصحابة، وثلبنا الصحابة، ونقصنا الصحابة، وطَعَنَّا في شهادة الله ورسوله للصحابة.

وبيس ما خلَفناه صلى الله عليه وسلم إن تركنا رواسب النّصْبِ الأموي، وآثار الدعاية الرسمية الأموية التي قتلت حُرْمَة آل البيت بعد أن ذبحت في كربلاء آل البيت.

أخرج الترمذي عن زيد بن أرقم رضي الله عنه حديثا حسنا غريبا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي. أحدهما أعظم من الآخر، وهو كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلى الأرض. وعِترتي أهل بيتي. لن يفترقا حتى يَردا علي الحوض. فانْظروا كيف تخلُفوني فيهما”.

أرأيتُنَّ معاشرَ المومنات لو كان من أهل البيت عُصاة وظالمون شذّوا عن القاعدة فانحرفوا عن الطريق، وافترقوا عن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض؟

الشاذون والشاذات على رؤوسهم ورؤوسهن تهديد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مثّل بأعز الأحباب فاطمة ابنته ليؤكد أن شرع الله لا يحابي أحدا فقال: “إن بني إسرائيل كان إِذا سرق فيهم الشريف تركوه،(& ). لو كانت فاطمة لقطعت يدها”. الحديث عند البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما.

فاطمة التي دعاها رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعا عليا وحسنا وحسينا فقال: “اللهم هؤلاء أهلي”. رواه الترمذي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح. فاطمة التي أدخلها رسول الله صلى الله عليه وسلم في مِرْطٍ مُرَحَّل (كساء منقوش) كان عليه، أدخلها هي والحسن والحسين وعليا ثم قَرأ: “إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ويطهركم تطهيرا”. رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.

حب فاطمة وعلي وحسن وحسين وآل البيت من صميم الدين.

وحب الصحابة أيضا. جاء جبريل عليه السلام فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما تَعُدونَ أهل بدرٍ فيكم؟ قال صلى الله عليه وسلم: “من أفضل المسلمين -أو كلمة نحوَها-. قال جبريل: وكذلك من حضر بدرا من الملائكة”. رواه البخاري عن رفاعة بن رافع الزرقي وكان من أهل بدر رضي الله عنه.

أين ذهب باقي الصحابة من أهل بدر وهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا. لم يَسْلَم من الثلب إلا أربعة أو ستة. شهد لهم الله ورسوله وجبريل والملائكة. وطعن فيهم الروافض. مرفوض والله مخزِيٌّ مطعون في دينه من يثلب الصحابة.

حديث صحيح عند أبي داود من طريق أبي هريرة يقول فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: “اِطَّلَعَ الله على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم”.

سيفُ عليٍّ له على الأمة فضل كبير. لكن مَا كان يفعل علي لولا المهاجرون البواسل والأنصار الأخيار؟ حب الأنصار من الإيمان. حب الأنصار آية الإيمان وعلامته. روى الشيخان والنسائي عن أنس رضي الله عنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “آية الإيمان حب الأنصار، وآية النفاق بغض الأنصار”.

الأنصار لهم مكانة عالية في كتاب الله، يُشَرَّفُون فيه ويشكر جهادهم ويُشهد لهم بالفلاح. أهم أربعة أو ستة أولئك الذين بايعوا في العقبة وحاربوا الكفر وآووا ونصروا؟ في أي وادٍ من وِديان الضلال يسلك المبغضون الثالبون لمن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لو أن الأنصار سلكوا واديا أو شِعبا لسلكتُ وادي الأنصار. ولولا الهجرة لكنت امْرَءاً من الأنصار”. رواه البخاري عن أبي هريرة. بأي وجه يلقى الله من يبغض أنصاريا واحدا فأحرى بُغضهم جميعا، وأحرى بغض الصحابة كافة؟ عند الشيخين والترمذي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق البراء بن عازب يقول فيه عن الأنصار: “لا يحبهم إلا مومن، ولا يبغضهم إلا منافق. فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله”.

اللهم ارزقنا حبك وحب من ينفعنا حبه عندك.