لا يزال في الأمة سؤال يُطرح باستمرار، وخاصة عندما نقارن أنفسنا وأوضاعنا بما طُلب منا القيام به والنهوض ببنائه ثم حِفظه وتبليغه {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ}، وبما حصَّله غيرنا من إنجازات صمَّت الآذان وحيَّرت العقول وأحرجت الأفهام.

لِمَ تعطل عقلنا؟ لم قبعنا في الذيلية بين الأمم؟ بم حصل هذا الانحطاط؟ كيف تدحرجنا إلى الوراء؟ كيف تحولت بلادنا إلى أنموذج لانتهاك حقوق الإنسان والفقر والدعارة والعنف؟ ما هي العاهة التي تسلطت في جسمنا فأردته مهترئا؟

ثم بم نتجدد؟ وكيف نُحصِّل مقومات القوة والسيادة؟ كيف ننتقل من التبعية إلى القيادة؟ كيف نؤسس لممارسة سياسية راشدة؟ كيف نبني عُمراننا ونُنجح نموذجنا؟

أسئلة عامة نطرح جزءا منها على الواقع المغربي في شقه السياسي حتى نتبين مكامن الخلل والسقوط ونُسْهِم في اكتشاف مفاتح الحل والنهوض؟

أولا: مكونات المشهد السياسييتكون المشهد السياسي المغربي (الخريطة السياسية) من ثلاثة عناصر أساسية:

1. مكون المؤسسة الملكية: ونقصد بها ما يسميه المغاربة بـ”دار المَخْزَن”، أي مجموع الملِك والمحيط الملكي من أمراء وأميرات ومستشارين ولجان ملكية (مجالس عليا ومعاهد ومجموعات ومراكز…) وسفراء وكتاب عامين وموظفين سامين وجنرالات…، أي ما يشكل مضمون تسمية “القصر” كمرادف للنظام السياسي المغربي الذي ينفرد بالسلطة المطلقة التي لا يحدها الشرع ولا الشعب ولا الخُلُق ولا القانون.

الحُكم المطلق هو الكل في الكل، يفعل ما يريد، ولا يُسأل عما يفعل، شبيه  على حد تعبير الفيلسوف طوماس هوبز-بالكائن المفترس أو “التنين”، يتدخل في كل شيء، ويحتكر كل كبيرة وصغيرة في الحياة المجتمعية، يستعمل سُلط الإملاء والمساومة والقمع والحصار، ويحتكر التشريع والتنفيذ والمتابعة والتقويم، الكل تحت القدم الذي يفرض قداسته وتقديسه بالعنف والتنكيل وشراء الذمم والدجل.

عاهة الانفراد بالحكم والاستيلاء عليه بالعنف ليست وليدة العصر الحاضر وإنما هي نتيجة تراكم فساد تاريخي ظهر في الأمة الإسلامية بُعَيد زمن الخلافة الراشدة، أي مع انتقاض عروة الشورى وانقضاض أُغَيْلِمة/ سفهاء على أمر الأمة ورفسها بالسيف وقلب الاختيار الحر إلى مَلكية كسروية وقيصرية…حتى اكتسبت البدعة الكبرى (ولاية العهد) مشروعية تاريخية دافع عنها فقهاء السلاطين ومثقفوهم وخُدام عروشهم، وانتقل إلينا الوباء عبر انحطاطنا.

عافانا الله.

2. مكون الأحزاب السياسية: ونعني بها جميع التكتلات التي “تحترف” العمل السياسي بمختلِف مشاربها وأسمائها ورموزها ومرجعياتها وحجمها (أكثر من 30 حزبا)، القديمة منها والجديدة، التي صنعت نفسها بنضالها وصِدقيتها أو التي صنعها المخزن لضبط بعض التوازنات التي تخصه. ولا جدال في الحاجة إلى تعددية سياسية وتنظيمية ضرورية لتأطير الاختلاف والتعدد في الآراء والتصورات والبرامج بُغية بناء حياة سياسية سليمة وشفافة، إلا أن الغالب على أحزابنا هو استسلامها السريع وغير المشروط  مع الأسف- للدوران المحموم حول مزاج الشخص “المقدس” وتصريف توجيهاته والدعاية الممجوجة ل”مبادراته”، وتكييف خطاباتها مع تعليماته “السامية”، إذ النسبة الكبرى من هذه الأحزاب تدمن على ممارسة السياسة السياسوية، أو ما يسميه الأستاذ منير الجوري ب”الدعارة السياسية”، التي بموجبها يتوهم الشعب (كان) أن طحينا حقيقيا يدور في الرحى، فإذا به يجد نفسه هو الذي يدور في حلقة الرزايا المميتة، دون أن يبرح مكانه.

