استكملت الإيمان من أعطت لله، ومنعت لله، وأحبت لله، وأبغضت لله. كما جاء في حديث الترمذي عن معاذ بن أنس الجهني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعند الإمام أحمد من حديث البراء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله”. وهما حديثان قويان. “من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل الإيمان”. حديث أبي داود عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه.

استكملت الإيمان من أصبحت أعمالها مطهرة من النفاق، مخلَصة لوجه الله تعالى. بواعثها القلبية لا تُكذِّب أفعال جوارحها. تعرض كل أفعالها على الشريعة لتتأكد من أن ما تأتي وما تذر، ما تعطي وما تمنع، ما تحب وما تبغض، لا يُملي الهَوَى والشيطان أوامره، ولا توسوس به النفس المُراوغة الممانعة لمقتضى الشرع.

إنها أعمال قلبية تزكي الأعمال الجوارحية، إنه إخلاص الوجهة لله تعالى، إنه إمساك واستمساك بالعروة الوثقى بدل التشبث بحبال الدين الرث البالي.

إخلاص الوِجهة لله تعالى نية وعملا هو لب الإيمان وقلبه، فإن تحرّت أمة الله الصواب الشرعي في عملها فهي على طريق الصلاح. رائدها ومَرْمَى طرْف إرادتها أن تكون مرآتها التي تجلو لها أحوال إيمانها قولُه تعالى يأمر نبيهُ ويأمرنا: )قل إن صلاتي ونُسُكي ومحياي ومماتِيَ لله رب العالمين لا شريك له، وبذلك أُمِرْتُ وأنا أول المسلمين(.(سورة الأنعام، الآيتان: 164-165)

استكملت الإيمان من ذاقت طعم الإيمان يومَ أصبح الله ورسوله أحبّ إليها مما سواهما، ويوم أحبت المومنات لا تحبهن إلا لله، ويوم كرهت ماضيَ غفلتها أو تيهتها كما تكره أن تقذف في النار. قلبُها مُفْعم بالشكر لله الحنان المنان الذي أنقذها من خِضم الفتنة وأتاح لها سفينة النجاة.

لا يتساكَن الإيمان المكتمل، الإيمان الذي له طَعم وحلاوة ومذاق، في قلب المومن مع الحسابات الصغيرة والضغائن الحقيرة والإحساسات المريرة من حقد، وحسد، وأنانية، وحب رئاسة، وحرص على الدنيا وهوىً في متاعها الفاني كما يتمتع اللاهون العابثون بأعمارهم. إنما يتساكن الإيمان المكتمل مع حب الخير للمسلمين، وللناس أجمعين، ولخلق الله عامة: “لا يومن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”. حديث نبـوي متفق عليه من طريق أنس بن مالك رضي الله عنه.

لا يصلُح الإيمان ويكتمل إلا بصلاح القلب، وإخلاص أعمال القلب، وصواب الطاعات بموافقتها للشرع. فإن اطّلعت المومنة على دخائل نفسها فوجدت الكَدَر والظلمة بدل الصفاء والنور، فلتراجع حسابها مع ربها عز وجل، ابتداء من التروك التي تعهدت بها في عقد “بيعة النساء”، ثم تصحح فصول الحلال والحرام لتكتشف من أين دخل عليها الكدر، ومن أية كُوّةٍ نفسية تسرب الظلام. الحرام كدر وظلام تغشى القلب آثاره فتعتِّمهُ وتُسَوّده وتمْرِضه.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشَبَّهاتٌ لا يعلمها كثير من الناس. فمن اتقى المشبهات فقد استبْرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشُّبُهات وقع في الحرام كَراعٍ يرعى حول الحِمى يوشك أن يقع فيه. ألا وإن لكل ملكٍ حِمى، ألا إن حِمَى الله في أرضه محارمُه. ألا وإن في الجسد مُضْغَةٌ إذا صلَحت صلَح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله. ألا وهي القلب”. رواه البخاري عن النعمان بن بشير رضي الله عنه.

