هل فهم أحد مقاصد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فهمها الصحابة، وهذا أنس يرجو أن يلحقه الله بأبي بكر وعمر ببركة حبه لأبي بكر وعمر؟ هل جاءنا الدين من الأوراق والكتب، أم من قنوات القلوب المومنة: من أبوين ربيا على الإيمان، ومعلم صالح، وواعظ متقٍ، وعالم عامل، ونموذج حي ماثِلٍ يُحتذى حذوُه، ويقتدى به، ويُحبُّ؟

هل هي سلسة من أصحاب، والمصاحبة انقطعت، أم الأمر لا يزال مستمرا من قلب لقلوب؟ نقِف ونبحث ونتساءل ونعود للكيفية التي أوتي بها الصحابة الإيمان قبل القرآن، فتلقّوا القرآن بتعظيم وطاعة، بينما آخرون ينثرونه نثْرَ الدقَل. نعود ونتساءل لتتربى المومنات التربية الكاملة المتكاملة عقلا وقلبا وخلقا. قلبا قبل كل شيء، ليتأهلن بالأنوار المقتبسة المشعة من جيل مومن لجيل مومن، ولينشِئْنَ أجيالا مومنة يرضعنهم مع لبن الجسم لبن الإيمان.

ذاق الصحابة حلاوة الإيمان، وطعِمُوا طعمه، فحصل لهم اليقين. ذوّقوا طعم الإيمان تابعيهم، وذوّق تابعوهم تابعيهم، والجداول النورانية حية لا تزال، متدفّقة ينور الله بها عباده، ويحيي بها أرض القلوب كما يحيي بغيث السحاب أرض الزرع.

ما الأمر معلومات تُدرج في الطروس، ولا مجرد إقناع فكري وإن كان للعقل مكانه. للعقل القلبي مكانه الذي لا مدخل إليه ينفُذ منه العقل المعاشي المشترك بين البشر. ما الأمر معلومات وإقناع فكري، بل هو إقناع قلبي عقلي وِجداني أفاضه جيل على جيل، وجليس على جلساء، ومحبوب في الله على محبين في الله.

على هذا المستوى من أهمية الاقتباس القلبي والعناية بِمصادره نفهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بآل بيته وبصحبه. روى الترمذي عن عبد الله بن مغَفّل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “اللهَ اللهَ في أصحابي! لا تتخذوهم غَرَضاً (هدفا يُرمى بالنبل) بعدي. فمن أحبهم فبحبي أحبهم. ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم. ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله”. ورواه الإمام أحمد أيضا. وعن الشيخين عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “لا تسُبوا أصحابي، فَلَو أنّ أحدا أنفق مثل أحُدٍ ذهبا ما بلغ مُدَّ أحدِهم ولا نصيفه”.

كان الصحابة رضي الله عنهم أوعية للعلم بلّغونا ديننا، كانوا فُقهاء مجتهدين أناروا لنا الطريق. كانوا أئمة هُدىً وتقى. كانوا قبل ذلك ومعه مَجالِيَ لِنور الإيمان، من قلوبهم سطع على مَن بعدَهم.حبهم من حب رسول الله، وحب رسول الله من حب الله. فالهدَى هداه سبحانه، والنور نوره، والوَصْلَةُ قلبية كما هي علمية، تربوية كما هي تعليمية. إذا غاب هذا عن العلاقات بين أجيال المومنين جفّ معين الإيمان، وأوتي من أوتي القرآن لا إيمان في قلبه، فهو ينثُره نثر الدقَل.

الرابطة القلبية الحماسية الغاضبة على خصوم آل البيت قوة هائلة حية عند إخواننا الشيعة. وعندنا سرعان ما غلبت الرابطة التعليمية، فانحسرت العلاقة مع الصحابة وتابعيهم في دائرة التلقي العلمي رِواية ودراية. من جيل لجيل خمدت جذوة المحبة وانزوَت. وكدرتها بغضاء الصحابة، وخلافات الصحابة، وأخطاء بعض الصحابة.

عاشت أمنا عائشة رضي الله عنها سبع سنوات من حكم معاوية. أخبَرَ عُروةُ خالتَه عائشة بأن الإمام عليا يُسَب ويُشتم ويلعن على المنابر. قالت عائشة: “يا ابن أُختي، أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فسبوهم”. أخرجه مسلم عن عائشة رضي الله عنها.