ولعل هذا ما كادت تقتنع به بعض القيادات الحزبية التي كانت تنكر فيما قبل أن لها أحلاما وتخمينات غير واقعية، لكنها جهرت الآن بفشلها ونخبويتها وانقطاعها عن الناس. وأدركت أن أحزابها “فيها من الموبقات والنوائب والمفضحات ما تستحق عليه النقد الشديد الذي لا يداهن أو يجامل، ولا يترك صغيرة لا يلقي عليها ضوء المساءلة والمحاسبة” (1).

ولا يصح أن ننكر لبعض الأحزاب والنقابات والهيئات والأشخاص فضلها ومروءتها في الكفاح والنضال ومدافعة الظلم ودفع الثمن، وإن لم تُسعفها طاقتها التربوية والتنظيمية والسياسية، و لم يُوصلها استعجالها الثمرة، ولم يُفْلِتها مَكْرُ المفسدين -داخلها وخارجها- من تقويض روح الاستبداد واجتثاث زَّقُّومِه من أصله. وظل دورها باهتا وضعيفا في لملمة القوة الكافية لإحداث التغيير المطلوب والملموس.

3. مكون الحركة الإسلامية: أي مجموع التنظيمات التي تتبنى الإسلام بشكله الشمولي المتكامل، تربية وتنمية وتدافعا سياسيا وحُكما…، وهي تشكل جبهة أو رابطة إسلامية واسعة تُعِد لمستقبل الإسلام دعوة ودولة (مثل جماعة العدل والإحسان وحركة التوحيد والإصلاح …). ويتفوق هذا المكون عن باقي المكونات بجماهيريته، وبجديته في الدفاع عن قضايا الأمة، وبارتباطه العميق بالهوية المغربية، وبارتفاع الحس الأخلاقي لدى أعضائه وقدرتهم على التأثير في الناس. وتستفيد الحركة الإسلامية اليوم من أفول من انفضاح النظام السياسي الدولي والمحلي، ومن عودة الشباب إلى الإسلام، وتجدر الصحوة الإسلامية. (2)

هذه أكبر المكونات على الساحة المغربية، بالإضافة طبعا إلى نفوذ العامل الأجنبي (اللوبي اليهودي والهيمنة الأمريكية والنرجسية الأوربية) ودوره في حراسة الشعوب المسلمة من التوحد والتعاون والتنسيق.

لكن الذي يمارس السياسة في العمق هو من يمتلك مشروعا مجتمعيا متكاملا. ويمكن الحديث في المغرب عن مشروعين متناقضين متدافعين هما:

– مشروع المخزن: وهو المشروع الذي يضع أولى أولوياته تأبيد الوضع القائم وضمان استمراره، ويؤطره التفكير بمنطق التعالي والتجبر والتفرد، ولا يسمح إلا بترديد وتبرير نفس الأسطوانة القديمة وإن بأشكال وألوان متنوعة. وهذا المشروع هو الذي أوصلنا إلى الخراب الذي تعيشه البلاد.

– مشروع اللا مخزن: وهو المشروع الذي يقاوم سيطرة المشروع السابق، ويسعى تنظيرا وتخطيطا وتنظيما وعملا إلى تغيير الوضع القائم والتحرر من أضراره، ويؤطره التفكير بمنطق الحوار والتعاقد والتجديد والتعدد. بُغية التأسيس لمجتمع العمران.

أما من ليس له مشروع فإنه يعيش بالضرورة ضمن مشاريع الآخرين، يدور في فلكهم ويستهلك من عطاياهم، وإن اختار طريقته الخاصة في الخضوع والانبطاح.

