واجب على الأجهزة الأمنية في كل بلد أن تحمي مواطنيها من كل تهديد، وواجب عليها أن تسهر على سلامتهم وتحرص عليها وأن تحفظ أمنهم، لكن الأوجب عليها أن تشتغل في إطار القانون وأن تلتزم به وتنضبط له وأن لا تتخطى حدودها، واجب على أجهزة الأمن في أي بلد أن تباشر التحقيقات وتجمع المعطيات والأدلة والحقائق وفق المساطر والإجراءات وهنا ينتهي دورها مشكورة مأجورة، وواجب على المؤسسة التشريعية والتنفيذية أن تخضعها لرقابة صارمة، “فالسلطة المطلقة مفسدة مطلقة” كما يقال خاصة إذا كنا في دولة تعترف أنها تعيش “انتقالا ديمقراطيا”، وأن تجربتها الديمقراطية لا تزل غضة طرية، فأجهزة اعتادت لسنوات وأجيال أن تتصرف بدون رقيب ولا حسيب وبعقلية “علقو امو وهبطو بوه”*، من الصعب عليها أن تتخلص من سلوكها الاستبدادي وأن تنضبط للقوانين والتشريعات بين عشية وضحاها إذ أنه حتى في أعرق الديمقراطيات تقع تجاوزات ولنقل إذا أحسنا الظن أخطاء لكن الفرق بيننا وبينهم، فعندنا يرقى ويكرم المخطئون وعندهم لا أحد يفلت من العقاب إذا تبث الخطأ والتقصير.

   واجب على القضاء في أي بلد أن يخدم العدالة وأن ينتصر للحق والحقيقة، وينصف المظلوم ويقتص من الظالم، ويتحمل مسؤوليته كاملة فهو أكبر ضمانة للمجتمع في وجه تجاوزات السلطة، وبلد بلا قضاء نزيه قوي لا يمكن أن يحلم بالديمقراطية التي تعني فيما تعني فصل السلط ولا معنى لقضاء لا سلطة له و لا هيبة ولا استقلالية، يأتمر بالتعليمات فيفصل الأحكام وفق الرغبات والنزوات.

   واجب على الصحافة التي تحترم نفسها وقراءها أن تكون ناظرة حاضرة، ومن حق القارئ عليها أن تنقل له الحقائق أو ما تعرفه منها على الأقل دون زيادة أو نقصان، وواجب عليها أن تفضح الفساد والمفسدين دون أن تكون طرفا أو حكما، بل عليها أن تلتزم الحياد المهني وأن تعرف حدود واجبها فلا تتعداه دون أن تتحول إلى بوق للدعاية وساحة لتصفية الحسابات أو محكمة تصدر الأحكام قبل القضاء.

   واجب على المجتمع بكل مكوناته أن يدافع عن هويته وحريته وكرامته وأمنه واستقراره ومكتسباته والأوجب عليه أن يحارب الاستبداد والاستفراد بالسلطة، واجب عليه أن يقاوم الفساد بكل أشكاله، واجب عليه أن يواجه المحسوبية والزبونية والرشوة وسرطان “اللاانتماء” واللامبالاة الذي ينخر المجتمع.

   كل هذا واجب وكل ذلك أوجب، لكن أكبر واجب على الجميع أن يعرفوا حدود اختصاصاتهم وصلاحيتهم فلا يمكن قبول أي تجاوز في ذلك مهما كانت التحديات والأزمات والصدمات وحتى المخاطر والهزات، ولا ينبغي لأحد أن يزايد على الآخرين لا بوطنيته ولا ولائه ولا إخلاصه لهذا البلد فكل المغاربة بدون استثناء حريصون على أمن البلد واستقراره.

   مقدمة طويلة لا بد منها للتذكير بمنطلقات حقوقية وبديهيات قانونية للقول في “قضية بلعيرج” التي أريد لها أن تشغل الناس لأسباب مجهولة لحد الآن.