كان شتم علي ولعنه على المنابر مما فعله وأمر به معاوية. ثار بالفئة الباغية وقادها حتى استولى على الحكم. قال المسلمون السنة: اجتهد فأخطأ. ثم أخطأ حين أمر بلعن علي، أمرا استمر خمسين سنة. ثم أخطأ غفر الله لنا وله حين جيء إليه بحُجْر بن عدي الصحابي الجليل الزاهد العابد الفاضل فقتله وسبعةً من أصحابه. ذنب حجْر رضي الله عنه أنه قامَ ورد على زياد بن أبيه والي معاوية على العراق حين سمعه يلعن عليا على المنبر.

وأخطأ معاوية خطأه الأعظم لَمّا أرغم المسلمين تحت طائلة السيف على بيعة ابنه يزيدَ الفتى اللّعوبِ. وفعلها يزيد بعد أن ورث الملك عن أبيه كما يورث قطيع من النَّعَم، فقتل حسينا، واستباح جنده المدينة ثلاثة أيام لما قام عليه علماؤها من الصحابة، قتل منهم أكثر من ثلاثمائة، وأكثر من عشرة آلاف من المسلمين، وحَبَلت ألْف امرأة من سطو العساكر الأموية.

لا يحب الإخوان الشيعة أن يسمعوا كلمة “اجتهد فأخطأ فله أجر واحد”. ويسيطر الغضب على ما فعله بنو أمية بآل البيت منذئذ على العقول فلا يعترف الشيعة بحديث نقله غيرهم، وعلى القلوب فتتجرع الأجيال مقتل حسين وحجر ولعن آل البيت على المنابر. ويسيطر الغضب الرافضيُّ على الأفئدة فيُبغَضُ الصحابة لخطإ صدر من بعض الصحابة. نسمي ذلك خطأ لنستظل بستر رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي ناشد أمته: اللهَ اللهَ في أصحابي!

ومن جانبنا يتناقل الإخباريون آراء للأئمة ترفع معاوية إلى عَنان السماء، كأن مناشدة النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة براءة لجميعهم من الخطإ والعيب. ينقل العِمادُ الحنبلي في كتابه “شذرات الذهب” أن الإمام أحمد سئل أيهما أفضل: معاوية أو عمر بن عبد العزيز. فيزعم الأخباري أن الإمام قال: “لَغُبَارٌ لَحِق بأنف جواد معاوية بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من عمر بن عبد العزيز”. كلمة يشم منها رائحة السيف ودعاية الإسلام الرسمي، فيترجح أن نِسبتها للإمام أحمد، الجبل الشامخ رضي الله عنه، زور مما يلَفقه الإخباريون. وتبقى مزية الصحبة خارج المعارك.

لا جرَمَ أن يدّعيَ الشيعة العصمة لآل البيت إن كان السنة يسيغون مثل هذه الأحكام الغالية والأخبار التالية. أية تفاهة وسخرية بالعقل والدين: غبار في أنف فرس خير من عَلَم من أعلام المِلّة! لكنه فرس مَلكي.

نعود، والعوْدُ أحمُد، لنستمع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوصي بأصحابه، ويوصي أصحابَه. روى مسلم عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: “صلينا المغرب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قلنا: لو جلسنا حتى نصلي معه العشاء. قال: فجلسنا فخرج إلينا، فقال: مازلتم ها هنا؟ قلنا: يا رسول الله! صلينا معك المغرب، ثم قلنا: نجلس حتى نصلِي معك العِشاء. قال: أحسنتم  أو أصبتم-. قال: فرفع رأسه إلى السماء  وكان كثيرا ما يرفع رأسه إلى السماء- فقال: النجوم أمنة السماء، فإذا ذهبت النجوم أتى السماءَ ما توعَدُ. وأنا أمنة لأصحابي فإِذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون. وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون”.

قال ابن الأثير الجزري في كتاب “جامع الأصول” تعليقا على هذا الحديث: “أتى أصحابي ما يوعدون” إشارة إلى وقوع الفتن ومجِيء الشر عند ذهاب أهل الخير. فإنه لما كان صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم كان يبين لهم ما يختلفون فيه. فلما فُقد جالت الآراء واختلفت، فكان الصحابة يُسندون الأمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول أو فعل أو دَلالة حال. فلما فُقِد الصحابة قل النور وقويت الظلمة.