تراجع حسابها ومراقِي سلم دينها هذه الطامحة للكمال إن وجدت في نفسها ما يضُرّ ولا يسُرّ.

مراقي الدين تعلمها الصحابة رضي الله عنهم في مشهد ملائكي فريد لكي يكون وقع التعليم مؤثرا عميقا دائما. تعلموا أن الدين سلم مرقاته الأولى إسلام، والثانية إيمان، والثالثة إحسان.

افتتح الإمام مسلم صحيحه بحديث جبريل، هذا الحديث الذي لا تمل المومنات من حفظه وتحفيظه وفقهه وتفقيهه وعلمه وتعليمه حتى لا يستقر عند المسلمات والمسلمين أن الدين مرتبة واحدة، الناعسة على عتبتها كالصاعدة في سلمها يحدوها حب الله والشوق إلى الله والإخلاص لله.لا تستوي تلك وهذه.

روى عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: “بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يُرى عليه أثَر السفر، ولا يعرفه منا أحد، حتى جلس إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسند رُكبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخِذَيه (أي أن الداخل وضع كفيه على فخذيْ نفسه) وقال: يا محمد! أخبرني عن الإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتُقيمَ الصلاة، وتوتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتَحُج البيت إن استطعت إليه سبيلا”. قال: صدقت! قال (عمر): فعجبْنا له يسأله ويُصدقه. قال: فأخبرني عن الإيمان. قال: “أن تومن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخِرِ، وتومنَ بالقدَر خيرِه وشرِّه”. قال: صدقت! قال: فأخبرني عن الإحسان. قال: “أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك”. الحديث. وروى مثلَه البخاري من طريق أبي هريرة رضي الله عنه.

ثم سأل الرجل النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة وأشراطها، فذكر له في رواية عند مسلم عن أبي هريرة أن من شروطها أنْ يُرَى “الحفاة العُراة الصم البكم ملوكَ الأرض”. وأن يُرى “رِعاءُ البَهم يتطاولون في البنيان”.

انطلق “الرجل” بعد أن سمع أجوبة النبي صلى الله عليه وسلم. قال عمر: فلبثتُ مَلِيّا، ثم قال لي (النبي صلى الله عليه وسلم): “يا عمر! أتدري من السائل؟”. قلت: الله ورسوله أعلم! قال: “فإنه جبريل، أتاكم يعلمكم دينكم”.

هذا الدين ما هو بسيطٌ مستوٍ وصعيدٌ متساو. بل هو مراقٍ يُصعد عليها، وعقبات تقتحم، ودرجات في الآخرة ينالها الناس على مقادير خلوص الأعمال وصفاء القلوب.

هاهي أشرفَت على مطالع الإحسان من أتقنت أركان إسلامها الخمس وأرست أساسها على متين العلم، ثم عَمَرَت ظاهر البنيان الإسلامي بالأعمال والأخلاق والقربات الإيمانية، وصفت القلب من الشوائب حتى صلَحت المضغة لإيواء أنوار الإحسان. يدخل حب الله وحب رسوله فينير الجنَبَات.

ترتدُّ إحداهن خائبة العزم كليلة الإرادة خامدة الهمة، وتنكُص على عقبها، وتتساقط بما أخلّتْ من شرائط الإسلام والإيمان، وبما نفضت يدها من جماعة المومنات حين جرحت كبرياءَ أنانيتها كلمةٌ ناصحة، وحين ضعُفت عن تحمُّل أعباء العمل الجماعي، وحين عَيِيَ صبرها عن الإغضاء والتسامح والبِر وحسن الخلق.

تلك المرتدة المتساقطة يخاطب أمثالها ومثيلاتها قوله تعالى: )يأيها الذين آمنوا من يرتدِدْ منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلةٍ على المومنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم. ذلك فضل الله يوتيه من يشاء. والله واسع عليم(.(سورة المائدة، الآية: 56)

الإحسان من شرائطه ذبح الكبرياء الزائفة والأنانية المتعالية لتكوني ذليلة على المومنات عزيزة على الكافرات. ذليلة بمعنى الملايَنة والمحبة التي تغطي على الهفوات، لا الذل بمعنى سقوط الهمة والارتماء على عتبة القوة والمال والشهوة.