   فأن يلقى القبض على خلية ما فهذا أمر عاد جدا، وأن تحقق الشرطة في الراويات والوقائع ومع الأشخاص فهذا وارد جدا، وأن تنقل الصحافة الخبر فهذا طبيعي جدا، وأن ينبري الناطق باسم الحكومة ووزير داخليتها ليطلع الناس بالمستجدات فهذا واجب، لكن غير المقبول ولا المسموح به ولا العادي ولا الطبيعي أن يسبق الجميع الأحداث وأن يكيل الجميع الاتهامات، وغير المستساغ أن يقفزوا على الاختصاصات ويتجاوزوا الصلاحيات، وليس عاد أن تعتبر الأجهزة قولها فصلا ما لم تنتهي التحقيقات ويقول القضاء كلمته، وليس عاد أن تخوض بعض الصحف في كيل الاتهامات ورمي أشخاص بدون بينة ولا حجة إلا رواية الأجهزة المخزنية التي لا تصمد أمام أسئلة المنطق ولا أمام سجل سوابقها الأسود فصفحات سنوات الرصاص لم تجف بعد، وخروقات 16ماي التي أقر بها الملك للبايس لم ترقع لحد الآن، ومن المضحك المبكي في مشهدنا الإعلامي فصحافتنا لم تكلف نفسها عناء التأكد من صحة الاسم قبل كيل التهم للأبرياء وتعليق المشانق فقد تبنت الرواية الرسمية بكل تفاصيلها فحتى الاسم نقل حرفيا وعمم تحت عنوان “خلية بيلراج” “خلية بلارج” لتتدارك الأمر بعد أيام وتدرك أنها “خلية بلعيرج”.

   مؤسف هذا التسرع الصبياني وهذا الاستعجال الطفولي ومضر بسمعتنا ومستقبلنا وثقة المواطنين بمؤسساتنا، لكن الأمر المؤسف جدا أن تكون نخبنا السياسية والمثقفة بنفس النزق والخفة، فما معنى أن يحل عباس الفاسي -عفوا- مؤسسة الوزير الأول حزبا والقضاء لم يقل بعد كلمته؟ بأي منطق سياسي أو سند قانوني أو تفكير ديمقراطي حقوقي.

   ما موقف الحكومة وعلى رأسها عباس الفاسي إذا برأت  ولا نشك في براءتهم -التحقيقات والقضاء المعتصم والركالة والمرواني والآخرين أي مأزق ستجدون أنفسكم فيه !!!حينئذ هل سيكتفي السيد الفاسي بالاعتذار مرة أخرى أم أن القضية ستكلفه منصبه ومستقبله السياسي وسمعة حزب تاريخي تنخرها الآن فضائح الأبناء؟.

   لا نساند الإرهاب حين نقول لكم تريثوا فالإرهاب في عقيدتنا “جريمة ضد الله والإنسانية” ولا نتبنى العنف حين نقول لكم لا تستعجلوا فالعنف مرفوض قطعا مهما كانت الأسباب والمبررات.

   من أجلكم أولا ومن أجل مستقبل البلد وأمنه واستقراره ومن أجل أن لا تعود بنا الأحداث ولا أصحاب النوايا السيئة إلى عهد لم نودعه بعد كليا حين كان الاعتقال والاختطاف والنفي وحل الأحزاب ومصادرة الصحف سلاحا في يد الأجهزة الأمنية لوأد الديمقراطية والحرية والعدالة -قديما- بدعوى أنها تهدد الملكية و-حديثا- بدعوى الإرهاب والعنف ومحاربة الأصولية والتطرف، فرجاء انتبهوا فلسنا في حاجة إلى اعتذارات أخرى ولا إلى جلسات استماع أخرى ولا إلى مجالس إنصاف ومصالحة فجراحنا لم تندمل بعد، ودماؤنا لم تجف بعد، ومناحاتنا لازالت قائمة وقبور أبنائنا وإخواننا وآبائنا لازالت مجهولة!!!!