نتتبع مواقع النجوم الهادية ومجالس النور، كيف كان التابعون يرتادونها. روى الشيخان عن عَلْقَمة رحمه الله قال: “قدمت الشامَ، فصليت ركعتين، ثم قلت: اللهم يسر لي جليسا صالحا. فأتيت قوما فجلست إليهم، فإذا شيخ قدْ جاء، جلس إلى جانبي. قلت: مَن هذا؟ قالوا: أبو الدرداء (وهو من جِلة الصحابة وعلمائهم).

“فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي جليسا صالحا، فيسرك لي. قال: ممّن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة. قال: أوَليس فيكم ابن أم عبدٍ صاحبُ النعلين والوسادة والمِطهرة؟ -يعني ابن مسعود-، وفيكم الذي أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه -يعني عَمَّارا-. أوليس فيكم صاحِب سِرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يعلمه أحد غيرُه؟ -يعني حذَيفة-. ثم قال: كيف يقرأ عبد الله “والليل إذا يغشى”؟ فقرأت: “والليلِ إذا يغشى والذكرِ والأنثى”. قال: والله لقد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن فيه إلى فِيَّ”.

هكذا كان يلتقي جيل بجيل، وهكذا كان يبحث اللاحق عن صحبة السابق ومجالسته، وفي هذا كانوا يتذاكرون، وعنه يتساءلون. وفيما يلي وصف للمناجاة القلبية الحبية بَيْنَهُمْ.

روى الإمام مالك في الموطإ والحاكم وابن عبد البر بسند صحيح عن أبي إدريس الخولاني عائذِ الله، وهو من كبار التابعين، قال: “دخلت مسجدَ دمشق، فإذا فتىً برّاقُ الثنايا، والناس حوله. فإذا اختلفوا في شيء أسندوه إليه، وصدروا عن رأيه. فسألت عنه، فقالوا: هذا معاذ بن جبل. فلما كان الغدُ هجَّرتُ إليه (ذهبت إليه قبل الظهر)، فوجدته قد سبقني بالتهجير، ووجدته يصلي. فانتظرته حتى قضى صلاته، ثم جئته من قِبَل وجهه، فسلمت عليه ثم قلت: والله إني لأحبك في الله! فقال: آللهِ! فقلت: آللهِ! فقال: آللهِ! فقلت: آللهِ! فأخذ بحبوة ردائي إليه وقال: أبشر! فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تبارك وتعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ، والمتجالسين فيّ، والمتزاورين فِيَّ، والمتباذلين فِيّ”.

أُسَمِّي هذا الحديث دستوراً للصحبة. لا غنى للمومنات عن التحاب بينهن في الله، وعن التجالس والتزاور والتباذل في الله. قد يكون التحاب فاتِراً في البداية، فيسخنه التجالس، ويمَشّي عراه التزاور، ويقوي أواصره التباذل.

تتواصى الأجيال بهذا. حضر الموتُ مُعاذا رضي الله عنه فطلب إليه أصحابه الوصية. فقال: أجلسوني. ففعلوا. فقال: “إن العلم وَالإيمانَ مكانَهما، من ابتغاهما وجدهما. يقول ذلك ثلاث مرات. التمسوا العلم عند أربعة رهط. عند عُويمر أبي الدرداء، وعند سلمان الفارسي، وعند عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن سلام الذي كان يهوديا فأسلم. فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إنه عاشِرُ عشرة في الجنة”. أخرجه الترمذي عن يزيد بن عميرَةَ.

أن يبتغي الجيل اللاحق العلم والإيمان عند أكابر الجيل قبله، هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم تسلسل بها النقل كما تسلسل بالابتغاء والبحث والمحاسبة والصحبة والاقتباس.

يفلح من صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أحبه، ومن صحب من صحب، ومن أحب من أحب، ومن رأى، ومن رأى من رأى. والخير في الأمة إلى يوم القيامة. روى الشيخان عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “يأتي على الناس زمان يغزو فيه فِئَامٌ (جماعة) من الناس، فيقولون: هل فيكم مَنْ صاحَب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتَح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم. ثم يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئام من الناس، فيقال: هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم”.

في رواية “هل فيكم من رأى من رأى؟” والمقصود دائما هذه الصحبة المباركة المتسلسلة بالتلمذة والمجالسة والتزاور والتحاب في الله. والله يحب الصادقين.