لا يمكث حب الله في قلب مومنة إن بقي في قلبها حب يساويه أو يفوقه. للحب الفطري مكانُه يعترف به الشرع، وللحب في الله مكانه يحث عليه الشرع. لكن كل ذلك باطل في باطل إن زاحم حب الله وحب رسوله أو نافسهما. قال الله تعالى: )قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره. والله لا يهدي القوم الفاسقين(.(سورة التوبة، الآية: 24)

للمشركين أنداد يحبونهم كحب الله. ولبنات الدنيا زينة الدنيا يحبِبْنها لاَ يُحببن الله. لكن الذين آمنوا واللاتي آمنَّ أشدّ حبّاً لله. بل يتمكن حب الله وحب رسوله في قلوبهن حتى يطرُد كل حب غيرَه لا يرخص فيه الشرع. وما رخص فيه الشرع من حب الأمهات والآباء والإخوان والأزواج ترى فيه المومنات نعما من الله يجب شكره عليها وحبه من أجلها. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “أحِبوا الله لما يغذوكم من نعمه. وأحبوني لحب الله. وأحبوا أهل بيتي لحبي”. رواه الترمذي والحاكم وصححه عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

يلتقي حبها لله بحب رسول الله لله، وبحب الله لرسوله، وبجامعة حب آل البيت المطهرين، على جادة الإحسان. وإن كان أحد أشد حبا لله فهو رسول الله الذي يقول في دعائه: “اللهم ارزقني حبك، وحب مَن ينفعني حبه عندك. اللهم ما رزقتني مما أحب فاجعله قوَّة لي فيما تحب. وما زوَيْتَ عني مما أحِب فاجعله فراغا لي فيما تحب”. رواه الترمذي بسند حسن عن عبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري رضي الله عنه.

في ثنايا قول المعلم صلى الله عليه وسلم: “أحبوا الله لما يغذوكم به” الخ الحديث، وفي ثنايا دعائه أن يجعل الله له ما رزقه قوة فيما يحب الله، تعليم رقيق يأخذ بيد النفس البشرية الضعيفة ليتدرج بها من تقدير الأرزاق إلى تعظيم الرزاق، ومن الارتياح للنعم إلى حب المنعم، ومن صرف قوة العطاء في خدمة الأهداف الدنيوية إلى توظيفها في اقتحام العقبة إلى مَحاب الله وإلى حب الله.

نِعَم وأرزاق مجسدة فيما يغذونا به الرزاق المنعم سبحانه من غذاء الأجسام وكسوتها ونفقتها ورخائها. هذه الماديات، التي هي من ضروريات الحياة وكمالياتها، تصبح وسيلة ومرقاة للعروج من عالم الماديات الصماء العمياء إلى عالم الكمال الإيماني الإحساني.

كيف تكون إذاً قيمة النعْمة العظمى والوسيلة الأرقى إذا تعلقنا بأذيال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحببناه! حبه أصل من أصول الإيمان. حبه دين. حبه وسيلة لحب الله.

جاءه رجل فسأله عن الساعة متى هي؟ قال صلى الله عليه وسلم: “ما أعددتَ لها؟ قال: لا شيء غير أنني أحب الله ورسوله. فقال: أنت مع من أحببت”. متفق عليه من طريق أنس خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أنس: فما فَرِحْنا بشيء فَرَحَنا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: أنت مع من أحببت. فأنا أحب النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم، وإن لم أعمل أعمالهم.

قرأنا في حديث تسلسلَ المحبة وتواصلها بين الله ورسوله وأهل بيت رسوله، وقرأنا في حديث أنس فرح الصحابة رضي الله عنهم لَمَّا بُشروا بفاعلية المحبة بين الله ورسوله والمومنين. هذا التواصل والتحاب بين العباد هو العروة الوثيقة التي نخصص لها الفقرة التالية بإذن الله. ولَهِيَ المفصِل والمَوْصل بين درجات الدين. والحمد لله رب العالمين.