رب وا معتصماه انطلقت *** ملأ أفواه الصبايا اليتم

لامست أسماعهم لكنها *** لم تلامس نخوة المعتصم      قال ابن الأثير في الكامل: “لما خرج ملك الروم، وفعل في بلاد الإسلام ما فعل، بلغ الخبر إلى المعتصم، فلما بلغه ذلك استعظمه، وكبر لديه، وبلغه أن امرأة هاشمية صاحت، وهي أسيرة في أيدي الروم: وا معتصماه! فأجابها وهو جالس على سريره: لبيك لبيك! ونهض من ساعته، وصاح في قصره: النفير النفير….”.

      التاريخ الإسلامي حافل بمثل هذه المآثر، حتى أولئك الجبابرة من الحكام والولاة الذين روى التاريخ عنهم كل فضيحة ما كانوا ليترددوا في نصرة مسلم والذود عن عرض وشرف مسلمة ولو كانت في أقصى المعمورة. روى البلاذري في كتابه الشهير “فتوح البلدان”.

      “إن نسوة مسلمات في سفينة، عرض لهن من “ميد الديبل”  من أقدم الشعوب الهندية- في بوارج فأخذوا السفينة بما فيها، فنادت امرأة منهن، يا حجاج يا حجاج! وبلغ الحجاج ذلك فقال: يا لبيك …..”.

      كم من نسوة في فلسطين قالت “وا معتصماه”.

      كم من ثكلى نادت “وا معتصماه”.

      كم من حرة أبية بكت وصاحت “وا معتصماه”.

      آلة الدمار الصهيونية تحصد أبناء غزة، ودون أي تمييز بين فئاته، على مرآى ومسمع من العالم الذي اختار أن يراقب الوضع من بعيد، ولا يتدخل لوقف هذه المجازر إلا إذا رأى ما لم يكن في الحسبان. لا الكلمات ولا مفردات النكبات والنكسات بإمكانها التعبير عن هذه المآسي التي يرتكبها الجيش الصهيوني في غزة العزة، فبعد الحصار الطويل ومنع إدخال المساعدات إلى الشعب الفلسطيني بغزة، ومنع الأدوية عنهم، ومنع الحليب للأطفال الرضع، وقطع جميع المساعدات، وقطع الرواتب عن الموظفين في أخطر مِِِِؤامرة عالمية على المقاومة الفلسطينية وبمباركة الزعماء العرب والمتصهينين من الفلسطينيين. جرائم لا مثيل لها في تاريخ الإنسانية لتجويع وإذلال وتركيع شعب يريد استقلال أرضه، ويناضل من أجل تحقيق حلمه المشروع.

      أمام فشل كل هذه الوسائل الإرهابية الصهيوأمريكية والعربية لضرب قوى المقاومة الرافضة للاستسلام والرضوخ للأمر الواقع، ومع هذا الإصرار على التعلق بقيم العزة والكرامة، انطلقت حرب الإبادة تحت عنوان “المحرقة”.

      تعجز الكلمات عن وصف هذه الحرب القذرة وهذه الإبادة التي يتعرض لها أهلنا في غزة بتواطئ مفضوح لهذه الأنظمة العربية التي لاذت بالصمت بعد المساهمة في الحصار. والأدهى من هذا كله منع شعوبها من التظاهر والتنديد بهذه المجازر، وقيامها بتفريق الجموع المنددة بالعصي والهراوات كما حدث مع الوقفة التضامنية التي نظمتها جماعة العدل والإحسان بالرباط يوم 02/03/2008 -واحسرتاه على لجنة القدس-، والأنكى من هذا أن يسقط تلميذ شهيدا في تونس برصاص “الأجهزة الأمنية “التونسية وجريمته خرج للشارع للتنديد بما يحدث في غزة.

      أي بؤس هذا الذي تعيشه هذه الأنظمة العربية التي تنصلت من كل مسؤوليتها تجاه أمتها؟ وما عذر دول العالم “المتحضر” التي تواطأت بدورها على التستر على هذه الجرائم النكراء، خراب ودمار وقتل بالعشرات وجرحى بالمئات، تدمير لكل أنواع الحياة، ومجلس الأمن عاجز عن الإدانة. أي مصداقية لهذه المؤسسات بعد هذه الفضيحة التي أسقطت كل الأقنعة التي يتستر خلفها أعداء الإنسانية. أين حقوق الإنسان؟ أين الضمير الإنساني العالمي الذي اهتز لأحداث جرت هنا وهناك، وملأ الدنيا ضجيجا عما يحدث في دارفور وغيرها…

      لا نلوم الأمم المتحدة ومنظماتها إن هي عجزت عن الإدانة طالما الوضع بلغ بالأنظمة العربية هذا المستوى الذي تطلق النار فيه على المواطنين إن هم سولت لهم أنفسهم أن يتظاهروا نصرة لإخوانهم في غزة.

      لا نلوم الضمير العالمي والموقف العربي الرسمي غير مكترث لهذه المذابح في غزة، ولهذه الدماء التي تنزف وبغزارة.

      لا نلوم مجلس الأمن إن لم يندد مادمت الأنظمة العربية قد ضبطت متلبسة في واضحة النهار بالخيانة للقدس وفلسطين.

      لا لوم لهؤلاء ولا لهؤلاء مادامت السلطة الفلسطينية تشارك بشكل أو بآخر في الحرب التي أعلنتها تل أبيب على حماس واتهامها بأنها تأوي القاعدة… ولم يكن ذنب حماس سوى اختيار المقاومة لتحرير أرضها وشعبها من الاحتلال.

      الوضع العربي الغارق في اللامبالاة والعبثية أنتج وضعا إسرائيليا وأمريكيا أكثر عبثية مما يحتم علينا النظر بكل جدية إلى مصدر الخلل وتشخيص الداء بكل وضوح، حتى نتمكن فعلا من المعالجة الحقيقية لهذا الداء السرطاني والعمل جميعا من أجل الخلاص.