ثانيا: مواصفات المشهد السياسي المغربييتصف المشهد السياسي في المغرب بجملة من المواصفات تمنعه أن يكون مشهدا رشيدا تنظمه آليات ومؤسسات واضحة المعالم والصلاحيات:

1- مشهد غامض: لاعتماده على آليات غامضة وشديدة الالتباس، تتحكم في تدبير الشأن العام وتصنع القرارات بشكل انفرادي ولا تخضع لأية معايير موضوعية أو أقيسة منطقية. مشهد يتحكم فيه المخزن وفق أهوائه ومزاجه ومصلحته. أموال ولجان وخدمات ورجال ونساء وإعلام يمارسون لعبة الغموض في “سيرك” بهلواني… أما القانون والشرع والشعب والديمقراطية ف” الملك فوق هذا وذاك” على حد تعبير مزيان بلفقيه (مستشار الملك محمد السادس)

2- مشهد جامد: تغيب عنه الدينامية والحيوية التي تطبع كل عمل سياسي جِدي، والتي تفرضها ضرورة المنافسة والتناوب بين مختلف الفرقاء السياسيين، لأن الفاعل الحقيقي فيه واحد هو المخزن الذي يمارس الوصاية المطلقة على الشعب، والباقي يدور في فلكه ويصفق لقراراته ويجتهد في تنـزيلها كرها. وكل من يعارض طريقة الحكم وينتقدها ويكشف عيوبها يتعرض للاضطهاد والإقصاء والحصار والمساومة والابتزاز (نموذج جماعة العدل والإحسان).

3- مشهد مغلق: لأنه لا يقبل أن يكون فاعلا فيه إلا من رضيه المخزن، والمخزن عَوَّدنا ألا يرضى إلا على من يُرضي رغباته ونزواته ويكون بوقا لترويج شعاراته القديمة الجديدة، فلا يقبل هذا المشهد النِّدِّية في الممارسة السياسية، بل يفرض على الفاعلين أن يسلِّموا بقُدسية الحكم الفردي وبعُلوه فوق القانون والمؤسسات وبكفايته لوحده.

أما الحكومة فلا ينتظر منها الشعب شيئا، وقد فقد الثقة في الجميع منذ زمان، وعبَّر عن ذلك في الانتخابات بإعراضه عن التسجيل وبنسبة مشاركته الشبيهة بالمقاطعة. وماذا ينتظر من حكومة حملت معها بوادر فشلها منذ تأسيسها سواء من حيث طريقة تشكيلها البهلوانية، أو ظروف اشتغالها، أو هامش السلطة المتاح لها، أو الإمكانات المرصودة لعملها، لأن الفشل هو مصير كل حكومة شُكلت في ظل استفحال عاهات الوضع الحالي.

4- مشهد تمويهي: تُمارس فيه لعبة الأقنعة بطريقة محبوكة، يرفع “الممثِّل” شعار الديمقراطية ليمارس الديكتاتورية في أبشع صورها، ويتحدث عن التنمية للتعمية عن استحواذه على جميع خيرات الأمة البرية والبحرية والجوية، يتحدث عن التعددية ليكرس الاستبداد، وعن الوسطية ليثبت الإقصاء، وعن تجاوز ظلم الماضي لإحيائه بشكل أسوأ مما كان. يصيح بالانتخابات! ويضرب بنتائجها عرض الحائط. يستعمل الدين لتجفيف منابع التدين، ويوظف العلماء للسكوت عن العلم! يدفع بالحزب الفلاني ليؤدي وظيفة معينة في زمن معين كقناع واقٍ حتى يتفرد هو بالفساد من تحت القناع التمويهي، ثم يرمي به ذليلا… وهكذا يستمر السيرك.

مجموع هذه المواصفات أدى إلى إفساد العملية السياسية برمتها أو قل أدى إلى ممارسة سياسية بهلوانية ليس لها من المعقولية والمشروعية والجدية ما يُقنع الشعب بجدواها ومفعولها، بل أكد هذا المجموع أن السياسة المغربية لم تتخلص بعد من عاهاتها الجوهرية، هذه العاهات التي تمنع كل تغيير يلامس ماهية الفساد، وبالتالي تمنع كل فعل يمكن أن يُخرج المغرب من عنق الأزمة التي تطوقه.

– يتبع –

——————————————–

” أصل هذا المقال محاضرة بكلية العلوم، مدينة الجديدة، بتاريخ: 31.10.2007

1- الحزبية في المغرب بين النقد والعدمية السياسية- عبد الإله بلقزيز، موقع الحقائق: 12.11.2007

2- وإن كانت بعض هذه الجماعات لم تدرك بعدُ ضرورة القطع مع الاستبداد من أجل بناء المجتمع الذي تريد.

3- صرح الأستاذ عبد الإله بنكيران البرلماني عن حزب العدالة والتنمية أن أعضاء حزبه “عون للملك” (حوار في إسلام أون لاين 2007/8/27).